شكّل استشهاد الشهيد القائد محمد عودة مع زوجته واثنين من أبنائه نقطة تحوّل بارزة في مسار المقاومة الفلسطينية، إذ لم يؤدِّ ذلك إلا إلى مزيد من ترسيخ العزيمة وتماسك الإرادة، وكشف مجددًا عجز الاحتلال عن كسر إرادة غزة أو إخماد روح المقاومة فيها. ويُعدّ الشهيد القائد من أعمدة الجيل المؤسِّس للمقاومة، ذلك الجيل الذي بنى قدراته العسكرية في ظل الحصار وتحت ضغط النار، وأسّس لمعادلة قائمة على الصمود والردع. وفي الوعي الفلسطيني، لا تنتهي المقاومة برحيل قادتها، بل تتجدد وتستمر مع كل شهيد، لتبقى فكرة الصمود حاضرة ومتوارثة عبر الأجيال.
الشهيد القائد.. من جيل التأسيس إلى قيادة القسام
يُعدّ الشهيد القائد محمد عودة من أبرز قادة الجيل المؤسس للمقاومة في غزة، وهو الجيل الذي بنى الُبنية العسكرية لكتائب القسام وسط الحصار والملاحقة الأمنية وغياب الإمكانات. وُلد عام 1974 في مخيم جباليا، وانخرط مبكرًا في العمل المقاوم في الانتفاضة الأولى، قبل أن ينضم إلى كتائب القسام مع اندلاع الانتفاضة الثانية، ليُصبح لاحقًا من أبرز القادة العاملين في الظل داخل منظومة المقاومة.
ارتبط اسمه بعدد من العمليات النوعية، خصوصًا خلال عدوان 2014، حيث شارك في الهجمات خلف خطوط الاحتلال والتصدي للتوغلات البرية شمال غزة، وعُرف بجرأته الميدانية وابتكاره تكتيكات قتالية ساعدت المقاومة على الصمود رغم التفوق العسكري الصهيوني. وبعد الحرب، تولى قيادة لواء الشمال، وأسهم في تطوير تكتيك «الزخم الصاروخي» الذي أربك منظومات «القبة الحديدية»، وبرز بشكلٍ واضح في معركة «سيف القدس» عام 2021.
كما شغل عدة مواقع قيادية داخل كتائب القسام، أبرزها ركن الاستخبارات وركن الأسلحة والدعم القتالي، وكان من المقرّبين من القائد العام السابق محمد الضيف، وأسهم في تطوير التصنيع العسكري وجمع المعلومات الاستخباراتية التي استخدمت في التخطيط لمعركة «طوفان الأقصى». وبعد استشهاد عدد من قادة القسام، تولى أدوارًا مركزية في إعادة تنظيم البنية العسكرية للمقاومة شمال غزة، ليبقى اسمه مرتبطًا ببناء القوة العسكرية وتطوير أدوات المواجهة مع الاحتلال.
لماذا يستهدف العدو الصهيوني القيادات الآن؟
منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة في 2023، ورغم العمليات الواسعة، لم يتمكن العدو الصهيوني من القضاء على البُنية العسكرية في غزة، ولا من فرض معادلة ردع جديدة.
في هذا السياق، يصبح استهداف القادة محاولة لتعويض الفشل الميداني عبر ضرب القيادة التي تدير العمليات لكن التجربة التاريخية تُظهر أنّ هذا النوع من الاغتيالات لم ينجح في تغيير مسار الصراع، بل أدى غالباً إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز الالتفاف الشعبي حول المقاومة.
كما تُشكل الاغتيالات محاولة للتأثير على المفاوضات فمنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر / تشرين الأول 2025، دخلت الحرب مرحلة جديدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع المسار السياسي.استهداف القادة في هذه المرحلة قد يكون محاولة للضغط على الأطراف الفلسطينية، أو لفرض شروط تفاوضية جديدة، أو لإرباك البُنية التنظيمية قبل أي اتفاقٍ محتمل، لكن هذا النوع من الضغوط غالباً ما يؤدي إلى تصلّب المواقف بدلاً من تليينها.
حين يرحل القادة..تبقى المقاومة أقوى
أثر استشهاد القادة على بُنية المقاومة لا يقتصر على الجانب المعنوي فقط، بل يمتد إلى اختبار قدرتها على الاستمرار والتكيّف تحت أقسى الظروف. ورغم ما تتعرض له المقاومة في غزة عبر الاغتيالات والاستهداف المتواصل، أثبتت بُنيتها العسكرية في السنوات الماضية أنها قادرة على العمل بأسلوب لامركزي يمنع انهيار المنظومة عند غياب أي قائد، مهما كان موقعه أو تأثيره. فالمقاومة لم تعُد تعتمد على نموذج «القائد الفرد» الذي ترتبط به كل التفاصيل الميدانية والتنظيمية، بل تحولت تدريجيًا إلى نموذج قائم على الشبكات والوحدات المتعددة التي تمتلك هامشًا واسعًا من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار.
هذا التحول جاء نتيجة تراكم طويل من التجارب والحروب، إذ أدركت المقاومة أنّ الاحتلال يركز بشكلٍ أساسي على سياسة الاغتيالات بهدف إحداث فراغ قيادي وشلّ القدرة على إدارة المعركة. لذلك، جرى توزيع الخبرات العسكرية والمعرفة التقنية والقدرات التنظيمية على مستوياتٍ متعددة، بحيث تصبح المنظومة قادرة على مواصلة العمل حتى في أصعب الظروف. ومع الوقت، أصبحت الكوادر الميدانية تمتلك خبرة واسعة في إدارة العمليات والتعامل مع الطوارئ، ما جعل عملية تعويض القادة أكثر سرعة وفاعلية.
كما أنّ الطبيعة السرية والتنظيمية للمقاومة ساهمت في تعزيز هذا النموذج، إذ يتم إعداد أجيال متعاقبة من القادة والعناصر ضمن منظومة تدريب وتأهيل مستمرة، تضمن بقاء الخبرة متراكمة وعدم بقائها لدى فردٍ واحد. لذلك، فإنّ استشهاد القادة، رغم قسوته، لا يؤدي إلى انهيار البُنية العسكرية، بل غالبًا ما يدفع إلى مزيد من التماسك وإعادة ترتيب الصفوف.
وفي المقابل، ترى قطاعات واسعة من الفلسطينيين أنّ سياسة الاغتيالات، لم تنجح تاريخيًا في إنهاء المقاومة أو منعها من إعادة بناء قدراتها. فكل مرحلة تشهد صعود قيادات جديدة تحمل التجربة نفسها وتواصل المسار ذاته، ما يجعل الصراع بالنسبة للفلسطينيين معركة طويلة تتجاوز الأشخاص إلى فكرة مرتبطة بالهوية والوجود والحرية.
ختاماً يعكس استشهاد القائد محمد عودة طبيعة الحرب في غزة، إذ يستهدف العدو الصهيوني القادة والمدنيين معًا في محاولة لإضعاف المقاومة. لكن التجربة الفلسطينية تؤكد أنّ الاغتيالات لا تُنهي الصراع، بل تُعزز الصمود وتُبقي إرادة الفلسطينيين حيّة رغم الفقد والدمار، فكل شهيد يتحول إلى رمزٍ جديد، وكل محاولة إخضاع تزيد تمسّك الشعب الفلسطيني بحقه، وأرضه، وحريته.