وقصفٍ مركّز ومتواصل على شمال فلسطين

العدو يُمعن في ارتكاب المجازر.. وحزب الله يُعيق تقدمه بعمليات نوعية

 استمرار العدوان الصهيوني، مقابل صمود المقاومة، يُعيد رسم موازين القوى في المنطقة ويؤكد أن لبنان ومقاومته لن يكونا الحلقة الأضعف في محور المواجهة 

يواصل العدو الصهيوني إعتداءاته الهمجية على لبنان بعد أن تملّص من التزاماته في اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن وطهران وأعلنت باكستان انضمام لبنان إليه. ومع استمرار العدوان، تصاعدت عمليات المقاومة بشكلٍ نوعي، لتؤكد أن لبنان لن يكون ساحة مستباحة، وأن الرد على المجازر بحق المدنيين سيكون ميدانياً ومباشراً. هذه المواجهة ليست مجرد جولة عابرة، بل هي جزء من معركة وجودية يصرّ فيها الشعب اللبناني ومقاومته على الدفاع عن أرضه وكرامته، مهما بلغت التضحيات.

 

غارات دموية تنفيذاً لسياسة الأرض المحروقة

 

شهدت مناطق الجنوب اللبناني في الأيام الأخيرة تصعيداً غير مسبوق، حيث شنّت طائرات الاحتلال أكثر من 200 غارة خلال 24 ساعة، استهدفت بلدات النبطية وصيدا، إضافة إلى قرية تفاحتا التي ارتقى فيها 8 شهداء وأصيب 9 آخرون. كما استهدفت الغارات نقاط إسعاف تابعة للهيئة الصحية الإسلامية، ما أدى إلى سقوط مسعفين شهداء وجرحى. هذه الغارات لم تكن مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل حملت بصمات سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها الاحتلال، في محاولة لإرهاب المدنيين وكسر إرادة المقاومة.

 

لم يقتصر العدوان على المدنيين، بل طال المباني السكنية والعيادات والمرافق العامة، بما فيها السراي الحكومي في النبطية حيث استشهد 13 عنصراً من أمن الدولة. كما امتدت الغارات إلى بلدات واسعة مثل البيسارية، تبنين، قانا، مجدل زون، المنصوري، دبين، جويا، شمع، وغيرها، ما أدى إلى نزوح جماعي وتفاقم الأزمة الإنسانية. هذا الاستهداف الممنهج للبُنية التحتية يعكس رغبة الاحتلال في ضرب مقومات الحياة اليومية، وتحويل الجنوب إلى منطقة منكوبة.

 

استماتة صهيونية للسيطرة على بنت جبيل

 

يتصاعد المشهد العسكري في جنوب لبنان بوتيرة لافتة، مع تركيز صهيوني واضح على محوري بنت جبيل والخيام، في محاولة لفرض معادلات ميدانية جديدة قبل أي مسار تفاوضي، وسط استمرار القصف وتوسع رقعة الاشتباك.

 

فقد بدا واضحًا أنّ كيان الاحتلال يبحث عن «بنك أهداف» يتيح له الخروج بصورة المنتصر من حربه على لبنان، فكثّف غاراته الجوّيّة، بالتّوازي مع استمرار محاولات التقدّم البرّي في مدينة بنت جبيل، لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الدّخول في المسار السّياسي، بما يمنحه أوراق ضغطٍ إضافيّة خلال التّفاوض، ويؤثّر مباشرةً في توازنات أيّ تسويةٍ محتملة.

 

وتكشف خريطة الاستهدافات، عن نمط تصاعدي يبدأ من شمال الليطاني وصولاً إلى الجنوب، حيث شُنت الغارات على مناطق النبطية وزفتا وكفر رمان، قبل أن تمتد إلى العديسة والطيبة ومحيط بنت جبيل.

 

وتعكس كثافة الضربات على بنت جبيل تحديداً، إلى جانب تكرار استهدافها، أهمية خاصة لهذه المنطقة في الحسابات العسكرية الصهيونية، لا سيّما مع تسجيل غارات متتالية واشتباكات متكررة في محيطها.

 

كما يدل إعلان حزب الله استهداف قوات صهيونية وجرافات كانت تنفذ عمليات تفجير في عيتا الشعب والطيبة والخيام، مؤشر على محاولة العدو الصهيوني تغيير معالم الميدان عبر تدمير البُنية العمرانية وإضعاف نقاط الارتكاز.

 

وفي التحليل العسكري، فإن إدخال فرقة المدرعات 162 إلى معركة بنت جبيل يُمثل مؤشراً واضحاً على سعي العدو الصهيوني للحسم، نظراً لكونها من أبرز تشكيلات النخبة القتالية.

 

فهذه الفرقة، التي تُعرف بـ«الصلب والنار»، تُستخدم عادةً في المعارك الحاسمة، ويشكل اللواء المدرع 401 رأس الحربة فيها، وهو اللواء الذي سبق أن خاض معارك في غزة وتكبد خسائر أمام المقاومة.

 

ويُشكل الدفع بهذه القوة يعكس تحولاً في طبيعة المعركة، من عمليات قصف واستنزاف إلى محاولة فرض سيطرة ميدانية مباشرة، خصوصاً في ظل تعثر التقدم البري في الأسابيع الماضية.

 

وعن طبيعة العمليات، فالجيش الصهيوني يسعى إلى تطويق بنت جبيل عبر محاور متعددة، من بينها التقدم من مارون الراس نحو عيتا الشعب وعيناثا، بالتوازي مع تحركات من يارون باتجاه عين إبل.

 

ويهدف هذا الانتشار، إلى وضع المدينة بين «فكي كماشة»، عبر حصارها من الجهة الشرقية، في محاولة لعزلها عن محيطها وإجبار المقاومة على الانسحاب أو فقدان القدرة على المناورة.

 

لكن في المقابل، يؤكد أن المقاومة لا تزال تحافظ على تماسكها داخل بنت جبيل، وتعمل على منع القوات الصهيونية من تحقيق اختراق حاسم، مما يبقي المعركة مفتوحة على سيناريوهات متعددة.

 

وتكمن أهمية بنت جبيل، في موقعها الجغرافي وارتفاعها الذي يصل إلى نحو 770 متراً، ما يجعلها منطقة إشراف حاكمة على جنوب لبنان وشمال كيان الاحتلال، إضافةً إلى رمزيتها المعنوية في خطاب حزب الله.

 

وتجدر الإشارة  إلى أن السيطرة على هذه المدينة تعني عملياً التحكم في جزء واسع من القطاع الأوسط، وفتح الطريق أمام إعادة رسم خطوط التماس بما يخدم الرؤية الصهيونية للمرحلة المقبلة.

 

 

عمليات المقاومة النوعية

 

ردّت المقاومة الإسلامية بعمليات نوعية تجاوزت في بعض الأحيان 22 عملية في يومٍ واحد، شملت قصفاً صاروخياً مكثفاً، هجمات بالطائرات المسيّرة الانقضاضية، واشتباكات مباشرة في بنت جبيل. وتمكنت من استهداف دبابات ميركافا بصواريخ موجّهة ومسيّرات، ما أدى إلى احتراقها وتأكيد هشاشة القوة البرية الصهيونية. هذا التنوع في الأساليب يعكس تطوراً تكتيكياً كبيراً، ويؤكد أن المقاومة باتت قادرة على الجمع بين العمل التقليدي والحديث في آنٍ واحد.

 

كما وسّعت المقاومة نطاق عملياتها لتشمل مواقع في صفد وشآر يشوف وهغوشريم، إضافة إلى مغتصبة كريات شمونة التي تعرضت للقصف سبع مرات في يومٍ واحد. كما استهدفت مغتصبات المنارة، أفيفيم، شلومي، شوميرا، والمطلة، مؤكدةً قدرتها على تجاوز الحدود التقليدية للمعركة. هذه الضربات في العمق الصهيوني تحمل رسالة واضحة: أي عدوان على لبنان سيقابله رد مباشر داخل المغتصبات والمدن الصهيونية.

 

استخدام حزب الله لمسيّرات “FPV” يرفع منسوب القلق لدى العدو

 

يستخدم حزب الله سلاحاً جديداً مقاوماً للاعتراض هي مسيّرات تُعرف باسم «FPV» تطلق يومياً باتجاه الدبابات والمركبات المدرعة والمعدات الهندسية الصهيونية في لبنان بكلفة تقدر بنحو 500 دولار فقط، هذه المسيّرات تعتمد على الاتصال بكابل ألياف بصرية ما يمنحها حماية كاملة من محاولات الاعتراض، موقع «غلوبز» الصهيوني أشار إلى أن حزب الله أعاد استخدام طائرة مسيّرة مفخخة رخيصة التصنيع والتركيب بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب حيث تُطلق هذه الطائرات باتجاه الأهداف الصهيونية داخل الأراضي اللبنانية وهو ما يظهر في الفيديوهات التي ينشرها الإعلام الحربي في المقاومة الإسلامية، ولفت إلى أن هذه المسيّرات المفخخة تربط بكابل ألياف بصرية مباشرة بغرفة التشغيل ما يمنحها حماية كاملة من التشويش على إشارات تحديد الموقع أو الراديو ويتراوح طول هذه الألياف بمتوسط 10 كيلومترات ويبلغ وزنها نحو 1.5 كلغ وهو وزن يمكن لطائرة مسيّرة صغيرة حمله بما يتيح لها الوصول إلى أهدافها والانقضاض على مركبات صهيونية على مسافات قريبة.

 

البُعد السياسي والإعلامي

 

رغم إعلان باكستان أن لبنان مشمول باتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، رفض العدو الصهيوني الالتزام وأكد استمرار عملياته العسكرية. هذا التملّص يعكس رغبة الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض، فيما المقاومة ترد بفرض معادلة الردع عبر العمليات النوعية.

 

البُعد الإنساني ..استهداف مُمنهج

 

حصيلة العدوان منذ 2 آذار/مارس بلغت أكثر من 2020 شهيداً و6436 جريحاً، وفق وزارة الصحة اللبنانية. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الجنوب، حيث نزحت آلاف العائلات من قراها، فيما يعاني القطاع الصحي من ضغط هائل نتيجة استهداف المستشفيات والمراكز الطبية. استهداف المسعفين يبرز سياسة الاحتلال في ضرب كل مقومات الصمود، ويكشف عن محاولة منهجية لإضعاف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات. ومع ذلك، يواصل الأهالي دعم المقاومة، معتبرين أن الصمود هو الخيار الوحيد أمام آلة الحرب الصهيونية.

 

ختاماً المشهد اللبناني اليوم يختصر معادلة واضحة: الاحتلال يواصل مجازره بحق المدنيين، فيما المقاومة ترد بعمليات نوعية تثبت قدرتها على ضرب العمق الصهيوني وإرباك جيشه. هذه المواجهة ليست مجرد جولة عابرة، بل هي جزء من معركة وجودية يصرّ فيها الشعب اللبناني ومقاومته على الدفاع عن أرضه وكرامته، مهما بلغت التضحيات. إن استمرار العدوان الصهيوني، مقابل صمود المقاومة، يُعيد رسم موازين القوى في المنطقة ويؤكد أن لبنان ومقاومته لن يكونا الحلقة الأضعف في محور المواجهة.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص