فبدلاً من أن يُشكل الاتفاق بداية لمرحلة من الاستقرار ووقف نزيف الدم، تحولت الأشهر الماضية إلى امتداد للحرب بأشكالٍ مختلفة، وسط استمرار الخروقات الصهيونية وتصاعد الأزمة الإنسانية وانسداد الأُفق السياسي.
ووفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تجاوز عدد الخروقات الصهيونية للاتفاق أكثر من 3 آلاف خرق منذ دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. كما أسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد نحو 985 فلسطينياً وإصابة أكثر من 3 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال عشرات المواطنين واستمرار استهداف المناطق السكنية في مختلف أنحاء القطاع.
ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، ما تزال العمليات العسكرية حاضرة في المشهد اليومي. فطائرات الاستطلاع الصهيونية تواصل التحليق المكثف فوق القطاع، فيما تتكرر عمليات إطلاق النار والقصف المدفعي واستهداف المناطق الحدودية. كما شهدت الأيام الأخيرة سقوط شهداء وجرحى جدد متأثرين بإصابات سابقة أو نتيجة اعتداءات متواصلة، الأمر الذي يُعزز قناعة الفلسطينيين بأنّ الحرب لم تتوقف فعلياً، بل انتقلت إلى مرحلة أقل حدة وأكثر استنزافاً.
على الصعيد الإنساني، تبدو الأوضاع أكثر قسوة من أي وقتٍ مضى. فمئات آلاف النازحين ما زالوا يعيشون في الخيام أو بين أنقاض منازلهم المدمرة، في ظل نقصٍ حاد في المياه والغذاء والدواء والوقود. كما أنّ استمرار إغلاق المعابر وعرقلة دخول المساعدات الإنسانية فاقم من معاناة السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة.
ويؤكد كثير من سكان القطاع أنّ الأشهر الثمانية الماضية لم تحمل أي تحسن حقيقي في حياتهم اليومية، بل شهدت استمرار القتل والخوف والحرمان. وأصبحت أزمة الوقود من أبرز التحديات التي تؤثر على المستشفيات وشبكات المياه والخدمات الأساسية، ما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني.
سياسياً، لم تنجح جولات التفاوض المتكررة في تثبيت تهدئة دائمة أو إيجاد حلول للقضايا العالقة، في وقت يرى فيه مراقبون أنّ غزة تعيش حالة «حرب استنزاف» تهدف إلى إبقاء القطاع تحت ضغط مستمر دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أنّ وقف إطلاق النار لم يحقق أهدافه المعلنة، بل تحول إلى مرحلة جديدة من المعاناة اليومية للفلسطينيين. فبين الخروقات العسكرية المتواصلة، والحصار المستمر، والأزمة الإنسانية المتفاقمة، تبقى غزة عالقة بين حرب لم تنتهِ وهدنة لم تتحقق فعلياً على أرض الواقع.