شهدت القارة الأوروبية حدثاً سياسياً بالغ الأهمية مع سقوط فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر الذي حكم البلاد لنحو عقدين، في الانتخابات العامة الأخيرة. هذا التحول لا يقتصر على الداخل المجري، بل يمتد أثره إلى الساحة الدولية، إذ كان أوربان يُعد الحليف الأوثق لرئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، ويُمثل بالنسبة لتل أبيب «خط الدفاع الأخير» داخل الاتحاد الأوروبي. ومع رحيله، تبدو الدبلوماسية الصهيونية أمام مرحلة جديدة عنوانها فقدان القدرة على تعطيل الإجماع الأوروبي المتنامي ضد سياسات الاحتلال في فلسطين.
أوربان كجدار حماية داخل الاتحاد الأوروبي
منذ سنوات، لعب أوربان دوراً محورياً في تعطيل أي تحركات أوروبية جماعية ضد الاحتلال. فقد استخدم حق النقض مراراً لإجهاض مشاريع قرارات تدين الاستيطان أو تفرض عقوبات على المستوطنين. هذا الدور جعله في نظر تل أبيب «جدار حماية» داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، إذ كان يضمن بقاء المواقف الأوروبية منقسمة وغير قادرة على اتخاذ خطوات عملية ضد الاحتلال. بخسارته، تتصاعد المخاوف الصهيونية من فقدان القدرة على اختراق الإجماع الأوروبي الذي يسعى لتبني مواقف أكثر صرامة تجاه العمليات العسكرية في غزة.
تحدي المؤسسات الدولية لصالح نتنياهو
لم يقتصر دعم أوربان لنتنياهو على المواقف السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، بل امتد إلى تحدي المؤسسات القضائية الدولية. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وبعد صدور مذكرة توقيف بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية، سارعت بودابست إلى دعوته رسمياً لزيارة البلاد، في خطوة اعتُبرت تمرداً على التزامات المجر القانونية. وفي نيسان/ أبريل 2025، استقبل أوربان نتنياهو استقبالاً رسمياً، وأعلن بدء إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي، ما جعل المجر الملاذ الأوروبي الوحيد المتاح لنتنياهو للإفلات من ملاحقة العدالة الدولية. وانتقدت هيئات حقوق الإنسان قرار المجر، وقالت منظمة العفو الدولية في بيانٍ لها إن «نتنياهو يُلاحق كمجرم حرب متهم باستخدام التجويع ومهاجمة المدنيين وقتلهم واضطهادهم، وبالتالي فإن استقبال بودابست له يظهر ازدراءً بالقانون الدولي، ويؤكد أن مجرمي الحرب المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية مرحب بهم في شوارع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي». فوز بيتر ماغيار وحزبه «تيسا» اليوم يُهدد بقلب هذه الطاولة، مع إعلان النية للعودة إلى كنف المحكمة الدولية.
نهاية الملاذ الأوروبي الوحيد
عودة المجر المحتملة إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية تعني عملياً إغلاق «الملاذ الأوروبي الوحيد» الذي كان متاحاً لنتنياهو. فبعد أن كان أوربان يصف مذكرات الاعتقال بأنها «عبثية»، يجد نتنياهو نفسه اليوم محاصراً قانونياً في القارة العجوز، مع فقدان الحليف الذي كان يوفر له غطاءً سياسياً وقانونياً. هذه التطورات تُمثل ضربة دبلوماسية قاصمة للدبلوماسية الصهيونية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الملاحقة القانونية الدولية.
أوربان وسجل خرق القانون
أوربان لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل شخصية مثيرة للجدل عُرفت بخرق القواعد الأوروبية وتحدي المؤسسات القضائية. دعوته نتنياهو لزيارة المجر رغم صدور مذكرة توقيف بحقه كرّست هذه الصورة، وجعلت من بلاده موضع انتقاد واسع من منظمات حقوق الإنسان مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. هذه المنظمات اعتبرت أن استقبال مجرم حرب متهم بقتل المدنيين واضطهادهم يُمثل ازدراءً بالقانون الدولي، ويؤكد أن المجر في عهد أوربان كانت ملاذاً لمجرمي الحرب المطلوبين.
هذا وكانت المجر قد اتُّهمت باحتضان موقع لإنتاج أجهزة البيجر الهاتفية التي استخدمها العدو الصهيوني في عملية تفجيرات واسعة في لبنان ضد أعضاء في حزب الله ومدنيين لبنانين في سبتمبر/أيلول الماضي.
ونقل موقع «بي بي سي» البريطاني يومها عن مؤسس شركة غولد أبولو التايوانية هسو تشينغ كوانغ قوله إنّ «أجهزة البيجر المستخدمة في تفجيرات لبنان صنعت في شركة «بي إي سي» للاستشارات ومقرها العاصمة المجرية بودابست»، مضيفاً «أن الشركة المذكورة لديها اتفاق مع شركته يمنحها حق تصنيع الأجهزة واستخدام العلامة التجارية لشركته».
التقارب الأيديولوجي بين أوربان ونتنياهو
العلاقة بين أوربان ونتنياهو لم تكن مجرد تحالف سياسي، بل تقارب أيديولوجي عميق. فكِلاهما، إلى جانب دونالد ترامب، يتبنى نظرية «الاستبدال العظيم»، التي تقوم على الاعتقاد بوجود مؤامرة ضد الإنسان الأبيض تهدف إلى استبداله بغيره. هذا الفكر يولد لديهم حالة من العداء المستفحل للمهاجرين والأقليات والأديان الأخرى. أوربان، في خطاباته، كان يحذر من «الغزاة الأجانب» الذين يهددون السكان الأصليين في المجر، وهو خطاب يتطابق مع تبريرات المستوطنين الصهاينة في فلسطين. هذا التقارب الأيديولوجي جعل من التحالف بين بودابست وتل أبيب أكثر من مجرد علاقة سياسية، بل شراكة فكرية قائمة على رفض الآخر ومعاداته.
انعكاسات سقوط أوربان على الدبلوماسية الصهيونية
رحيل أوربان يعني عملياً نهاية المرحلة الذهبية للدبلوماسية الصهيونية في شرق أوروبا. فقد كانت بودابست رأس الحربة في الدفاع عن سياسات اليمين الصهيوني، ووفرت غطاءً سياسياً وقانونياً لنتنياهو في مواجهة الضغوط الأوروبية والدولية. اليوم، تجد تل أبيب نفسها مضطرة للتعامل مع واقع أوروبي أكثر تماسكاً، ومع قيادة مجرية جديدة تضع مصالحها مع بروكسل فوق تحالفاتها الشخصية السابقة. هذا التحول سيجعل من الصعب على الاحتلال مواصلة سياسة الإفلات من العقاب، ويزيد من عزلة نتنياهو على الساحة الدولية.
ختاماً سقوط فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية يُمثل نقطة تحول تاريخية في المشهد الأوروبي والدولي. فبِخسارته، فقد نتنياهو الحليف الذي كان يوفر له الغطاء السياسي والقانوني، وخسر الاحتلال «خط دفاعه الأخير» داخل الاتحاد الأوروبي. ومع عودة المجر المحتملة إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية، يُصبح نتنياهو محاصراً أكثر من أي وقت مضى، ويجد نفسه أمام واقع جديد عنوانه فقدان القدرة على تعطيل الإجماع الأوروبي المتنامي ضد سياسات الاحتلال. هذه التطورات تؤكد أن القارة العجوز تدخل مرحلة جديدة من التماسك في مواجهة التحديات، وأن الدبلوماسية الصهيونية فقدت أحد أهم أوراقها في أوروبا.