وحدة الصف الإيراني في مواجهة سردية الإنقسام

أعلن رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الشورى الإسلامي، ورئيس السلطة القضائية، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وقادة القوات المسلحة، موقفًا موحّدًا ردًّا على ادّعاء الرئيس الأمريكي، الذي وصف إيران بأنها منقسمة بين متشددين ومعتدلين. وقد جاء مضمون بيانهم واحدًا: «في إيران لا يوجد متشددون ولا معتدلون؛ نحن جميعًا إيرانيون وثوريون، وبوحدة صلبة بين الشعب والدولة، وبالالتزام الكامل بتوجيهات قائد الثورة، سنجعل المعتدي المجرم يندم. إله واحد، قائد واحد، شعب واحد، وطريق واحد: هو انتصار إيران الأعزّ من أرواحنا».

القول الفصل هنا أن إيران لا تعرف هذه الثنائية المصطنعة، بل إن الجميع يقفون في صف واحد موحّد، على قاعدة ما وصفه القرآن الكريم بـ«البنيان المرصوص»، أي البناء المتماسك الصلب الذي لا يتصدع. ومن الواضح أن وراء تصريحات ترامب قالبًا نمطيًا قديمًا، قائمًا على صناعة الانقسام وتشويش الأجواء وتعكير الصفوف لاصطياد المكاسب. فمنذ بداية الثورة الإسلامية، واجهت إيران هذا النمط من التفكير؛ أي محاولة خلق ثنائية داخلية، وتغبيش الرؤية، وإثارة التناقضات من أجل تحقيق أهداف سياسية. وهذا الأسلوب ليس جديدًا، بل هو امتداد لنهج قائم على “تعكير الماء لصيد السمك”.

 

 

بعد فشل انقلاب حزيران/ يونيو 1981م، الذي جرى في يونيو 1981م، طرح مسعود رجوي نظرية سمّاها «العيش في الشقوق» أو «استراتيجية استثمار التصدعات». ومضمونها البحث عن الانقسامات داخل النظام، وكذلك في علاقاته مع دول المنطقة والنظام الدولي، والعمل على النفخ في هذه الشقوق وتوسيعها. وكان يبرر ذلك بأن تنظيمه يحتاج إلى “مساحة تنفس”، وهذه المساحة لا تتحقق إلا داخل الفجوات والانقسامات.

 

 

وقد شهد الواقع نماذج عديدة من تطبيق هذه النظرية. ولابدّ من الإقرار بأن أعداء الثورة وإيران تمكنوا في بعض المراحل من العثور على ثغرات مهمة واستغلالها، مثل التنسيق بين أبوالحسن بني صدر ومنظمة مجاهدي خلق الإرهابية في مواجهة الإمام الخميني(رض) والدائرة الأولى من أنصاره، وكذلك مواجهته لمجلس الشورى الإسلامي، إلى درجة أن حلفاء بني صدر طرحوا فكرة «حل البرلمان».

 

 

ولتقريب الصورة، كانوا يضربون مثلًا ساخرًا:

 

 

شخص يذهب ويشتري بندقية، ثم في اليوم التالي يذهب ليشتري لها ذخيرة، وعندما يعود إلى منزله يكتشف -ويا للمفارقة- أن العيار لا يتناسب مع البندقية! فماذا يفعل؟ يقولون إن المنطق يقتضي أن يذهب ليبدّل الذخيرة!

 

 

وفي هذا التشبيه، كانت “البندقية” ترمز إلى بني صدر، و“الذخيرة” إلى البرلمان، ما يعكس أن الثنائية بلغت حدًّا من التناقض غير المنطقي والانفجار.

 

 

وخلال الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات (1980 – 1988م)، جرى استثمار ثنائية الجيش والحرس الثوري. وبعد ذلك، طُرحت ثنائيات أخرى مثل ثنائية قيادة الإمام الخميني(رض) مقابل مراجع التقليد في مدينة قم المقدسة، بل حتى ثنائية النجف الأشرف وقم المقدسة، إضافة إلى ثنائية الشعب والنظام، وثنائية القوميات الإيرانية، وثنائية المعتدلين والراديكاليين أو الثوريين.

 

 

ولأن منطق “الثنائية” يقوم على تقسيم الأمور إلى طرفين، فإنه بطبيعته يُنتج ثنائيات فرعية داخل كل ثنائية رئيسية، فتتشعب الانقسامات ويُشغل الجميع ببعضهم البعض. وهذا يشبه تمامًا قصة طفلين تنازعا على جوزة، فجاء شخص بدور الحكم، فكسر الجوزة، وأعطى لكل واحد منهما نصف القشرة، وأخذ اللب لنفسه، وضحك ومضى!

 

 

وفي الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، إلى جانب حلفائهما الظاهرين والخفيين من بعض الدول الأوروبية والعربية، ضد إيران، استمر التركيز على هذا النهج: أي إبراز ثنائية داخلية. فقد كان ترامب منذ بداية الحرب يكتب تغريدات توحي بأنه يتعامل مع “تيار منطقي معتدل” داخل إيران، وأنه يتقدم في مسار التفاوض معه. وقد كرر هذا المعنى أكثر من أربعين مرة بعبارات مختلفة.

 

 

ولكي لا يتمكن أعداء إيران والشعب الإيراني والنظام السياسي من استغلال هذه الثغرات وبناء روايتهم الخاصة، فإن الأمر يتطلب عدة خطوات أساسية:

 

 

أولًا: ضرورة أن يمتلك المجلس الأعلى للأمن القومي متحدثًا رسميًا قويًا وواعيًا، يقدّم الرواية الأولى ويعلن المواقف الإيرانية في الوقت المناسب. فغياب هذا الصوت الرسمي يفتح المجال أمام وسائل الإعلام لنقل تصريحات منسوبة إلى “مصادر أمنية رفيعة دون ذكر الاسم”، وهو ما لا يمكن أن يعوّض وجود متحدث رسمي واضح. في المقابل، برز أداء متحدث مقر خاتم الأنبياء(ص) المركزي بشكل لافت، كما أن متحدث وزارة الخارجية يقدّم مواقف دقيقة وفي الوقت المناسب.

 

 

ثانيًا: كما نرى، فإن ترامب نفسه يتحرك كأنه “جيش إعلامي كامل” -وإنْ كان جيشًا مضطربًا وغير منظم- إذ ينشر تغريدة كل ساعة أو أكثر، حتى لم يعد أحد يهتم بما يقوله وزير خارجيته أو نائبه أو وزير دفاعه. هو نفسه يحمل راية الإعلام! بل ويحقق أرباحًا بملايين الدولارات سنويًا من منصاته. وفي المقابل، ينبغي في إيران أن تُدار حسابات المسؤولين، مثل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى الاسلامي، عبر فرق متخصصة، وأن تُترجم تغريداتهم إلى اللغتين الإنجليزية والعربية بدقة، لأن الترجمة الآلية -مثل ترجمة غوغل- كثيرًا ما تُسيء إلى النص وتشوّه معناه.

 

 

ثالثًا: يجب على هيئة الإذاعة والتلفزيون أن تؤدي دورًا أكثر حضورًا وتأثيرًا، من خلال التواجد الفاعل في ساحة الخبر، والاستفادة من محللين خبراء يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على التعبير الجذاب، بما يوسّع دائرة الجمهور.

 

 

رابعًا: بسبب غياب نظام حزبي قوي ومنظم وفاعل على المستوى الوطني، تظهر حالات مفاجئة مثل بروز تيارات سياسية دون جذور واضحة، كما حدث مع بعض القوى التي ظهرت في انتخابات 2005 ثم اختفت. وعندما يغيب الحزب القوي، تغيب معه المسؤولية الواضحة.

 

 

خامسًا: من المفارقات أن يتهم ترامب إيران بعدم الانسجام، بينما يبدو أنه -بسبب الانشغال أو الوهم- لا يدرك ما يجري داخل البنتاغون، من استقالات وإقالات وحتى احتمال إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، فضلًا عن إبعاد قادة عسكريين كبار.

 

 

وقد بلغ الاضطراب داخل البنتاغون حدًّا أدى إلى وقوع كارثة عسكرية – استخباراتية – أمنية في مدينة أصفهان (وسط البلاد)، تكبّدت فيها قوات “دلتا” الأمريكية خسائر فادحة. حتى إن بعض الجنرالات كانوا يعارضون تنفيذ العملية من الأساس.

 

 

أمّا وزير الدفاع الأمريكي، الذي يشبه في سلوكه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من حيث الطابع الاستعراضي، فقد ساهم في صنع هذه الكارثة، التي تحولت في المقابل إلى فرصة استراتيجية لإيران.

 

 

وفي إيران، يبدو الأفق بين المسؤولين العسكريين والسياسيين منسجمًا إلى حدٍّ كبير، بل يكاد يكون موحدًا، حيث لا أحد يسعى وراء مصلحة شخصية. في المقابل، يُتهم وزير الدفاع الأمريكي بأنه قدّم نصائح لشراء أسهم في الصناعات العسكرية قبل تنفيذ الهجوم. كما أن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السابق، دان حالوتس، كان قد باع جميع أسهمه قبل حرب تموز/ يوليو 2006 بثلاث ساعات، مستفيدًا من معرفته المسبقة بتوقيت الحرب وتأثيرها على الأسواق.

 

 

وفي الختام، يعبّر الشاعر جلال الدين البلخي عن هذه الحقيقة بأبلغ صورة:

 

 

«أرواح الذئاب والكلاب متفرقة/ أمّا أرواح أسود الله فمتحدة»

 

 

 

المصدر: الوفاق