حسن بهاروند دبلوماسي متقاعد من إنهاء الحرب إلى تثبيت النفوذ..

كيف تنظر طهران إلى التفاهم المرتقب مع واشنطن؟

تكشف الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن جوهر المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة يختلف عمّا تحاول واشنطن تسويقه للرأي العام. فبينما يركز الخطاب الأميركي على الملف النووي، تؤكد طهران أن أولوية المرحلة الحالية هي إنهاء الحرب ووقف التصعيد في المنطقة، بما في ذلك لبنان، وأن الملف النووي مؤجل إلى مرحلة لاحقة تمتد بين 30 و60 يومًا بعد تثبيت التفاهم الأولي.

الوفاق/خاص

د. أكرم شمص

 

 

 

أولًا: أولوية إيران ليست النووي، بل إنهاء الحرب

 

 

تكشف الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن جوهر المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة يختلف عمّا تحاول واشنطن تسويقه للرأي العام. فبينما يركز الخطاب الأميركي على الملف النووي، تؤكد طهران أن أولوية المرحلة الحالية هي إنهاء الحرب ووقف التصعيد في المنطقة، بما في ذلك لبنان، وأن الملف النووي مؤجل إلى مرحلة لاحقة تمتد بين 30 و60 يومًا بعد تثبيت التفاهم الأولي.

 

 

ثانيًا: إيران تفاوض من موقع القوّة لا من موقع الحاجة

 

 

من وجهة النظر الإيرانية، فإنّ المفاوضات ليست نتيجة ضغوط أميركية ناجحة، بل نتيجة فشل الحرب في تحقيق أهدافها. ولذلك تكرر طهران أن الضمانة الحقيقية ليست التوقيع على الورق بل القدرة التي أظهرتها خلال المواجهة العسكرية. فالدولة التي صمدت في الحرب وأجبرت خصومها على الانتقال من منطق التهديد إلى منطق التفاوض، ترى نفسها اليوم في موقع تثبيت الإنجاز السياسي الذي تحقق بالميدان.

 

 

ثالثًا: أزمة الثقة مع واشنطن

 

 

لا تخفي إيران شكوكها تجاه الجانب الأميركي. فالمتحدث باسم الخارجية الإيرانية كرر أكثر من مرة أن المشكلة الأساسية تكمن في التناقضات المتكررة داخل الإدارة الأميركية وتبدل المواقف خلال ساعات أحيانًا. ولذلك تؤكد طهران أن أي تفاهم لن يُبنى على الثقة بالنوايا الأميركية، بل على الوقائع والالتزامات العملية القابلة للتحقق.

 

 

رابعًا: الأموال المجمدة شرط قبل التفاوض لا نتيجة له

 

 

أحد أهم التحديثات في الموقف الإيراني يتمثل في ربط الدخول في المفاوضات النووية بالإفراج الفعلي عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة. فطهران تعتبر أن بناء الثقة يجب أن يبدأ بخطوات أميركية ملموسة، وليس بوعود سياسية أو إعلامية. ولذلك فإن الأموال المجمدة لم تعد بندًا تفاوضيًا عادياً، بل أصبحت اختبارًا لجدية واشنطن وقدرتها على تنفيذ التزاماتها.

 

 

خامسًا: مضيق هرمز ليس ملفًا أميركيًا

 

 

من النقاط التي تشدد عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن مضيق هرمز لا يخضع للتفاوض مع الولايات المتحدة أصلاً، بل هو شأن يخص إيران وسلطنة عمان والدول المطلة على المضيق. ولذلك ترفض طهران أي محاولة أميركية لتقديم فتح المضيق وكأنه تنازل إيراني لواشنطن، مؤكدة أن إدارة المضيق وآليات الملاحة فيه هي مسؤولية الدول الساحلية وليس القوى الخارجية.

 

 

سادسًا: من حرية الملاحة إلى إدارة الملاحة

 

 

التطور الأبرز في الرؤية الإيرانية لا يتعلق بفتح المضيق أو إغلاقه، بل بإنشاء آلية جديدة لإدارة الملاحة والأمن البحري بالتعاون مع سلطنة عمان. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر أن ما جرى خلال الحرب أثبت أن أمن المضيق لا يمكن أن يبقى خاضعًا للتدخلات الخارجية، بل يجب أن يُدار من قبل الدول المعنية مباشرة. وهذا يعكس انتقال النقاش من مسألة المرور البحري إلى مسألة السيادة الإقليمية.

 

 

سابعًا: لبنان حاضر في صلب التفاهم

 

 

على خلاف ما تحاول بعض التسريبات الغربية إظهاره، تؤكد طهران أن وقف الحرب في لبنان يشكل أحد عناصر التفاهم الجاري العمل عليه. وهذا يعني أن الملف اللبناني لم يعد منفصلًا عن المفاوضات الإقليمية، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بإنهاء التصعيد في المنطقة بأكملها.

 

 

ثامنًا: نتنياهو أكبر الخاسرين من أي تفاهم

 

 

من زاوية إيرانية، لا يمكن فصل محاولات التصعيد الصهيوني الأخيرة عن مسار التفاوض. فالعدو يدرك أن أي تفاهم يؤدي إلى وقف الحرب وتثبيت قواعد اشتباك جديدة سيقلّص هامش المناورة الذي حاول نتنياهو توسيعه منذ بداية المواجهة. لذلك تنظر طهران إلى الضغوط الصهيونية باعتبارها محاولة لإفشال المسار الدبلوماسي أو تعديل شروطه قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.

 

 

تاسعًا: النووي مؤجل لا ملغى

 

 

رغم الضجيج الإعلامي حول البرنامج النووي، تؤكد إيران أنها لا تبحث هذا الملف في المرحلة الحالية. فالملف النووي سيُناقش لاحقًا بعد معالجة القضايا الأكثر إلحاحًا والمتعلقة بإنهاء الحرب ورفع الحصار والإفراج عن الأموال المجمدة. وهذا يعني أن طهران نجحت حتى الآن في منع تحويل الملف النووي إلى شرط مسبق لوقف التصعيد.

 

 

عاشرًا: من معادلة الحرب إلى معادلة النفوذ

 

 

التحول الأهمّ الذي تكشفه المفاوضات الحالية هو انتقال الصراع من محاولة تغيير النظام أو تفكيك عناصر القوة الإيرانية إلى البحث في كيفية تنظيم النفوذ الإيراني داخل المنطقة. فواشنطن لم تعد تتحدّث عن إسقاط النظام أو فرض الاستسلام غير المشروط، بل عن تفاهمات مرحلية ومفاوضات وضمانات متبادلة. وهذا بحدّ ذاته يعكس حجم التحول الذي فرضته نتائج الميدان على الحسابات السياسية.

 

 

الخلاصة: إيران تريد اتفاقًا يكرّس نتائج الحرب لا أن يوقفها فقط

 

 

من منظور إيراني، لا يكمن الهدف في مجرد وقف إطلاق النار أو تجميد المواجهة لعدة أسابيع، بل في تثبيت معادلة جديدة تعترف بالوقائع التي أفرزتها الحرب. ولهذا تبدو طهران أكثر اهتمامًا بإنهاء الحرب ورفع الحصار واستعادة أموالها وترتيب أمن المنطقة، من اهتمامها بالنقاشات التقنية حول الملف النووي. فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد معركة الميدان، بل معركة صياغة النظام الإقليمي الذي سيولد بعد انتهاء الحرب.

 

 

 

المصدر: الوفاق