في ذكرى ميلاده المبارك

الإمام الرضا(ع) ومحبة قائد الأمّة.. ارتباط روحي يتجدد في الوعي الإسلامي الإيراني

مشهد المقدسة كانت البداية، والحرم كان المحطة، والإستشهاد كان الخاتمة التي جمعته بما سعى إليه: الفوز بقرب الله وأهل البيت(ع).

مشهد المقدسة مدينة تتداخل فيها الروحانية مع الحياة اليومية، تتدفق في أزقتها القديمة ذكريات الزيارة والعلم والشعر، وتتشكل في ساحات حرمها حكايات إنسانية متعددة. وقد ارتبطت سنوات شباب قائد الأمّة بهذه المدينة، حيث شكّلت بيئتها العلمية والدينية جزءاً من هويته الفكرية والثقافية.

 

آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) حمل محبة كبيرة للإمام الرضا(ع)، وكان يتوجه إلى مشهد المقدسة في مناسبات متعددة، خصوصاً لإلقاء الخطب أو إرسال الرسالة السنوية بمناسبة النوروز من جوار العتبة الرضوية المقدسة، كان سماحته في مشهد المقدسة يجمع بين البعد الروحي والتوجيهي، ويبدأ فيه العام برسالة إلى الشعب.

 

وفي رسالة النوروز للعام الهجري الشمسي الماضي، اعتُبر العام «عام الإستثمار من أجل الإنتاج»، مع تأكيد على الطابع الروحي للنوروز في الثقافة الإيرانية وارتباطه بالدعاء والتوسل، مع الإشارة إلى حضور واسع في الأماكن المقدسة. كما ورد التأكيد على ضرورة الرجوع إلى نهج البلاغة والإستفادة من سيرة أمير المؤمنين(ع).

 

ويظهر في الخطاب أن رسائل النوروز تشكّل توجيهاً سنوياً عاماً، وأن الارتباط بالإمام الرضا(ع) حاضر في فكر وسلوك قائد الأمّة، حيث يُعد مرقده مرجعاً روحياً عند اتخاذ القرارات المهمة.

 

 

 

الهوية الإسلامية الإيرانية مرتبطة بالإمام الرضا(ع)

 

أفاد موقع  khamenei.ir أن قائد الأمّة، وفي لقائه مع أعضاء الهيئة العلمية للمؤتمر العالمي الخامس للإمام الرضا(ع)، أشار إلى ثلاثة أبعاد للعمل حول سيرة الأئمة(ع): البعد المعنوي والإلهي، الأقوال والدروس، والمسألة السياسية.

 

وأكد قائلاً: «يجب تبيَّن هذه الأقسام الثلاثة في حياة الإمام الرضا(ع).. مهارتكم تكمن في استخراج هذه المحاور، ثم تنقيتها، وأخيراً عرضها بلغة العصر، بلغة مفهومة للمخاطب غير الشيعي وحتى للشيعي نفسه».

 

هذه الرؤية الإستراتيجية تؤكد أن الهوية الإسلامية الإيرانية لا تنفصل عن الإمام الرضا(ع)، وأن نشر معارفه بلغة عصرية هو واجب وطني وديني.

 

رئيس خدّام حرم الإمام الرضا(ع)

 

في 25 فروردين 1358 هـ.ش (14 أبريل 1979م)، صدر قرار عن المرحوم آية الله واعظ طبسي، متولي العتبة الرضوية آنذاك، بتعيين السيد علي الخامنئي في منصب «رئيس خدّام العتبة الرضوية المقدسة». وجاء في نص القرار: «حجة الإسلام والمسلمين، العالم المجاهد السيد علي الخامنئي… بموجب هذا القرار يتم تعيينكم في منصب رئيس خدّام العتبة الرضوية المقدسة».

 

هذا التعيين كان أكثر من مجرد منصب إداري؛ كان تكليفاً روحياً جعله أكثر قرباً من الخدمة العملية للإمام الرضا(ع)، وهو ما كان يعتبره سماحته «شرفاً وفخراً».

 

غزل للقائد الشهيد عن الإمام الرضا(ع)

 

 

 

نشر موقع KHAMENEI.IR، بمناسبة ذكرى ولادة الإمام الرضا(ع)، غزلاً روحياً لسماحته بعنوان «في الإلتجاء إلى جالس ذروة عرش الرضا، الإمام علي بن موسى الرضا(ع)» . هذا الغزل الذي نشر لأول مرة، أضاف بعداً أدبياً وشخصياً جديداً لفهم علاقته بالإمام.

 

يقول سماحته في هذا الغزل:

 

يا خَلَف ساقي الكوثر، أبا الحسن(ع)،

ألقِ نظرةً أحياناً نحو هذا العطشان

 

يا حاكم مملكة القلوب، بإشارةٍ منك،

أقلب حال قلوب الخاص والعام

 

أرشد الروح المتعبة إلى ملك الرضا،

وروّض الطائر الشارد بابتسامةٍ جميلة

 

ها هي آلاف الأيادي ممدودة بالرجاء،

فابسط يد الكرم على نهج الكرماء.

 

تعكس هذه الأبيات حالةً عرفانية متجذرة، وتبرز تعلق قائد الأمّة بالإمام الرضا(ع)، معترفاً بغربته الروحية وافتقاره إلى كرمه وشفاعته.

 

الإمام الرضا(ع) في كلام قائد الأمّة

 

اعتبر قائد الأمّة، الإمام الرضا(ع) «ولي نعمة الشعب الإيراني معنوياً وفكرياً ومادياً» (25 يناير 2003). وفي درس خالد للأمة، قال سماحته: «لا تمل من الجهاد، ولا تغفل، فإن العدو يقظ دائماً. كونوا على بصيرة، واعرفوا عدوّكم، وواصلوا طريق النضال من البداية إلى النهاية كما فعل علي بن موسى الرضا(ع)» (24 نوفمبر 1984).

 

فيديو كليب «إيران، إيرانُ الإمامِ الرضا(ع)»

 

نشر موقع KHAMENEI.IR فيديو كليب بعنوان «إيران، إيرانُ الإمامِ الرضا(ع)»، إستناداً إلى قول قائد الأمّة: «إيران، إيرانُ الإمامِ الرضا(ع).. بركات الإمام الثامن، الإمام الرؤوف، تشمل جميع أبناء هذا البلد» (30 مايو 2024).

 

وجاء في الفيديو دعاء قائد الأمّة: «اللهم، أسمى أمانينا أن يزداد حكم القرآن وحكم الإسلام في هذا البلد رسوخاً».

 

وختم بالصلاة على الإمام الرضا(ع): «اللهم صلِّ على عليّ بن موسى الرضا(ع) وليّك، بعدد ما في علمك، صلاةً دائمةً بدوام مُلكك وسلطانك».

 

 هدايا قائد الأمّة لمتحف العتبة الرضوية المقدسة

 

افتُتح متحف هدايا قائد الأمّة عام 1995م داخل مبنى «كنز القرآن والنفائس» في العتبة الرضوية المقدسة، ويضم اليوم أكثر من 400 قطعة فنية أُهديت من شخصيات دولية ومحلية إلى قائد الأمّة، ثم قام بدوره بإهدائها إلى متحف العتبة الرضوية المقدسة لحفظها وعرضها للزائرين. تشمل هذه المقتنيات أعمالاً فنية متنوعة مثل الخط والزخرفة، والرسم، والسجاد، والنقش على المعادن، والميداليات والعملات وغيرها من التحف القيّمة.

 

تم تطوير المتحف لاحقاً ليواكب الزيادة في المقتنيات، مع إدخال تقنيات حديثة وعرض رقمي، ليصبح مساحة ثقافية توثق أبعاد الثورة الإسلامية والشخصية القيادية والدور الحضاري.

 

ومن أبرز المعروضات قطع نادرة مثل سجاد «الشجرة الطيبة»، وسجاد لجك وترنج، ولوحات فنية ذات رمزية دينية ووطنية، إضافة إلى أعمال نحت ونقش وبورتريهات لشخصيات بارزة، بينها الإمام الخميني(رض) وقائد الأمّة نفسه. ويعكس المتحف تداخل الفن بالدين والسياسة والهوية الثقافية الإيرانية، ويبرز البعد العالمي لشخصية قائد الأمّة عبر الهدايا المقدمة من دول وشخصيات مختلفة.

 

 علاقة قائد الأمّة بالإمام الرضا(ع)

 

علاقة قائد الأمّة بالإمام الرضا(ع) لم تكن مجرد علاقة طالب بعلم أو مؤمن بإمام، بل كانت امتداداً روحياً وسياسياً وفنياً جسّدها في أشعاره، خطبه، وأفعاله. مشهد المقدسة كانت البداية، والحرم كان المحطة، والإستشهاد كان الخاتمة التي جمعته بما سعى إليه: الفوز بقرب الله وأهل البيت(ع). رحم الله قائداً عاش لله، ومات في سبيله، وجعل من حب الرضا(ع) منهاج حياة.

 

 

 

المصدر: الوفاق