ويفضح هشاشة الأمن الصهيوني

تسلّل مقاوم عبر السياج الأمني يزلزل منظومة الردع الصهيونية

العدو اليوم أمام انكشاف أمني لم تعرفه منذ سنوات، والمقاومة أمام مرحلة جديدة من الفاعلية الميدانية التي تتجاوز الاستنزاف إلى القدرة على خرق المنظومات الدفاعية نفسها

لم يكن التسلل الذي وقع عند مرتفعات رميم قرب الحدود اللبنانيّة مجرد حادث أمني عابر، بل كان لحظة مفصلية أربكت العدو الصهيوني وأعادت فتح النقاش حول قدرة جيشه على حماية حدوده الشمالية. فالمشهد الذي انشغلت به تل أبيب طوال يوم كامل، لم يكن مجرد اشتباك بين مقاوم وجنود العدو، بل كان اختراقاً رمزياً وعملياً لمنظومة الأمن الصهيونية التي طالما قدّمتها المؤسسة العسكرية على أنها «السياج الحديدي» الذي يمنع أي اقتراب من الحدود. لكن ما حدث فجأةً، وبشكلٍ غير متوقع، هو أنّ مقاوماً واحداً، سواء كان فرداً مستقلاً أو جزءاً من بُنية المقاومة، تمكن من اختراق السياج الأمني الفاصل والاشتباك مع قوة صهيونية داخل منطقة تعتبرها تل أبيب «محمية بالكامل»، في حادثة أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط الصهيونية. ورغم أنّ حزب الله لم يعلّق على ما جرى، ما يرجّح أن يكون الحدث «عملاً مقاوماً فردياً»، قال دورون كدوش عبر إذاعة جيش العدو إنّ ما حدث «غير مسبوق ويكسر قواعد المواجهة منذ بداية الحرب».هذا وحده كافٍ ليكشف حجم التحول الذي فرضته المقاومة على قواعد الاشتباك، وعلى طبيعة المواجهة الدائرة منذ أشهر.

 

 

التسلل الذي هزّ كيان العدو.. حين يلتقي الفعل الفردي مع الفشل الاستراتيجي

 

في وقتٍ كان فيه العدو يحاول ترسيخ صورة حدوده الشمالية باعتبارها الأكثر تحصيناً ومراقبة، جاء تسلل المقاوم للسياج الأمني الفاصل ليقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. الحدث الذي وصفه الإعلام العبري بأنه «غير مسبوق» و«يكسر قواعد المواجهة منذ بداية الحرب»، شكل اختراقاً نوعياً أصاب واحدة من أكثر المناطق حساسية التي يفترض أنها تقع تحت رقابة استخبارية وعسكرية صهيونية دائمة.

 

وما زاد من خطورة الحادثة أنّ التحقيقات الصهيونية كشفت أنّ اكتشاف المقاومة لم يكن نتيجة كفاءة المنظومة الأمنية، بل جاء «بالصدفة المحضة»، رغم وجود شبكة واسعة من الكاميرات والرادارات وأجهزة الاستشعار التي أُنفقت عليها موارد ضخمة للمراقبة. هذا الاعتراف وحده شكّل ضربة قاسية للرواية الأمنية الصهيونية، وأشعل موجة انتقادات داخلية دفعت رئيس الأركان إيال زامير إلى التدخل شخصياً وفتح تحقيق في ملابسات ما جرى.

 

العملية أعادت إلى الواجهة فشل مشروع «الحزام الأمني» أو ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي روّجت له تل أبيب في العامين الماضيين باعتباره حاجزاً أمنياً يمنع أي اقتراب من الحدود أو اختراق للمواقع العسكرية.

لكن هذا التسلل كشف أنّ هذه الإجراءات لم تنجح في تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله، وأن ما قُدِّم للمستوطنين باعتباره ضمانة للأمن لا يوفر الحصانة التي وعدت بها المؤسسة العسكرية الصهيونية.

 

ردود الفعل الصهيونية عكست حجم الصدمة. فوسائل الإعلام الصهيونية تناولت الحدث بوصفه مؤشراً على خلل أعمق من مجرد ثغرة ميدانية، فيما حذّر معلقون عسكريون من تداعياته على صورة الردع التي يحاول جيش العدو الصهيوني ترميمها منذ أشهر.

كما تصاعدت الانتقادات من قبل مستوطني الشمال الذين تلقوا وعوداً متكررة بأنّ المنطقة العازلة والإجراءات الأمنية الجديدة ستمنع أي اختراق محتمل.

 

في المحصلة، لم تكشف العملية عن ثغرة أمنية فحسب، بل سلّطت الضوء على حدود فعالية المنظومة التي طالما قدمها العدو كنموذج للسيطرة والمراقبة. وبينما سعت تل أبيب إلى تسويق «الخط الأصفر» باعتباره عنواناً للأمن والاستقرار، جاءت الوقائع الميدانية لتطرح صورة مغايرة تماماً، عنوانها أن التحصينات التكنولوجية والجدران الأمنية لا تكفي دائماً لمنع الاختراق، وأنّ صورة السيطرة المطلقة التي حاول العدو ترسيخها على حدوده الشمالية باتت موضع شك متزايد حتى داخل الأوساط الصهيونية نفسها.

 

المقاومة تغيّر قواعد اللعبة.. من الاستنزاف إلى المبادرة

 

منذ بداية الحرب، اعتمدت المقاومة الإسلامية في لبنان استراتيجية الاستنزاف المتدرّج: ضربات دقيقة، استهداف مواقع حساسة، استخدام مسيّرات انقضاضية، ضرب آليات «نميرا»، استهداف مراكز القيادة، وإجبار الجيش على البقاء في حالة استنفار دائم. لكن التسلل الأخير يشير إلى نقلة نوعية. لم تعُد المقاومة تكتفي بإبقاء الجيش في حالة دفاع، بل باتت قادرة على نقل الاشتباك إلى داخل مناطقه العسكرية، وإظهار أنّ الحدود ليست سوى خط وهمي يمكن تجاوزه.هذا التحول ينسجم مع مسار تصاعدي في عمليات المقاومة في الأسابيع الماضية، حيث توسعت الضربات لتشمل مواقع القيادة والسيطرة، وآليات الاتصالات، والمواقع المستحدثة، وتجمعات الجنود، وموقع رأس الناقورة البحري، إضافةً إلى التصدي لمسيّرة «هرمز 450» وإجبارها على التراجع. كل ذلك يعكس تطوراً في قدرات المقاومة، سواء في الهجوم أو في الدفاع الجوي، ويؤكد أنّ المواجهة لم تعُد محصورة في نمطٍ واحد، بل باتت متعددة الأبعاد.

 

الحدث في ميزان الردع.. ماذا يعني للمستقبل؟

 

الحدث يُشكل رسالة استراتيجية تقول إنّ المقاومة قادرة على تجاوز الحدود، وضرب المنظومات الأمنية، وإرباك جيش العدو داخل مناطقه، ونقل الاشتباك من الدفاع إلى الهجوم، وفرض معادلات جديدة على الأرض. والاحتلال، الذي يعيش أزمة ثقة داخلية، يجد نفسه أمام واقع جديد: لا «حزام أمني» يحميه، ولا «سياج ذكي» يمنع التسلل، ولا «تفوق استخباري» قادر على كشف كل شيء.هذا الحدث، مع العمليات اليومية للمقاومة، يُعيد تشكيل ميزان الردع، ويجعل الجيش الصهيوني في موقع المتلقي، لا المبادر.

 

ختاماً ما جرى ليس حادثاً عابراً، بل علامة فارقة في مسار المواجهة. فالتسلل الذي أربك العدو، والعمليات التي تتوسع يوماً بعد يوم، كلها تشير إلى أنّ المقاومة باتت تمسك بزمام المبادرة، وتفرض على العدو قواعد جديدة لا تستطيع تجاهلها. العدو اليوم أمام انكشاف أمني لم تعرفه منذ سنوات، والمقاومة أمام مرحلة جديدة من الفاعلية الميدانية التي تتجاوز الاستنزاف إلى القدرة على خرق المنظومات الدفاعية نفسها.

 

المصدر: الوفاق/ خاص