يشهد القرن الأفريقي والبحر الأحمر في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التحركات العسكرية الأميركية، في ظلّ تحولات جيوسياسية معقدة ترتبط بالممرات البحرية الحيوية التي تربط الشرق بالغرب. هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن المخاوف الأميركية من فقدان السيطرة على مضيق باب المندب، الذي يُعدّ أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وبالتزامن مع تهديدات بنقل المعركة البحرية مع الولايات المتحدة من مضيق هرمز إلى بحر عُمان ومضيق باب المندب الواقع على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر في حال استمرّ الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، تصاعدت التحركات الأميركية في دول القرن الأفريقي المقابِلة لليمن في الساعات الماضية.
واشنطن والقرن الأفريقي.. خلفيات استراتيجية
منذ نهاية الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة اهتماماً متزايداً بالقرن الأفريقي، باعتباره منطقة ذات أهمية استراتيجية قصوى. فالموقع الجغرافي لهذه المنطقة يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ويجاور شبه الجزيرة العربية، ما يجعلها نقطة ارتكاز لأي قوة تسعى للهيمنة على طرق التجارة العالمية. وجود قاعدة أميركية في جيبوتي، وتكثيف الاتصالات مع سلطات «أرض الصومال»، يعكس إدراك واشنطن أن السيطرة على هذه المنطقة تعني التحكم في مفاتيح الملاحة الدولية.
«أرض الصومال» موطئ قدم جديد لواشنطن
زيارة قائد القيادة الأميركية في أفريقيا إلى هرجيسا عاصمة إقليم «أرض الصومال»، ولقاءاته مع المسؤولين العسكريين هناك، ليست مجرد خطوة بروتوكولية، بل تعكس توجهاً أميركياً نحو إنشاء موطئ قدم جديد في منطقة تطل مباشرة على خليج عدن وباب المندب. هذا التحرك يهدف إلى تعزيز قدرة واشنطن على مراقبة وتأمين الممرات البحرية. كما أن اختيار «أرض الصومال»، رغم عدم الاعتراف الدولي بها، يعكس استعداد واشنطن لتجاوز التعقيدات القانونية والسياسية مقابل تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
المخاوف الأميركية من ورقة باب المندب
باب المندب ليس مجرد مضيق بحري، بل هو ورقة ضغط جيوسياسية يمكن أن تُغيّر موازين القوى في المنطقة. واشنطن تدرك أن أي تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق سيؤثر بشكلٍ مباشر على الاقتصاد العالمي، وعلى مصالحها ومصالح حلفائها. لذلك، فإن التحركات الأميركية في القرن الأفريقي تأتي في إطار استباقي، لمحاولة منع أي طرف من استخدام هذه الورقة ضدها. هذا يُفسر التنسيق الأميركي – الصهيوني في المنطقة، إذ يسعى الطرفان إلى ضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر دون تهديد.
كما لا يمكن فصل التحركات الأميركية في القرن الأفريقي عن التنسيق مع كيان الاحتلال، التي ترى في البحر الأحمر خطاً استراتيجياً لأمنها القومي. البحث عن ضمانات أميركية – أوروبية لمنع أي تصعيد للقوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر يعكس مخاوف كيان الاحتلال من أن تتحول هذه المنطقة إلى ساحة مواجهة جديدة.
جيبوتي.. القاعدة القديمة والرهانات الجديدة
الوجود الأميركي في جيبوتي ليس جديداً، لكنه يشهد اليوم إعادة تفعيل وتوسيع، مع نقل أسلحة وتعزيزات عسكرية إلى القاعدة هناك. هذا يعكس إدراك واشنطن أن جيبوتي تُمثل نقطة ارتكاز أساسية لمراقبة البحر الأحمر وخليج عدن. غير أن الاعتماد على جيبوتي وحدها لم يعُد كافياً، خاصةً مع تصاعد التوترات الإقليمية، ما دفع واشنطن إلى البحث عن بدائل أو مكملات، مثل «أرض الصومال»، لتوسيع دائرة نفوذها.
تجنّب المرور عبر البحر الأحمر
قرار حاملة الطائرات الأميركية «جورج بوش» تجنّب المرور عبر البحر الأحمر، وسلوكها طريق الرجاء الصالح برفقة ثلاث مدمّرات هي «روس» و«دونالد كوك» و«ميسون»، يعكس حجم المخاوف الأميركية من التعرض لهجمات محتملة. هذا القرار ليس مجرد إجراء احترازي، بل هو اعتراف ضمني بأن قواعد الردع في المنطقة تغيّرت، وأن المرور عبر البحر الأحمر لم يعُد آمناً كما كان في السابق، فتجنّب الحاملة البحر الأحمر، نتيجةً لقواعد الردع التي أرستها القوات المسلحة اليمنية. فحاملة «جورج بوش » تجنّبت سيناريو نظيرتها «جيرالد فورد» التي أبحرت ما بين ميناءَي جدة وينبع، الشهر الماضي، وتعرّضت لهجمات، ما أدّى إلى حدوث حريق استمرّ لنحو 30 ساعة على متنها، بالرغم من نفي واشنطن الهجمات وأرجعت الحريق إلى ماسٍ كهربائي.
انعكاسات على الأمن الإقليمي
التحركات الأميركية في القرن الأفريقي تحمل انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي. فهي قد تؤدي إلى تصاعد التوترات، وفتح جبهات جديدة في البحر الأحمر وخليج عدن. كما أنها قد تدفع الأطراف المحلية، إلى إعادة النظر في استراتيجياتها، والرد على التحشيد العسكري الأميركي بخطوات تصعيدية، هذا يعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من المواجهة، قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة.
واشنطن بين الحاجة إلى الردع ومخاطر التصعيد
الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة صعبة، فهي بحاجة إلى تعزيز وجودها العسكري لضمان الردع، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي هذا الوجود إلى تصعيدٍ غير محسوب. لذلك، فإن تحركاتها في «أرض الصومال» وجيبوتي تعكس محاولة لتحقيق التوازن بين الردع والاحتواء، لكن هذا التوازن هش، وقد ينهار في أي لحظة إذا ما تصاعدت المواجهات البحرية.
ومن المهم أن نلاحظ أن القرن الأفريقي لم يعُد ساحة محلية فقط، بل أصبح نقطة تنافس دولي. الصين مثلاً تستثمر في الموانئ والبُنى التحتية، ما يثير قلق واشنطن من فقدان نفوذها الاقتصادي. روسيا بدورها تحاول إيجاد موطئ قدم عسكري في المنطقة، فيما أوروبا تسعى لحماية طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر. هذا التداخل الدولي يجعل التحركات الأميركية أكثر تعقيداً، لأنها لا تواجه فقط تهديدات محلية، بل أيضاً منافسة عالمية على النفوذ. من زاويةٍ أخرى، فإن أي اضطراب في باب المندب سينعكس مباشرةً على أسعار النفط وسلاسل التوريد العالمية، ما يجعل هذه المنطقة ليست مجرد قضية أمنية، بل قضية اقتصادية عالمية. هذا يُفسر لماذا تتحرك واشنطن بسرعة لتثبيت وجودها، حتى لو كان ذلك على حساب تجاوز التعقيدات القانونية والسياسية.
في المحصلة، يمكن القول إن التحركات الأميركية في القرن الأفريقي، وخاصةً في «أرض الصومال»، تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية باب المندب والبحر الأحمر في المعادلة الجيوسياسية العالمية. واشنطن تسعى إلى تثبيت وجودها العسكري، لكنها تواجه تحديات كبيرة، أبرزها احتمال التصعيد وفتح جبهات جديدة. في المقابل تؤكد القوات المسلحة اليمنية أن التحشيد الأميركي في بحر العرب واستخدامه من قبل واشنطن لفرض حصار على إيران، سيُقابَلان بتدخّلها، وسيكون هناك إجراء بمنع استخدامه لتنفيذ أعمال عدائية ضدّ إيران أو أيّ بلد مسلم.
ختاماً هذه التحركات تكشف أن القرن الأفريقي لم يعُد مجرد منطقة هامشية، بل أصبح ساحة مركزية في الصراع على النفوذ العالمي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى والإقليمية، وتتشابك الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.