بداية التعارف والمسيرة المشتركة
تعود معرفتي بالدكتور خرازي إلى عام 1362هـ.ش (1983م) عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري، شابًا من الحرس الثوري أعمل في قسم الدعاية الحربية في أجواء الحرب المفروضة.
في ذلك الوقت، كان هو المدير العام لوكالة أنباء الجمهورية الإسلامية “إرنا” ورئيس مقر الدعاية الحربية، ومن هنا تشكّلت علاقتي المستمرة معه في مجال العمل الإعلامي المرتبط بالحرب.
الإعلام قبل الثورة.. وبداية التحوّل
قبل الثورة، كانت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية تُعرف باسم «وكالة بارس»، وكانت تضم عددًا قليلًا من المراسلين، مع مخرجين إخباريين باللغة الفارسية والإنجليزية، ونشاط محدود جدًا يتناسب مع ظروف ما قبل الثورة.
بعد الثورة، أصبح الدكتور خرازي أول مديرعام مُعيّن، في وقت كانت فيه البلاد متأثرة بالحرب المفروضة. آنذاك، كانت تقنيات المعلومات والوصول إلى الأخبار والعمل الإعلامي عمومًا محدودة للغاية.
لم يكن في البلاد سوى عدد قليل من الصحف والمجلات، ووكالة أنباء واحدة، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، حيث كان الراديو يحتوي فقط على «الوحدة المركزية للأخبار» المخصصة للداخل.
وفي ظل الحرب، ومع وجود تيار إعلامي قوي داعم لصدام في المنطقة والغرب، لم تكن هناك قناة إخبارية قادرة على مواجهة هذا التيار.
قيادة التحوّل في أصعب الظروف
في مثل هذه الظروف، تولّى الدكتور خرازي مسؤولية وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية، رغم أن وسائل الاتصال كانت تقتصر على التلكس والورق، ولم يكن حتى الفاكس متاحًا؛ لكن بفضل جهوده الدؤوبة ومعرفته بالعلوم الحديثة (حاصل على ماجستير في العلوم التربوية من جامعة طهران ودكتوراه في الإدارة التعليمية من جامعة هيوستن الأمريكية)، بدأ بإحداث تحول شامل في جمع ومعالجة ونشر الأخبار، رغم الإمكانات المحدودة في ثمانينيات القرن الماضي.
أبرز إنجازاته التحوّلية
– تغيير اسم «وكالة بارس» إلى «وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية».
– استقطاب الكفاءات الشابة ودمجها مع الخبرات السابقة لتأسيس جيل جديد من الصحفيين المحترفين.
– تعزيز العلاقات الدولية وإطلاق الخدمة باللغة العربية إلى جانب تقوية اللغة الإنجليزية.
– إنشاء نظام رصد إعلامي على مدار الساعة لمتابعة الصحافة والإذاعات العالمية بلغات متعددة.
– إعادة هيكلة المؤسسة وتفعيل المكاتب داخل البلاد، وإنشاء مقار لها في مناطق حسّاسة مثل آبادان وخرمشهر.
– افتتاح مكاتب خارجية في أوروبا، والأمم المتحدة، وآسيا، وأفريقيا، والخليج الفارسي، وأمريكا اللاتينية.
– تطوير التدريب الإعلامي عبر دورات تخصصية بإشراف خبراء.
– إدخال أحدث التقنيات، مثل استخدام أول حواسيب IBM لتحويل نظام التلكس إلى نظام حاسوبي.
– إنشاء قنوات معلومات خاصة للمسؤولين لمتابعة تطورات العالم وتحليل الإعلام الدولي.
– إطلاق نشرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية لمختلف مؤسسات الدولة.
– تعزيز الحضور في المحافل الإعلامية الدولية، خاصة ضمن وكالات حركة عدم الانحياز.
إرثه الإعلامي
لهذا، يمكن بحق تسمية الدكتور كمال خرازي بـ«أب تحوّل الإعلام الإخباري في إيران»، إذ وضع أسس تدريب الكوادر، وبناء البنية التحتية، وتوسيع الحضور الإعلامي الإيراني عالميًا، كما كان رائدًا في الانتقال من التلكس إلى التكنولوجيا الحديثة في إنتاج الأخبار.
ورغم أن الكثيرين يعرفونه من خلال دوره في السياسة الخارجية، إلا أن دوره المحوري في تطوير الإعلام بقي أقل شهرة، ربما بسبب ارتباطه بسنوات الحرب الأولى وظروفها القاسية.
علاقة إنسانية عميقة
على مدى 43 عامًا، كان الدكتور خرازي بالنسبة لي ولعشرات الآخرين أستاذًا وأبًا ومعلمًا.
بعد الحرب، وبإرشاده، انتقلت من الحرس الثوري إلى وكالة أنباء الجمهورية الاسلامية. ثم شاءت الظروف أن أعمل في وزارة الخارجية عندما أصبح هو وزيرًا، وتعاونت معه أيضًا في معهد العلوم الإدراكية، وخدمته كمستشار إعلامي في مجلس العلاقات الخارجية.
كنت أعتبر وجودي إلى جانبه فرصة لفهمه والتعلّم منه، وهي تجربة ستبقى معي إلى الأبد.
صفاته الشخصية
من خلال ذكرياتي معه في مختلف المراحل والأزمات، أستطيع القول إن أبرز صفاته كانت: الصدق، والشفافية، والانضباط، والإدارة الشاملة، والأخلاق العالية، واللطف، وسعة الصدر، والوفاء، والإيمان الراسخ، والإلمام الدائم بآخر التطورات العالمية، والاطلاع التكنولوجي، إضافة إلى النزاهة المالية والبساطة في العيش.
إنّ دوره في إعادة تعريف السياسة الخارجية، وتطوير العلوم المعرفية والتربوية، وتعزيز الوحدة الوطنية، يحتاج إلى عشرات الدراسات والكتابات المتخصصة، وقد حاولت هنا أن أتناول جانبًا خفيًا وأقل شهرة منه ضمن حدود إمكانياتي.
في عام 1367هـ.ش (1988م) أُصبت بمشكلة في القلب، وكنت آنذاك صحفيًا عاديًا في “إرنا”. أتذكر أن أول شخص رأيته عندما فتحت عيني في المستشفى كان الدكتور خرازي، الذي جاء لزيارتي رغم مكانته الكبيرة.
وفي العام الماضي، عندما توفيت والدتي، كان أيضًا حاضرًا في مراسم العزاء.
كلمة أخيرة
في عام 1392هـ.ش (2013م)، أصبحت مديرًا عامًا لوكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء “إرنا” في حكومة الرئيس روحاني، وقلت له إن ما وصلت إليه هو نتيجة جهوده وتربيته لي على مدى أعوام. فابتسم وقال: «أحسنت بقبول المسؤولية، سيساعدك الله وستنجح».
استُشهد الدكتور خرازي مع زوجته -التي سمعت كثيرًا عن فضائلها- وكان جديرًا به أن ينال هذه المنزلة، لا أن يرحل على فراش المرض. وأنا على يقين أنني، ومعي مئات من تلامذته، سنبقى أوفياء لذكراه، نعيش على نهجه، ونحمل ما تعلمناه منه ما حيينا.
ذكراه ستبقى حيّة إلى الأبد، وإن لم يعد بيننا.
وكما يقول الشاعر: «أنا حاضر في القلوب كما الروح في الجسد والدم في العروق/ فلا تنسوني حين يحين وقت الذكرى».
