ما تزال تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام سفن الدول المعادية، وحلفاء وداعمي العدوان الأمريكي – الصهيوني على الأراضي الإيرانية، تضع الاقتصاد العالمي في ضائقة إدارية؛ فبحسب تقديرات صادرة عن بنك مورغان، لا تملك أوروبا سوى ستة أسابيع من وقود الطائرات، وآسيا تقترب لاهثة من نهاية احتياطيات الطاقة، و70% من المزارعين الأمريكيين لم يعودوا قادرين على شراء الأسمدة، فيما منشآت الطاقة في أنحاء العالم تحترق.
ويرى الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، في مقال كتبه في صحيفة “نيويورك تايمز”، أنه «إذا بقي مضيق هرمز مغلقًا ثلاثة أشهر أخرى، فإن الركود العالمي لن يكون تهديدًا، بل واقعًا». ومنذ إعلان هذه الأرقام، يأتي كل يوم خبر جديد واحد على الأقل عن تفاقم الأزمة؛ إذ تعلن الدول، الواحدة تلو الأخرى، حالة طوارئ في قطاع الطاقة، فيما باتت طوابير البنزين في العواصم الأوروبية والآسيوية أطول من أي وقت مضى.
كما حذّر الخبير الاقتصادي الأمريكي البارز، محمد العريان، مؤخرًا من أن «أوروبا لا تملك سوى ستة أسابيع لوقود طائراتها. بعد ذلك، ستبقى الطائرات على الأرض. أي لا مسافرين، ولا شحن، ولا أدوية، ولا قطع غيار. فقط صمت المطارات».
أمّا آسيا، فهي الأخرى تقترب لاهثة من خط نهاية احتياطيات الطاقة. وكل يوم يبقى فيه المضيق مغلقًا، ترتفع ألسنة الأزمة أكثر.
ولهذا السبب، بدأت شركات الطيران الأوروبية منذ أسبوعين خفض العمالة؛ فقد أعلنت لوفتهانزا أنها إذا لم تعد الأوضاع إلى طبيعتها خلال ثلاثة أسابيع، فستضطر إلى إبقاء نصف أسطولها على الأرض. كما أن الخبر الذي تسرّب يفيد بأن شركة الخطوط الجوية البريطانية ألغت أيضًا عقود مئات الطيارين المؤقتين. وفي الوقت نفسه، اضطرب سوق تأمين النقل الجوي، وارتفع سعر التأمين على كل شحنة جوية بنسبة 400%.
ويقول محلل النفط والغاز في بلومبرغ، بول سانكي، في هذا الشأن: «حتى لو حدثت معجزة وفُتح المضيق صباح الغد، فإن الكارثة النفطية ستستمر شهرين على الأقل. لماذا؟ لأن 800 سفينة تقف في الطابور، والشركات خائفة، والاحتياطيات الاستراتيجية للدول أقل بكثير مما يقال للناس. هذه السفن الـ800 ليست مجرد رقم. كل واحدة منها تحمل ملايين البراميل من النفط، أو الغاز المسال، أو المواد البتروكيميائية. ويقول خبراء الموانئ إنه حتى لو سُمح بالعبور ابتداءً من الغد، فإن تفريغ وشحن هذا الحجم من الحمولة سيستغرق 45 يومًا على الأقل. وفي هذه الفترة، ستبقى المصافي متوقفة، وستكون سلسلة إمداد الصناعة والدواء والغذاء مقطوعة».
عجز قدره 700 مليون برميل في إمدادات النفط
في تحليل آخر، توقعت مؤسسة “كبلر” أن يصل إجمالي عجز إمدادات النفط حتى 30 نيسان/ أبريل 2026، إلى 700 مليون برميل. أي إن العالم يفقد النفط كما يُفقد الماء في الصحراء. وفي الوقت نفسه، تفيد شبكة “سي.إن.إن” بأن 70% من المزارعين الأمريكيين لم يعودوا قادرين على شراء الأسمدة الكيميائية. والمزارع بلا سماد يعني مائدة بلا خبز؛ لكن الأسوأ من ذلك كله أن منشآت إنتاج الأسمدة والطاقة في أنحاء العالم تشتعل وتحترق الواحدة تلو الأخرى.
ويرى بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل الاقتصاد عام 2008، في تحليله لمستقبل الاقتصاد العالمي، أن بقاء مضيق هرمز مغلقًا سيستمر على الأرجح أشهرًا، وأن توقعات صندوق النقد الدولي بشأن آثاره مفرطة في التفاؤل؛ كما يعتقد أنه إذا بقي المضيق مغلقًا ثلاثة أشهر أخرى، فلن يعود الركود العالمي احتمالًا، بل واقعًا وشيكًا.
وقدّم، في مقابلة أجراها مع “نيويورك تايمز”، مقارنة لافتة بين ظروف اليوم وأزمة النفط في سبعينيات القرن العشرين، قائلًا: «الفرق بين اليوم وعام 1973م هو أن العالم في ذلك الوقت كان قد خرج من حرب عالمية، وكانت لديه قدرة أعلى على الصمود. أمّا اليوم، فالعالم متعب من كورونا، ومن حرب أوكرانيا، ومن التضخم. صدمة نفطية أخرى تعني انهيار الثقة بالنظام العالمي».
كما طرح هذا المحلل نقطة محورية، قائلًا: إن الطريقة المعتادة للتنبؤ بأسعار النفط خاطئة. لا ينبغي أن نبدأ من الطلب، بل من القيود الفيزيائية على العرض. أي إن العالم مضطر إلى استهلاك كمية أقل من النفط؛ لكن من أجل خفض الطلب، لا ينفع إلا الركود. لأنه لا يوجد بديل سريع للنفط. يجب أن يرتفع سعر النفط إلى حد يكون شديد التدمير. أي كلما ارتفع أكثر، أصبحت الكارثة أكبر.
قوارب يجري ثقبها!
النقطة الجديرة بالأهمية هي أن أمريكا كانت تتصور أنها تستطيع، عبر الضغط الأقصى، إجبار إيران على التراجع؛ لكن النتيجة جاءت معاكسة. فالآن، لم تُحاصر إيران وحدها، بل وقع سوق الطاقة العالمي كله في الفخ. ظنت أمريكا وحلفاؤها أن ورقة الضغط في أيديهم، غافلين عن أن هذه الورقة بدأت تكسر أيديهم هم. أوروبا التي كانت تعدّ نفسها دائمًا جزيرة استقرار، بات يفصلها اليوم ستة أسابيع فقط عن نفاد وقود الطائرات. فرنسا، ألمانيا، إيطاليا… الجميع يجلسون في قارب واحد، والقارب يجري ثقبه.
بلغ الوضع من التعقيد حدًا جعل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يقول: «في ولاية ترامب الأولى، رفضت بعض الدول الأوروبية القبول بالتغييرات ظنًا منها أن مرحلة ترامب ستنتهي؛ لكنها اليوم أصبحت أكثر واقعية. هذه لحظة فريدة؛ لحظة يكون فيها رؤساء أمريكا وروسيا والصين جميعًا ضدّ الأوروبيين».
وتدلّ ردة فعل الأسواق المالية أيضًا على هذا الخوف نفسه. فقد تراجعت مؤشرات الأسهم الأوروبية خلال الأسبوعين الماضيين بنسبة 14%. أمّا السندات الألمانية، التي كانت دائمًا ملاذًا للمستثمرين، فقد أصبح عائدها سلبيًا، وبدأ المستثمرون يخزنون أموالهم في مستودعات خاصة بدلًا من البنوك.
مضيق هرمز مغلق. الاحتياطيات تنفد. منشآت الطاقة تحترق. المنتصرون في هذه الحرب ليسوا سوى الذين يربحون من النفط. أمّا الخاسرون الحقيقيون؟ فهم أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون. قال ماكرون إن أمريكا لا يمكن الوثوق بها. وربما لم تعد هناك اليوم أي دولة تمثل مكانًا آمنًا للثقة. وربما لم يبق سوى الخوف، والاحتكار، وانتظار كارثة ستصل عاجلًا أم آجلًا.