الملحمة الكونية: إيران بين ثنائية النور والظلام

في العقل الجمعي الإيراني، لا تُخاض المعارك السياسية كصراعات على الحدود أو الموارد فحسب، بل كجزء من ملحمة أخلاقية كبرى تمتد جذورها إلى آلاف السنين. ولقد تقاطع الزرادشتية والإسلام في صناعة الذات الإيرانية، فلا يمكن فهم الشخصية الإيرانية المعاصرة دون العودة إلى جذورها الزرادشتية التي حكمت الهضبة الإيرانية لقرون، ثم انصهارها مع العقيدة الإسلامية

 

د. سلام عودة المالكي

وزير النقل العراقي الأسبق

 

 

العهد القديم: من “النور” الزرادشتي إلى “التوحيد” الإسلامي

 

لم يكن دخول الإسلام انقطاعاً تاريخياً بل “تطويراً جوهرياً”. كما يرى الشهيد مطهري، فإن الإيرانيين لم يستسلموا للسيف، بل استسلموا لـ “نور العدالة” الذي افتقدوه في أواخر العهد الساساني الطبقي. هذا الانصهار جعل من “ثنائية الخير والشر” الزرادشتية وقوداً لـ “معركة الحق والباطل” في المفهوم الإسلامي، مما صبغ السياسة الإيرانية بصبغة ملحمية دائمة.

 

العبقرية الفارسية كوعاء للحضارة

 

تتجلى رؤية مطهري في أن الإيرانيين لم يكتفوا باعتناق الدين، بل “أمموه” ثقافياً. استخدموا لغتهم الفارسية وأدبهم (الرومي وحافظ) لتقديم إسلام عرفاني وفلسفي. هذا جعل الشخصية الإيرانية تشعر بـ “السيادة التاريخية”؛ فهي ترى أنها من أعطت للإسلام عمقه الفلسفي ولغته الأدبية، مما يفسر اليوم تمسك طهران بخصوصيتها الثقافية ورفضها للتبعية لأي مركز إسلامي آخر.

 

الاستشهاد كأداة ردع استراتيجي

 

تدمج الشخصية الإيرانية بين شجاعة الأبطال في “الشاهنامة” (مثل رستم وإسفنديار) ومظلومية أهل البيت. في المواجهة مع التكنولوجيا العسكرية المتفوقة للولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد إيران على “عقيدة الاستشهاد” لتعويض الفارق المادي.

 

– النصر واستحالة الاستسلام تسهم هذه العقيدة في تحول المقاتل الإيراني إلى “جندي النور” الذي يواجه “قوى الظلام”، مما يجعل الانسحاب أو الهزيمة أمراً غير وارد في المنظور العقدي.

 

الجيوسياسة كـ “ملحمة أخلاقية”

 

حين تدمج “ثنائية النور والظلام” مع فكرة مطهري حول “الخدمات المتبادلة”، تفهم لماذا تُدار الصراعات المعاصرة بنَفَس طويل وصبر استراتيجي. الإيراني لا يخوض صراعاً على حدود جغرافية فحسب، بل يرى نفسه في “مواجهة كونية” ضد القوى المظلمة (الاستكبار). هذا المزيج بين “عقدة التفوق الثقافي” و”المظلومية التاريخية” هو المحرك الفعلي للقرار السياسي الإيراني اليوم.

 

التوازن الحضاري : “الفرس” و”الإسلام”

 

صناعة الشخصية الإيرانية المعاصرة، كما أرادها مطهري وحللها في أطروحاته ، تقوم على ركيزتين:

 

داخلياً: العرفان والبحث عن “النور” داخل النفس.

 

خارجياً: المؤسسة الدينية التي تمنح الدولة شرعية “القيادة الروحية” للعالم الإسلامي.

 

الخاتمة

 

الصبر الاستراتيجي الإيراني ببساطة هو أن دبلوماسية السجادة” مقابل “دبلوماسية الوجبات السريعة” الغربية. هو انتظار اللحظة التي يتعب فيها “الظلام” من الركض، ليبدأ “النور” في التقدم بهدوء.

 

فإيران اليوم هي ثمرة هذا التلاقح؛ دولة تستخدم أدوات العصر (السياسة والجيش) بروح الأساطير القديمة (رواية مطهري للصراع الحضاري)، مما يجعلها لاعباً إقليمياً لا يمكن فهم تحركاته بالمنطق المادي البحت وحده. وفي النهاية، فإن إيران ستظل “شمعة في ظلام التاريخ”، تنير طريقها بنور العدالة والحق.

 

 

المصدر: الوفاق