في رحاب مدينة مشهد المقدسة، حيث تتعانق القباب الفيروزية مع قلوب الملايين من المحبين، احتضنت العتبة الرضوية المقدسة وساحة «جانباز» معرضين استثنائيين تحت عنواني «مسلخ العشق» و«رواية رؤية، إيران المتقدمة» .
لم يكن هذان المعرضان مجرد فعاليات عابرة، بل كانا شاهدين بصريين على عمق ارتباط قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، بالكتاب والعلم والفن والرؤية الإستراتيجية. في هذا المقال، نغوص في تفاصيل هذين المعرضين، ونستعرض أبعاد العلاقة الوثيقة بين الإمام الشهيد ومشهد المقدسة.
معرض «مسلخ العشق»
أقيم معرض «مسلخ العشق» في فترة 28 مارس إلى 16 أبريل 2026م، في قاعة متحف العتبة الرضوية المقدسة، بحضور نخبة من المسؤولين والمثقفين، وذلك تكريماً لذكرى استشهاد قائد الأمّة، وتأكيداً على استمرارية مسيرة الفكر والعلم التي قادها.
ضم المعرض 40 عملاً متنوعاً، جمعت بين التقاريظ العلمية، والخطوط اليدوية النادرة، واللوحات الفنية المستوحاة من أشعار الإمام الشهيد. أكد حجة الإسلام سيد جلال حسيني، رئيس منظمة المكتبات والمتاحف التابع للعتبة الرضوية المقدسة، أن هذا المعرض يأتي أيضاً احتفاءً باختيار آية الله السيد مجتبى الخامنئي قائداً جديداً للأمّة.
المخطوطات والتقاريظ
شكلت المخطوطات والتقاريظ القسم الأكبر والأكثر قيمة في المعرض. عُرضت ثلاثة مخطوطات يدوية مباركة لقائد الأمّة، سُجلت في دفتر تذكارات المكتبة المركزية. كما عُرضت ستة تقاريظ قيمة على مخطوطات نادرة أوقفها الإمام الشهيد بنفسه للمكتبة، منها: «فصول الغروية» و«الصحيفة السجادية الكاملة» و«مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام» و«جواهر السنية في الأحاديث القدسية» و«خطبة القاصعة» و«جفر جامع».
هذه التقاريظ، كما أوضح المسؤولون، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت دراسات معمقة، بأسلوب راقٍ وخط جميل، مما يعكس مكانة قائد الأمّة كـباحث في المخطوطات وببليوغرافي من الطراز الأول.
قمة العطاء الثقافي
أشار الدكتور عبد الحميد طالبي، رئيس المنظمة العلمية والثقافية للعتبة الرضوية المقدسة، إلى أن الإمام الشهيد يُعتبر أكبر واقف للمخطوطات في تاريخ العتبة الرضوية المقدسة، حيث أهدى أكثر من 18 ألف عنوان من المخطوطات النادرة إلى المكتبة المركزية.
هذا العمل الجليل، كما قال، هو نذر ثقافي بامتياز، يعكس نضجاً حضارياً ورؤية مستقبلية. وأضاف طالبي أن المنظمة تسعى إلى فهرسة هذه الكنوز، وطباعة مجموعة من التقاريظ القيمة، وإعداد كتاب يوثق صور القائد الشهيد في العتبة الرضوية المقدسة.
لوحات مستوحاة من أشعار قائد الأمّة
إلى جانب المخطوطات، ضم المعرض 31 لوحة فنية للخطاط والفنان التبريزي البارز الأستاذ مير حسين زنوزي، مزجت بين فن الخط والرسم بالخط، واستلهمت مواضيعها من آيات قرآنية وأشعار وعبارات للإمام الشهيد. هذه اللوحات أضفت بعداً جمالياً وروحانياً على المعرض، وأظهرت كيف يمكن للفن أن يكون نافذة على روح القائد، ووسيلة لنقل فكره إلى الجمهور.
معرض «رواية رؤية، إيران المتقدمة»
في نفس السياق، أقيم معرض «رواية رؤية، إيران المتقدمة» في ساحة جانباز بمشهد المقدسة. هذا المعرض هو خطوة على طريق الفهم الأعمق للأفكار الديناميكية لقائد الأمّة، في فضاء فني وروحي يمزج بين الحس والفكر.
ليس مجرد مجموعة من الصور أو الكتابات، بل هو مرآة للرؤية الاستراتيجية والملهمة لسماحته تجاه تحديات عالم اليوم. شارك في إقامته معهد الإبداعات الفنية، وجامعة الإمام الرضا(ع) الدولية، ومنظمة المكتبات والمتاحف والوثائق، ومركز الشؤون القرآنية للعتبة الرضوية.
الحنين إلى الإمام الشهيد، ليس فقط في هذا المعرض، بل في كل ركن من إيران؛ في وجه أم، وشاب، وعجوز، جميعهم استضاءوا بكلماته. هذا المعرض هو دعوة للتفكر، مرآة لرؤية قائد ملهم، لا يزال حياً في قلوب الأمة.
نافذة على الجمال
في معرضي مسلخ العشق ورواية رؤية، إيران المتقدمة، لم تكن المخطوطات مجرد ورق، ولم تكن اللوحات مجرد ألوان، بل كانت كلها أجزاء من روح قائد الأمّة، عشق العلم فجعله وقفاً، وأحب الفن فجعله نافذة على الجمال، وامتلك رؤية استراتيجية فجعل منها منهاجاً للأمّة.
هكذا يبقى قائد الأمّة حياً في متاحفه، حاضراً في مخطوطاته، نابضاً في لوحات فنه، خالداً في رؤيته. رحم الله قائداً جعل من الثقافة رسالة، ومن الفن عبادة، ومن العلم سبيلاً إلى الخلود.