تيرانا في مرمى الاتهامات بالتورط في خطط «تطهير غزة»..

انتفاضة ألبانية ضد كوشنر..أراضينا ليست للبيع

 ألبانيا تنتفض ضد مشروع كوشنر، رافضة بيع السيادة وتوسّع النفوذ الأميركي وسط احتجاجات شعبية

 لم تكن ألبانيا تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب مواجهة سياسية تتجاوز حدود الاقتصاد والسياحة، لتصل إلى عمق الصراع على السيادة الوطنية، بعدما ظهر جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب في واجهة مشروع عقاري ضخم بدا للكثيرين أشبه بمحاولة استملاك أميركية لأراضٍ سيادية، أكثر منه استثماراً تنموياً. فالمشروع الذي تبلغ قيمته 1.6 مليار دولار، والذي يشمل تطوير منطقة بحيرة نارتا وجزيرة سازان، لم يأتِ في سياق طبيعي، بل جاء محاطاً بتعديلات قانونية مشبوهة، وغياب كامل للشفافية، واتهامات مباشرة للحكومة الألبانية بأنها فتحت أبواب البلاد أمام نفوذ أميركي متغوّل، يتخفّى خلف لافتة «السياحة الفاخرة». ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وانكشاف تفاصيل خطيرة حول المشروع، بات واضحاً أنّ ما يجري في ألبانيا ليس مجرد خلاف داخلي، بل مواجهة بين شعب يرفض بيع أرضه، وقوة أميركية اعتادت التعامل مع الدول الصغيرة كمساحات نفوذ يمكن الاستيلاء عليها بسهولة.

 

ألبانيا في مواجهة النفوذ الأميركي.. من شرارة بيئية إلى انتفاضة سيادية

بدأت القصة من تصريح متعالٍ لإيفانكا ترامب، حين قالت في مقابلة إنها «وجدت جزيرة في البحر المتوسط وقررت أن تعيش فيها». العبارة التي بدت بسيطة في ظاهرها، حملت في مضمونها روح الاستملاك الاستعماري التي لطالما ميّزت السياسة الأميركية في تعاملها مع الدول الضعيفة. فإيفانكا لم تتحدث عن مشروع استثماري، بل عن «جزيرة» وكأنها ملك شخصي يمكن اختيارها للسكن بمجرد أن تعجبها. هذا الخطاب أثار غضباً واسعاً في ألبانيا، خصوصاً بعدما تبيّن أنّ الحكومة مرّرت تعديلات قانونية عام 2024 رفعت صفة «المنطقة المحمية» عن أراضٍ حساسة بيئياً، فقط لتسهيل منحها لكوشنر وشركته. ومع بداية أعمال البناء، انفجرت الاحتجاجات. الجرافات التي اقتحمت محمية نارتا، وتفكيك الكثبان الرملية، وظهور مسارات المعدات الثقيلة، كل ذلك كان كافياً لإشعال انتفاضة شعبية امتدت من العاصمة تيرانا إلى المناطق الساحلية. لم يعُد الأمر يتعلق بالبيئة فقط، بل بالسيادة الوطنية التي شعر الألبانيون أنها تُباع في مزاد سياسي لصالح مستثمر أميركي يتمتع بنفوذ عائلي داخل البيت الأبيض. وازدادت الأمور سوءاً حين اعتدى أحد حرّاس المشروع على مواطن بالقرب من المنطقة المحمية، في مشهد أعاد إلى الأذهان صورة «المستعمر» الذي يفرض وجوده بالقوة.الاحتجاجات لم تكن عابرة، بل تحوّلت إلى حركة شعبية واسعة، حمل فيها المتظاهرون لافتات تطالب برحيل رئيس الوزراء إيدي راما، وصوراً ساخرة تُظهره وهو يسلّم مفاتيح البلاد لإيفانكا ترامب. ومع انتشار فيديوهات تُظهر الجرافات وهي تقتحم الشاطئ، بدا واضحاً أنّ المشروع يُدار بطريقة تتجاوز القانون، وتخضع لمنطق النفوذ الأميركي الذي لطالما تعامل مع دول البلقان كحديقة خلفية.

 

جزيرة سازان.. من قاعدة عسكرية إلى «مستعمرة سياحية» أميركية

جزيرة سازان ليست مجرد قطعة أرض. هي موقع استراتيجي حساس عند مدخل خليج فلورا، وتتحكم فعلياً ببوابة بحرية بين الأدرياتيكي والأيوني. في الحقبة الشيوعية، كانت الجزيرة قاعدة عسكرية محصّنة، تضم شبكة من الأنفاق والخنادق الدفاعية، صُممت لمواجهة «الغزاة الإمبرياليين». اليوم، يريد كوشنر تحويل هذه الجزيرة إلى منتجع فاخر، مع الإبقاء على بعض الخنادق ودمجها في المشروع، في خطوة أثارت تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء هذا الاستحواذ. فهل يحتاج مشروع سياحي إلى جزيرة مليئة بالأنفاق العسكرية؟ ولماذا الإصرار على السيطرة على موقع استراتيجي حساس بهذا الشكل؟ هذه الأسئلة لم تبقَ محصورة في التحليلات المحلية، بل امتدت إلى نقاشات دولية، خصوصاً بعدما بدأت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تربط بين المشروع وبين خطط أميركية – صهيونية قديمة لإيجاد «مناطق بديلة» للفلسطينيين.

 

هل يدخل المشروع في سياق خطط تهجير الفلسطينيين؟

الربط بين المشروع وبين تهجير الفلسطينيين لم يكن مجرد خيال سياسي. ففي كانون الثاني 2025، اضطر رئيس الوزراء الألباني إلى نفي تقارير صهيونية قالت إنه ناقش مع ترامب دوراً ألبانياً في خطط «التطهير العرقي» لغزة. ورغم النفي، فإنّ ظهور مشروع كوشنر بعد أشهر قليلة جعل الشكوك تتعزز، خصوصاً أنّ كوشنر هو مهندس «صفقة القرن» التي كانت تقوم على إعادة هندسة الوجود الفلسطيني جغرافياً وسياسياً. هذه الجزيرة المعزولة، المحمية، والتي يمكن السيطرة عليها أمنياً بسهولة، وتقع خارج نطاق الرقابة الأوروبية المباشرة، تبدو للبعض مكاناً مثالياً لفرض «حلول بديلة» على الفلسطينيين. ومع تصاعد الحرب على غزة، بدا المشروع وكأنه جزء من شبكة أوسع من الخطط التي تبحث عن أماكن لإعادة توطين الفلسطينيين بعيداً عن أرضهم. ورغم عدم وجود أدلة رسمية، فإنّ السياق السياسي، وتاريخ كوشنر، وطبيعة المشروع، كلها عوامل جعلت هذه الاتهامات تجد صدى واسعاً في الشارع الألباني.

 

الولايات المتحدة في البلقان.. تاريخ طويل من الاستغلال

الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها كحامية للديموقراطية، تظهر اليوم في ألبانيا بوجهٍ مختلف تماماً. فبدلاً من دعم سيادة الدول، تبدو واشنطن وكأنها تستغل ضعف الحكومات الصغيرة لفرض مشاريع تخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية. ومن كوسوفو إلى ألبانيا، يتكرر المشهد نفسه: قواعد عسكرية، تدخلات سياسية، مشاريع اقتصادية مشبوهة، وضغوط على الحكومات لتمرير صفقات لا تخدم شعوبها. المشروع الذي حاولت واشنطن تقديمه كاستثمار سياحي، تحوّل إلى فضيحة سياسية تكشف عمق النفوذ الأميركي في البلقان، وتُعرّي الأساليب التي تُستخدم لفرض هذا النفوذ تحت غطاء «التنمية».

ختاماً انتفاضة ألبانيا ليست حدثاً عابراً بل تحوّلاً في وعي الشعوب وما يجري في ألبانيا اليوم يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة المحلية. إنه تعبير عن رفض شعبي واسع للهيمنة الأميركية، وعن وعي جديد يتشكّل في دول كانت تُعتبر سابقاً مناطق نفوذ أميركية لا يمكن المساس بها. فالشعب الذي خرج إلى الشوارع للدفاع عن جزيرة صغيرة، كان في الحقيقة يدافع عن كرامته، وعن سيادته، وعن حقه في ألا تتحوّل بلاده إلى مساحة نفوذ جديدة تُستخدم في مشاريع سياسية أو عسكرية أو حتى مخططات تهجير لشعبٍ آخر.

انتفاضة ألبانيا ليست مجرد احتجاج، بل رسالة واضحة تقول إنّ الشعوب لم تعُد تقبل أن تكون ضحية أطماع أميركية تُغلّف بشعارات الاستثمار والتنمية. إنها لحظة تقول فيها ألبانيا، ومعها شعوب كثيرة حول العالم: الأرض ليست للبيع، والسيادة ليست ورقة تفاوض، والهيمنة الأميركية لم تعُد تمرّ كما كانت في الماضي.

 

المصدر: الوفاق/ خاص