إنّ أحداثاً كبرى، مثل استشهاد قائد الثورة سماحة السيد علي الخامنئي(رض)، واللواء موسوي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، واللواء باكبور قائد الحرس الثوري، كان يمكن أن تزعزع أي نظام. وكان هذا بالضبط هو مشروع أعداء الشعب الإيراني؛ لكنهم لم يتوقعوا أن يمتلك النظام القدرة على الصمود والبقاء.
فقد انهارت خططهم في مواجهة إيران وشعبها ونظامها، وسقطت حساباتهم الوهمية. ويمكن تعداد أسباب عديدة لبقاء إيران وقوة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن السبب الأبرز والواضح هو حضور الشعب ودعمه، وهو ما كان ولا يزال قائماً.
خلال العقود الأخيرة، بذل الأعداء كل ما في وسعهم لإحداث فجوة بين الشعب والنظام، وزرع عدم الثقة والازدواجية، بل وحتى الشعور بالغربة. لعلّكم تذكرون أنهم خلال كأس العالم في قطر كانوا يقولون إن المنتخب الوطني الإيراني ليس ممثلاً للشعب!
وكانوا يعتبرون الرياضيين والشباب الذين يحققون ميداليات علمية، ويقفون إلى جانب علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويقبّلونه أو يسجدون شكراً، خارج إطار الشعب الإيراني! بل كانوا يلومون هؤلاء الشباب ويوبّخونهم.
هذا النهج القائم على صناعة الازدواجيات كان ولا يزال من تعليمات الشبكات الإعلامية المرئية والمسموعة، ويمكن تتبّع آثاره أيضاً في الفضاء الافتراضي.
كانوا يظنون أنهم سيجنون ثمار هذه الازدواجية خلال «حرب رمضان»؛ لكن النتيجة جاءت عكس توقعاتهم؛ إذ نزل الشعب إلى الساحة دعماً لإيران والنظام، حضوراً متواصلاً لا يزال مستمراً حتى الآن.
وعندما هدد دونالد ترامب بتدمير البنى التحتية لإيران، أحاط الناس بمحطات الطاقة، وشكّلوا سلاسل بشرية على الجسور.
كما حضر الفنانون أمام محطات الطاقة أو وسط خطوط السكك الحديدية، وواجهوا تهديد التدمير بالموسيقى والأغاني.
وقد انتصروا! فالشعب الذي لا يخاف الموت، ويرفع راية الحياة في وجه التهديد بالفناء، هو شعب منتصر حتى لو قدّم روحه قرباناً.
يمكن ملاحظة الغضب، بل وحتى الجنون، في مواقف ترامب وغيره من عناصر الحكومة الأمريكية والكيان الصهيوني. فالحديث عن «تدمير الحضارة الإيرانية» و«إبادة إيران» و«إعادتها إلى العصر الحجري» ما هو إلا تعبير عن حقد وغضب مصحوبين بالتهديد والإساءة، نتيجة حضور الشعب الإيراني.
الشاعر أبوالقاسم فردوسي، في مقدمة «الشاهنامة»، وبعد حديثه عن تمجيد العقل وقصة الخلق، يتناول «تمجيد الناس».
وكلامه المليء بالحكمة يمثل بياناً لفهم طبيعة الشعب الإيراني. فلم يتحدث أحد بوضوح عن دور الشعب كما فعل فردوسي. وحضور الشعب الإيراني في هذه الأيام والليالي هو تفسير حيّ لكلامه:
«حين تتجاوز ذلك، يظهر الناس
فيغدون مفاتيح لكل القيود
يقفون شامخين كالسرو العالي
جميلون في القول، عاملون بالحكمة.»
فالناس هم المفاتيح التي تفتح القيود والأغلال، وهم يقفون بثبات كالسرو، ويقوم سلوكهم وكلامهم على الحكمة.
يمكن القول إن سرّ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية كان في الفهم العميق الذي امتلكه الإمام روح الله الخميني(رض) للشعب.
فلم يظهر في حياته أي شك في قدرة الناس على حلّ المشكلات. لقد امتلك هذه الرؤية الواضحة الفريدة، وكان يعيش دائماً كواحد من عامة الناس.
حين كان في النجف الأشرف، كان المراجع عادة يقضون صيفهم الحار في الكوفة أو في بيوت على ضفاف الفرات؛ لكنه لم يكن يفعل ذلك. يروي المرحوم حجةالإسلام السيد محمود دعائي: «دخل الإمام يوماً إلى المنزل، فرأى جهازَي تكييف جديدين في زاوية الفناء.
سأل: ما هذا؟ قلت: أحد محبيكم أرسلهما من الكويت. فقال فوراً: أعيدوهما! قلت: تكلفة الإرجاع مرتفعة. فقال: إذن قدّموهما هدية لأحد المساجد». فلم يكن يريد استخدام التكييف في حين أن الفقراء في النجف لا يستطيعون ذلك.
وفي موقف آخر، عندما كان الإمام في “نوفل لوشاتو” في باريس، وكان الجو حاراً، قام المحيطون به بتشغيل المكيف على درجة خفيفة. وعندما استيقظ، قال لنجله أحمد بنبرة لطيفة: «يا أحمد! هذه برودة المكيف جميلة جداً!».
ومن الشواهد الأخرى على إيمانه الاستراتيجي بدور الشعب، لقاؤه مع ممثلي منظمة مجاهدي خلق في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات الهجرية الشمسية (1969–1971م)، حيث أكد لهم أن الكفاح المسلح وحده لن يحقق النتيجة، وأنه لابد من دخول الشعب إلى الساحة، وأنه بدون وعيه ودعمه لا يمكن تحقيق شيء.
وعندما انطلقت المظاهرات المليونية بقيادته، ثبتت صحة هذه الرؤية. وقد صاغ المفكر الفلسطيني منير شفيق نظرية «المسيرات؛ استراتيجية وتكتيك معاً» استناداً إلى هذا النهج.
لقد كان تركيز الإمام الخميني(رض) دائماً على الشعب. وعندما التقى به الشهيد مرتضى مطهري في باريس، قال بعد عودته: «الإمام يؤمن بالشعب». وقد تجلّى هذا الإيمان في مشهدين تاريخيين: استقبال الشعب له، وتشييعهم المهيب لجثمانه.
هذا الإرث من الإيمان بالشعب تجلّى أيضاً في حياة وقيادة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض)، برؤية مستمدة من نهج النبي والإمام علي(ع)، حيث تؤكد الحكم المأثورة مثل «عليكم بالسواد الأعظم» و«يد الله مع الجماعة» على مركزية الناس.
وخلال «الحرب المفروضة الثالثة» الأخيرة (مارس/ أبريل)، في مواجهة الهجوم العنيف من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، نزل الشعب الإيراني إلى الساحة، فتجسّد «السواد الأعظم»، وشوهدت يد الله بين الناس. بدا أن إيران استعادت شبابها وحيويتها، ووقف شعبها كالسرو، كما وصف فردوسي.
لقد كان حضور الشعب الركن الأساسي والعامل الحاسم في إفشال مخططات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فقد كانوا يظنون أن الهجوم سيؤدي إلى تمرد داخلي وسقوط النظام، بل أعلنوا دعمهم لتحركات مسلحة وتهريب السلاح لداخل إيران؛ لكن الشعب تحرك، لا ضد النظام، بل ضد أمريكا والكيان الصهيوني.
وقد أدركوا أن أقوى دعامة للنظام هي الشعب، ولذلك استهدفوا المدارس، مثل مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب، والمستشفيات، ومراكز إنتاج الأدوية، ومعهد باستور. كان الهدف الحقيقي هو الشعب الإيراني وحرمانه من الخدمات؛ لكن الشعب بقي في الساحة، ولا يزال.
الشعب الإيراني يدرك أن بلاده، بعد عبور هذه المرحلة، مقبلة على عهد جديد وإيران جديدة، عهدٍ يكون فيه مفتاح فتح كل القيود هو حضور الشعب نفسه.
