في خضم الحرب المفروضة الثالثة على إيران، لم تتوقف الحركة الثقافية والفنية، بل تحولت إلى ساحة موازية للمقاومة والتوثيق. في هذا المقال نستعرض أبرز الإنتاجات الدرامية والوثائقية التي رافقتها، من المسلسلات التلفزيونية إلى الأفلام الوثائقية، ومنصات العرض المنزلية، مسلطة الضوء على دور الفن في حفظ الذاكرة التاريخية وتعزيز الصمود الوطني.
توثيق الحرب بـ 200 فيلم وثائقي
في خطوة غير مسبوقة، أعلن محسن إسلام زاده عن إنتاج 200 فيلم وثائقي قصير عن الحرب المفروضة الثالثة. تناولت هذه الأفلام مواضيع حساسة ومؤثرة، مثل مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب، حيث استشهد العشرات من التلاميذ، ومدرسة «آبيك» في قزوين، ومزرعة في منطق «بوئين زهراء».
تكوّن فريق العمل من 20 مخرجاً، وأنتجوا أعمالاً أرشيفية حول نقل منظومات «ثاد» للكيان الصهيوني، ومضيق هرمز. كما استجابوا لطلبات شبكات أجنبية من الصين وكوريا الجنوبية، وترجموا أعمالهم إلى لغات متعددة، لتقديم صورة حقيقية عن الحياة اليومية في زمن الحرب المفروضة، شملت تفاصيل مثل حالة أرفف المتاجر ومحطات الوقود والأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي.
«السرو، الأبيض، الأحمر».. دراما في قلب الحدث
قامت مؤسسة «أوج» الفنية بإنتاج مسلسل «سرو، سبید، سرخ» أي «السرو، الأبيض، الأحمر»، الذي بدأ تصويره منذ اليوم الثالث للحرب المفروضة، ليُعرض خلال الحرب ذاتها، وهو حدث غير مسبوق. المسلسل من 15 حلقة، أخرجه 14 مخرجاً، كل منهم قدّم قصة مستقلة. تميز العمل بتجسيده حضور الفنانين إلى جانب القوات المسلحة والطاقم الطبي، ورجال الإطفاء، وتعبئة جميع الفئات، والشعب، مقدماً صورة متعددة الأبعاد للحرب، بعيداً عن صناعة الأبطال المبالغ فيها.
للمسلسل حلقات مختلفة، كل حلقة تتناول قصة مستقلة، من حلقاته: «نكران» أي «القلق» عن فتاة تدعى ليلا، تعاني من أزمة عصبية بعد فقدان والدها، وفي أيام الحرب المفروضة بعد غارة جوية عنيفة، يتم إدخالها إلى المستشفى، حيث ترى شخصيات يعاني كل منهم بطريقته من تداعيات الحرب، و«قصة الحرب»، و«ضيف خاص». يُترجم العمل حالياً للعربية على قناة «آي فيلم».
«أهل إيران».. أسطورة الأبطال الحقيقيين
على منصة «شيدا»، قدّم محمد حسين مهدويان مسلسل «أهل إيران»، من 7 حلقات منفصلة، كتبها مهدي يزداني خرم. تدور قصص المسلسل حول «البقاء إيرانياً» تحت القصف، مستلهماً من أسطورة صمود أهل لينينغراد. وصف مهدويان العمل بأنه «حركة وطنية عظيمة بدأت في الأيام الأولى للحرب».
خصصت «الموجة الأولى» للطاقم الصحي والهلال الأحمر والشعب الصامد، في رسالة وفاء صريحة. استشهد المسلسل بفكرة رولان بارت عن الأسطورة كخطاب، ليخلق أبطالاً حقيقيين من الناس العاديين.
«نقطة زن» و«جان فدا»
أخرج «ساسان فلاح فر» وثائقي «نقطة زن» أي «مصيب الهدف بدقة عالية» في 13 حلقة و«جان فدا» أي «الفدائي بالروح»، بالتعاون مع قوات الجو – فضاء التابعة للحرس الثوري. ركزت هذه الأعمال على الجوانب غير المرئية من القدرات الصاروخية والدفاعية، مثل صاروخ «فتاح»، وتفاصيل عمل منظومات الدفاع الجوي. صورت معاناة المدافعين طوال 40 يوماً في باطن الأرض، بعيدين عن عائلاتهم، خلال ليالي القدر ورمضان.
وصف فلاح فر هذا العمل بأنه «وفاء صغير» لهذه القوات وللشعب الذي ملأ الشوارع، مؤكداً أن هذه الوثائقيات ستكون «شاهنامة العصر الحديث». كما أنتج سلسلة قصيرة من 10-15 حلقة لشرح الأبعاد الخفية للصواريخ والطائرات المسيرة.
مشاريع فنية أخرى
شملت الإنتاجات أيضاً: وثائقي «مقاوم شهر» أي «المدينة المقاومة» عن دور المدنيين في قناة «أفق»، وبرنامج «شاهد باش» أي «كُن شاهداً» الذي يستضيف شخصيات إيرانية عادت من خارج البلاد لخدمة إيران في قناة «نسيم»، ومسلسل «هزارتو» أي «المتاهة» على منصة «فيلم نت» وهو عمل أمني سياسي عن مواجهة الموساد، وبرنامج «بارتیزان» في روبيكا، وهو برنامج حواري يحلل تطورات حرب رمضان، وفيلم «ميريام» الوثائقي عن ناشطة إيرانية تبحث عن حقيقة المقاومة في لبنان. هذه الأعمال تعكس تنوعاً في القوالب والموضوعات، لكنها تتفق على هدف واحد: توثيق اللحظة التاريخية.
الفن أداة مقاومة
في خضم الحرب المفروضة الثالثة، أثبت الفن الإيراني أنه ليس ترفاً، بل واجب وطني وأداة مقاومة. من الدراما إلى الوثائقي، سطر المبدعون ملحمة موازية، مؤكدين أن «البقاء إيرانياً» قصة تُروى بالفن وتُخلد بالوثيقة. رحم الله الشهداء، وأدام الله نصر المقاومة.