إنهيار ثقة أوروبا بواشنطن..

القارة العجوز تدخل عصر ما بعد الحماية الأميركية

 حظي شعار «اشترِ الأوروبي» بتأييد قوي في دول مثل فرنسا والدنمارك والسويد وهولندا والبرتغال، ما يعكس رغبة متزايدة في دعم الصناعات العسكرية الأوروبية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع الحيوي

شكّل الاستطلاع الأخير الذي أجراه «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» محطةً مهمة في قراءة التحولات الجارية داخل القارة الأوروبية، بعدما أظهر أنّ 11% فقط من الأوروبيين في 15 دولة يعتبرون الولايات المتحدة حليفاً يتقاسم معهم المصالح والقيم. وتُعد هذه النسبة الأدنى منذ بدء قياس هذه المؤشرات، ما يعكس تراجعاً غير مسبوق في الثقة الشعبية بالدور الأميركي داخل أوروبا.

 

ولا تقتصر أهمية الاستطلاع على الأرقام التي كشفها، بل تكمن في كونه يعبر عن تغير أعمق في المزاج الأوروبي تجاه الولايات المتحدة، خاصةً في ظل تصاعد المخاوف الأمنية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتنامي الشعور بأنّ المصالح الأوروبية لم تعُد تتطابق بالضرورة مع الأولويات الأميركية. لذلك، ينظر العديد من المراقبين إلى نتائج الاستطلاع باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة قد تشهد تحولات استراتيجية كبيرة في بُنية العلاقات عبر الأطلسي.

 

أرقام الاستطلاع تعكس أزمة ثقة غير مسبوقة

 

وفق معطيات الاستطلاع، فإنّ غالبية المشاركين لا يعتقدون أنّ الولايات المتحدة ستسارع إلى الدفاع عن دولهم في حال تعرضت لهجوم عسكري، وهو ما وصفه التقرير بأنه يعكس «انعدام ثقة عميقاً» بالضمانات الأمنية الأميركية.

 

وتكشف هذه النتيجة عن تراجع صورة الولايات المتحدة باعتبارها الحامي التقليدي لأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من استمرار عضوية معظم الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي، إلا أنّ الرأي العام بات أقل اقتناعاً بفعالية المظلة الأمنية الأميركية، خاصةً بعد سنوات من الجدل حول مستقبل الحلف وتصريحات دونالد ترامب المتعلقة بتقليص الالتزامات العسكرية الأميركية تجاه أوروبا.

 

كما تظهر معطيات الاستطلاع أنّ الأزمة لا تتعلق فقط بالجانب العسكري، بل تمتد إلى مستوى الثقة السياسية. فحين يتراجع الاعتقاد بوجود قيم ومصالح مشتركة بين أوروبا والولايات المتحدة إلى هذا الحد، فإنّ ذلك يعكس اهتزازاً في الأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها الشراكة الأطلسية لعقود طويلة.

 

دعم متزايد للاستقلال الدفاعي الأوروبي

 

من أبرز النتائج التي كشفها الاستطلاع تنامي التأييد الشعبي لفكرة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة. فقد أشارت الباحثة «يانا كوبزوفا» إلى وجود دعم واضح في مختلف أنحاء القارة لخفض مستوى التبعية الأمنية لواشنطن.

 

وتؤكد هذه المعطيات أنّ الأوروبيين باتوا أكثر استعداداً للقبول بسياسات كانت تواجه معارضةً واسعةً في السابق، مثل زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً بأنّ الأمن الأوروبي لا يمكن أن يبقى معتمداً بشكلٍ كامل على قرارات تصدر من واشنطن، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الدولية.

 

كما ترى «بافيل زيركا» أنّ تنامي هذا التوجه الشعبي يمنح القادة الأوروبيين فرصةً سياسية للمضي بسرعة أكبر نحو بناء منظومة دفاعية أوروبية مستقلة، وهو ما قد يُغير شكل التوازنات داخل القارة في السنوات المقبلة.

 

زيادة الإنفاق العسكري وتحول الأولويات

 

أظهرت نتائج الاستطلاع أنّ الأوروبيين أصبحوا أكثر تقبلاً لفكرة زيادة الإنفاق الدفاعي مقارنةً بالعام الماضي. كما أيد 47% من المشاركين الاقتراض الجماعي داخل الاتحاد الأوروبي لتمويل هذه الزيادة، مقابل معارضة 35%.

 

وتشير هذه الأرقام إلى تحول مهم في أولويات الرأي العام الأوروبي. فبعد عقود من التركيز على الرفاه الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، بدأت الاعتبارات الأمنية تحتل موقعاً متقدماً في النقاشات العامة. ويبدو أنّ الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من اضطرابات أمنية دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى إعادة النظر في مسألة الجاهزية العسكرية الأوروبية.

 

ومن المعطيات اللافتة أيضاً الدعم الواسع لفكرة تقليل الاعتماد على المعدات العسكرية الأميركية. فقد حظي شعار «اشترِ الأوروبي» بتأييد قوي في دول مثل فرنسا والدنمارك والسويد وهولندا والبرتغال، ما يعكس رغبة متزايدة في دعم الصناعات العسكرية الأوروبية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع الحيوي.

 

الحرب الأوكرانية وتأثيرها على الرأي العام الأوروبي

 

تكشف نتائج الاستطلاع أنّ الحرب الروسية الأوكرانية ما تزال تلقي بظلالها على مواقف الأوروبيين تجاه القضايا الاستراتيجية الكبرى. فعلى الرغم من أزمة الطاقة التي شهدتها القارة في السنوات الماضية، اعتبر 44% من المشاركين أنّ العودة إلى استيراد النفط والغاز الروسيين ستكون خياراً سيئاً أو سيئاً جداً.

 

وتعكس هذه النتيجة استمرار المخاوف المرتبطة بالعلاقة مع موسكو، رغم الأعباء الاقتصادية التي تحملتها الدول الأوروبية نتيجة تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية.

 

وفي المقابل، أظهر الاستطلاع استمرار الانقسام بشأن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث مالت شرائح واسعة من المشاركين في دول مثل ألمانيا والنمسا وبلغاريا والمجر إلى معارضة هذه الخطوة أكثر من تأييدها في الظروف الحالية. ويشير ذلك إلى أنّ الحرب لم تنجح في خلق إجماع أوروبي كامل حول مستقبل العلاقة مع كييف.

 

ما الذي تعنيه هذه النتائج استراتيجياً؟

 

تكمن أهمية الاستطلاع في أنه لا يعكس مجرد آراء شعبية مؤقتة، بل يقدم مؤشرات على اتجاهات استراتيجية قد تؤثر في مستقبل أوروبا. فالتراجع الحاد في الثقة بالولايات المتحدة، إلى جانب ارتفاع التأييد للاستقلال الدفاعي الأوروبي، يشيران إلى أنّ القارة تتجه تدريجياً نحو إعادة تعريف دورها في النظام الدولي.

 

كما أنّ الدعم المتزايد للصناعات الدفاعية الأوروبية ولتمويل القدرات العسكرية المشتركة قد يُشكل الأساس لمشروع أوروبي أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقلال السياسي والأمني عن واشنطن. وإذا استمرت هذه الاتجاهات في السنوات المقبلة، فقد تشهد العلاقات عبر الأطلسي تحولاً من نموذج الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة إلى نموذج شراكة أكثر توازناً.

 

ختاماً تكشف معطيات استطلاع «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» عن تحول عميق في نظرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة ودورها داخل القارة. فالأرقام لا تُعبر فقط عن تراجع الثقة بواشنطن، بل تشير أيضاً إلى صعود قناعة متزايدة بضرورة بناء قدرات أوروبية مستقلة في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية.

 

وبينما لا تزال العلاقة بين الجانبين قوية على المستويات الاقتصادية والعسكرية، فإنّ نتائج الاستطلاع توحي بأنّ أوروبا بدأت بالفعل مرحلة مراجعة استراتيجية شاملة قد تعيد رسم ملامح العلاقات عبر الأطلسي في السنوات القادمة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص