إيران والمقاومة تفرضان معادلة ردع جديدة..  

منع انفجار الحرب وإعادة رسم قواعد الاشتباك في لبنان

 المقاومة تفرض معادلة ردع إقليمية تُفشل تهديد الضاحية، ويبرز الدور الإيراني كعنصر حاسم في كبح التصعيد وفرض توازن يربك العدو الصهيوني ويعيد رسم قواعد الاشتباك

مع تطور الأحداث في لبنان، برز تصعيد صهيوني خطير تمثل في التهديد المباشر باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة لفرض معادلة ضغط جديدة تقوم على ربط أمن الجبهة الشمالية في فلسطين المحتلة بمصير العاصمة اللبنانية بيروت وضاحيتها الجنوبية، ما وضع المنطقة أمام احتمالات انفجار واسع. وفي مواجهة هذا التصعيد، ظهر الدور الإيراني بشكلٍ حاسم ومباشر، إذ صدرت مواقف واضحة عبر «مقر خاتم الأنبياء (ص) المركزي» والحرس الثوري الإسلامي وقيادات سياسية، أكدت أنّ أي استهداف للضاحية سيُقابله ردّ إقليمي واسع يتجاوز حدود لبنان، مع إعلان مناطق في شمال فلسطين المحتلة «منطقة عسكرية مغلقة»، وهو ما شكّل نقطة تحول أساسية في كبح التصعيد وإفشال أهدافه. وقد أظهر هذا الموقف الإيراني أنّ التدخل السريع والحازم كان العامل الرئيسي في وقف مسار العدوان ومنع تنفيذ ضربات كانت في طريقها إلى بيروت. وفي موازاة ذلك، جاء الموقف الأميركي بقيادة دونالد ترامب ليعكس حجم الانفجار المحتمل، إذ سارع إلى إجراء اتصالات عاجلة مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وأطراف دولية وإقليمية، وأعلن التوصل إلى تفاهمات أولية حالت دون تنفيذ الهجوم، في خطوة عكست تراجعاً سريعاً أمام معادلة الردع الإقليمي التي فرضتها إيران ومحور المقاومة على مسار التصعيد.

 

العدو الصهيوني ومحاولة فرض معادلة «الضاحية مقابل الشمال»

 

منذ اللحظة الأولى، حاول العدو الصهيوني فرض معادلة جديدة تقوم على تهديد بيروت والضاحية الجنوبية، بهدف إجبار حزب الله على وقف عملياته في شمال فلسطين المحتلة. هذا التهديد لم يكن مجرد كلام إعلامي، بل جاء ضمن خطة واضحة تهدف إلى خلق ضغط نفسي وسياسي على المقاومة، وإظهار أنّ أي استمرار في العمليات سيُعرّض العاصمة اللبنانية لخطرٍ مباشر. ردّ حزب الله لم يكن مجرد ردّ موضعي على الغارات الصهيونية، بل كان جزءاً من استراتيجية واضحة تهدف إلى إسقاط المعادلة الصهيونية الجديدة، وتثبيت قواعد اشتباك مختلفة. فقد نفّذ الحزب سلسلة عمليات مركّزة، شملت استهداف المستوطنات الشمالية، وضرب مواقع عسكرية داخل الشريط المحتل، واستهداف قواعد صهيونية حساسة، إضافة إلى استخدام المُسيّرات الانقضاضية في عمليات دقيقة. اللافت كان تنوع الأسلحة واتساع رقعة الاشتباك، ما عكس تطوراً في الأداء العسكري للمقاومة، وقدرتها على إدارة معركة متعددة الجبهات.

 

هذه العمليات أدت إلى وقوع إصابات كثيرة في صفوف الجيش الصهيوني، واعترف العدو بمقتل ضابط وجندي وإصابة عشرة آخرين، بينما تحدثت تقارير عن إصابة أكثر من 154 ضابطاً وجندياً في المواجهات الأخيرة. هذا الاعتراف يعكس حجم الخسائر التي تكبدها جيش العدو الصهيوني، ويؤكد أنّ المقاومة نجحت في فرض معادلة جديدة تقوم على الردع المتبادل، وليس على الخضوع للتهديدات.

 

الموقف الإيراني.. تهديد استراتيجي يُغيّر قواعد اللعبة

 

دخلت إيران بقوة على خط المواجهة السياسية والعسكرية، عبر تحذير مباشر للمستوطنين في الشمال، أصدره مقرّ «خاتم الأنبياء (ص) المركزي»، الذي أعلن أنّ المنطقة الممتدة من الجليل الأعلى والجليل الأسفل والجولان وحيفا أصبحت «منطقة عسكرية مغلقة»، وأنّ على المستوطنين المغادرة فوراً إذا استهدف العدو بيروت أو الضاحية الجنوبية.

 

وفي وقتٍ لاحق نشرت القوات الإيرانية تحذيراً في بيان جاء فيه: «نُعلن للمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة أن المنطقة المحددة في الخريطة المرفقة، والتي تشمل الجليل الأعلى، والجليل الأسفل، والجولان، وحيفا، قد أصبحت اعتباراً من هذه اللحظة منطقة عسكرية مغلقة. وفي حال أقدم قادتكم المجرمون على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أو مدينة بيروت، فإنّ هذه المنطقة ستكون هدفاً لهجمات القوات المسلحة الإيرانية».

 

وتابع البيان: «نقول للشعب الفلسطيني الشريف: لقد حان وقت استعادة أرضكم. نارنا في خدمتكم. وإن ّخروج المستوطنين من المناطق المحتلة قد يُشكل مقدمة لعودتكم إليها».

 

المسار السياسي والتفاوضي.. تحرّك بري للحل وحزب الله يُحدّد سقف التفاوض

 

وفي موازاة الحضور الإيراني، برز رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تحرّك على مستوى صناعة الحل. فقبل أيام أوفد مبعوثاً إلى الرياض، ثم إلى الدوحة، بالتزامن مع اتصالات مكثفة أجراها مع السفير الأميركي. ونقلت هذه القنوات موقفاً واضحاً مفاده أنّ حزب الله مستعدّ للالتزام بوقفٍ شامل لإطلاق النار إذا كان الوقف شاملاً ومتبادلاً ويلتزم به الطرفان بصورة كاملة. وعندما جاء إعلان ترامب، كانت هذه القنوات قد أنجزت الجزء الأكبر من العمل السياسي الذي أفضى إلى التهدئة.

 

أمّا على مستوى المقاومة، فقد جاء الموقف الذي عبّر عنه النائب حسن فضل الله ليضع إطاراً واضحاً لأي تفاهم محتمل. فهو قدّم مقاربة واضحة لما يريده الحزب في هذه المرحلة، رافضاً أي محاولة لفرض تهدئة منقوصة أو ترتيبات جزئية لا تعالج أصل المشكلة. فقد قال فضل الله بوضوح إنّ «موقفنا المشترك مع الرئيس نبيه بري هو وقف إطلاق نار كامل، كمدخل لانسحاب العدو من أرضنا. يجب أن يكون ذلك جزءاً من الحل. وقف إطلاق نار كامل، ولا عودة إلى ما كان قائماً قبل 2 آذار/ مارس، ولا يوجد شيء اسمه حرية الحركة». هذا الكلام يعكس رؤية الحزب بأنّ أي اتفاق لا يضمن وقفاً شاملاً للعدوان، ولا يفرض على العدو التراجع عن مكاسبها الميدانية، لن يكون مقبولاً، وأنّ العودة إلى ما قبل 2 آذار/ مارس لم تعُد مطروحة على الطاولة.

 

حركة أنصار الله.. أي اعتداء على لبنان سيواجه بردٍ واسعٍ ومباشر

 

لم يكن موقف حركة أنصار الله  بعيداً عن التطورات، إذ أكد عضو مكتبها السياسي محمد الفرح أنّ «أي خرق صهيوني في لبنان سيقابل برد كبير وشامل، وأن الجنود الصهاينة في الجنوب سيبقون عرضة للقتل حتى الانسحاب». هذا الموقف يعكس توسّع محور الردع، واستعدادها لفتح جبهة دعم سياسي وربما عسكري إذا توسعت الحرب. كما اعتبر الفرح أنّ العدو الصهيوني «استسهل» قصف لبنان خلال 15 شهراً من دون رد، وأن ما بعد 2 آذار/مارس ليس كما قبله.

 

هذا الموقف اليمني يحمل دلالات مهمة، إذ يعني أنّ أي توسع في المواجهة قد يؤدي إلى فتح جبهات جديدة، ما يزيد من الضغط على العدو الصهيوني، ويجعلها تواجه تحديات متعددة في وقتٍ واحد. كما أن هذا الموقف يعكس وحدة الموقف داخل محور المقاومة، واستعداد الأطراف كافة لدعم لبنان في مواجهة أي عدوان.

 

ختاماً المشهد الحالي يضع لبنان أمام مفترق طرق حقيقي، إذ إن أي تطور ميداني قد يؤدي إلى توسع المواجهة إلى مستوى إقليمي، خاصةً بعد دخول إيران واليمن على خط التهديد المباشر. لكن في المقابل، فإنّ المقاومة نجحت في فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على الرد بالمثل، وعدم السماح  للعدو بفرض معادلاته بالقوة.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص