ارتبط اسم كمال الدين علي مُحتَشَم كاشاني، أكثر من أي شيء آخر، بالشعر الشهير الذي مطلعه: “باز این چه شورش است که در خلق عالم است”؛ وهو من أشهر المراثي لواقعة كربلاء في اللغة الفارسية.
تم تخصيص اليوم الأول من شهر محرم في التقويم الرسمي للبلاد ليكون يومًا لتكريم مُحتَشَم الكاشاني ويومًا للشعر والأدب الشعائري؛ وهو تكريم يدلّ على التأثير العميق لهذا الشاعر في تشكيل تقليد رثاء أهل البيت والشعر الطقسي في الأدب الفارسي.
الشاعر الذي خلّد رثاء عاشوراء

يُعدّ كمال الدين علي مُحتَشَم الكاشاني (ولد عام 905 هـ في نَراق – وتوفي عام 996 هـ في كاشان) واحداً من الشعراء البارزين في القرن العاشر الهجري، ومن معاصري الدولة الصفوية في عهد الشاه طهماسب الأول.
ويجب اعتباره من أبرز الشعراء الطقسيين ورُثاة أهل البيت (ع) في الأدب الفارسي؛ ذلك الشاعر الذي ارتبط اسمه، أكثر من أي شيء آخر، بالشعر الشهير الذي مطلعه: “باز این چه شورش است که در خلق عالم است”، وهو من أشهر المراثي لواقعة كربلاء في اللغة الفارسية.
حياته ونسبه العائلي
ولد مُحتَشَم في نَراق، وكان والده، خواجة مير أحمد النَراقي، يعمل في مهنة النسّاجَة (نسج القماش)، ثم هاجر فيما بعد بصحبة ابنيه، علي وعبد الغني، إلى كاشان لتحسين وضعهما المعيشي.
قضى مُحتَشَم معظم عمره في كاشان، وتوفي في ربيع الأول من عام 996 هـ في نفس المدينة. وفيما بعد، أصبح ضريحه مقصداً لتقدير الناس واحترامهم.
إلى جانب عمله في مهنة الخياطة والنساجة، تفرّغ لدراسة العلوم الدينية والأدبية السائدة في عصره، وبرز تدريجياً في مجال الشعر. تعلّم فنون الشعر على يد “صدقي استرآبادي”، وبعد ذلك درّب تلاميذ، من بينهم: تقي الدين محمد الحسيني صاحب كتاب “خلاصة الشعراء”، وصَرفي الساوجي، ووحشتي الجوشقاني، وحسرتي الكاشاني.
مكانته الأدبية وآثاره
يُعتبر مُحتَشَم من أتباع مدرسة “الوقوع” الشعرية؛ وهي تيار يتجلى فيه التعبير عن التجارب العاطفية بأسلوب أبسط وأكثر واقعية. ومع ذلك، فإن مكانته الرئيسية في تاريخ الأدب الفارسي تعود إلى نظمه لمراثي عاشوراء.
وأشهر أعماله هو شعره المكوّن من اثني عشر بنداً، الذي يبدأ بمطلع: “باز این چه شورش است…”، وقد حظيت هذه المرثية على مر القرون بمكانة خاصة، وكانت مصدر إلهام للعديد من الشعراء والراثين من بعده، ونذكر الترجمة العربية فيما يلي:

البند الأول / دعاء محرم
أرى ضجة قد عادت في الخليقة! فما هي؟ / ما هذه النياحة والعزاء؟ وما هذا المأتم
ما هذه القيامة التي قامت على الأرض؟ / صعدت، دون أن يُنفخ في الصور، إلى العرش الأعظم
هذا الصبح الكالح قد طلع مرة أخرى، ومنه / ارتبك كل نظام الدنيا ومخلوقات العالم
كأنَّ الشمس تطلع من المغرب! / والإضطراب مشهود في كل ذرات العالم
إذا سمّيته قيامة الدنيا فليس ذلك ببعيد / هذه القيامة التي تحمل اسم محرّم
في حضرة القدس التي تخلو من الملل / كل الأقداس نكست رؤوسها حزناً وكمداً
الجن والملائك ينوحون على البشر / يبدو أنّه عزاء أشرف أولاد آدم
شمس السماء والأرض نور المشرقين / ربيب رسول الله هو الحسين
البند الثاني/ ضيف كربلاء
السفينة المعصوفة بعاصفة كربلاء / غائرة في الدم والتراب بميدان كربلاء
لو أن عين الدهر بكت عليه معولة / سال الدم من فناء إيوان كربلاء
يد الدهر لم تعصر عطراً سوى الدمع / من تلك الزهرة التي تفتحت ببستان كربلاء
لقد بخل الكوفيون حتّى من الماء / فما أحفظهم لحرمة ضيف كربلاء!
كل البهائم والوحوش ترتوي من الماء / ويمص الخاتم من شح الماء سليمان كربلاء
مِن اولئك العطاشى يصعد الى العيّوق / نداء واعطشاه من صحراء كربلاء
آه من تلك اللحظة التي نزع جيش الأعداء كل حياء / فاتجه الى خيمة سلطان كربلاء
الفلك قد احترق بنار الغيرة / حين تصاعد العويل من الحرم خوفاً من العدوّ
البند الثالث/ ليست السماء اندكت على الأرض
ليت آنذاك قد انهدم سرادق الفلك / وليست السماء ذات العمد اندكت على الأرض
ليت آنذاك قد غمر الأرض جميعاً / سيل أسود غطى الأرض بالجهام
ليت آنذاك من الآهات الحرى لأهل البيت / قد اندلعت شعلة برق أحرقت الدنيا
ليت آنذاك قد ذابت السماء / وانثبت كالزئبق على هذه الأرض المتحركة
ايت أنذاك حين سقط جسمه على الأرض / قد أسلمت كل الخلائق الروح إلى بارئها
ليت آنذاك حين انكسرت سفينة أهل البيت / قد غَرَق العالم في بحر من الدماء
ذاك الإنتقام ان لم يحدث يوم ا لحشر / كيف كان الدهر يقف أمام هذا الحادث
آل النبي حين يرفعون يد التظلُّم / تتلاطم حينئذ أركان العرش
البند الرابع/ مائدة الهموم
حين دُعى الخلائق إلى مائدة الهموم / توجه النداء أولا إلى سلالة الأنبياء
وحين حان دور الأولياء ارتعدت السماء / من تلك الضربة التي نزلت على رأس أسدالله
ومن تلك النار التي أشعلوها في السهام / رموا بها الحسن المجتبى
ثم إنّهم قلعوا ذلك السُرادق الذي / لم يكن الملك مجازاً لدخوله وضربوه في كربلاء
والضربة التي أصابت كبد المصطفى / انزلوها بنجل المرتضى العطشان
والكوفيون بفأس العداء في ذلك السهل / قلعوا ما قلعوا من نخيل بستان آل العباء
وأهل الحرم شاقات الجيوب ناثرات الشعور / رَفَعن أصواتهنّ على باب حرم الكبرياء
روح الأمين نكس رأسه هماً / وأظلم من رؤيته وجه الشمس
البند الخامس / تصاعد الغبار
حين أريق دم العطشان على الأرض / فار من الأرض ووصل إلى ذروة العرش
أوشك بيت الإيمان أن ينهدم / من كثرة ما أنزلوا من الضربات على أركان الدين
وحين بلغت الرياح بذلك الغبار إلى مزار النبي / تصاعد الغبار من المدينة إلى الفلك السابع
وصبغ الفلك فجأة ثوبهُ باللون الأسود / حين بلغ خبر عيسى ساكن الأفلاك
وتعالى الضجيج فيالفلك حين وصل دور النحيب / من الأنبياء إلى حضرة الروح الأمين
ويَسوقنا الخيال الواهم إلى أن ذلك الغبار / وصل قاب قوسين من جلال الخالق
وذات ذي الجلال بريئة من الملال / هو في القلب و ليس ثمة قلب خال من ملال
البند السادس/ عظمة ذنب القَتَلة
خوفي أن صحيفة أعمال القاتل حين تفتح / ينغلق تماماً باب الرّحمة
خوفي أن هذا الذنب يجعل شفعاء يوم الحشر / يخجلون أن يتحدثوا عن (عفو) ذنوب البشر
يد عتاب الباريِّ تمتدّ / حين يشير أهل البيت إلى الظالمين
آه من تلك اللحظة التي يظهر فيها شباب أهل البيت / بأكفانهم المدماة وهُم يمشون في صحراء الحشر
الجمع الذي عصفت بصفهم كربلاء / يعصفون و هم صفّ بصفوف الحشر
وماذا ترى يتوقعون من صاحب الحرم / أولئك الأنذال الذين سلطوا سيوفهم على صيد الحرم
يرفعون على السنان الرأس الذي جبرائيل / غسل غبار شعره بماء السلسبيل
البند السابع/ قامت قيامة آل محمد
حين ارتفع رأس ذلك العظيم على الرمح / طلعت الشمس حاسرة من وراء الجبال
موج ثار وارتفع كالجبال الراسيات / وسحب أمطرت وبكت معولة
كان التراب الساكن قد تزلزل حتى أن الفلك أيضاً / ظنا أنّ القيامة قد قامت
تلك الخيمة التي كانت حبالها ظفائر الحور / قد طاحت في العاصفة كالحباب
جمع كان حارس محملهم جبرائيل / أصبحوا دون مأوى و على ظهور الإبل
مع أن هذا العمل قد صدر من أمّة النبي / أصبح روح الأمين خجلاً من النبي
عندئذ اتجهت قافلة الآلام من الكوفة الى الشام / بصورة خال العقل أن القيامة قد قامت
البند الثامن / حركة القافلة من كربلاء
حين مرّت تلك القافلة على ساحة الوغى / ظنّ أن الضجة والنشور عمّت العالم
ضجة النياح ارتفعت في الجهات الست / وكذلك عويل الملائكة أطبق على السماوات السبع
حيثما كانت ريم خرجت من قاعها / حيثما كان طائرٌ سقط من عُشّرِ
عمّت وحشة أنُسَت أهوال القيامة / حين وقعت عين أهل البيت على القتلى
كلما نظرت العين إلى جسدِ الشهداء / نظرت إلى جراح السهام والسنان
وفجأة وقعت عين ابنة الزهراء في هذه الساحة / على الجسد الشريف لأمام الزمان
صاحت، دون ارادتها، هذا حسين / صيحة منها شعلة اللهيب في العالم
وبلغة العتاب توجهت بضعة البتول / إلى المدينة قائلة: يا أيها الرسول
البند التاسع/ هذا حسينك بالثرى
هذا القتيل المرمّل في الثرى حسينك / هذا الصيد المضرّج بالدماء حسينك
هذه النخلة اليافعة التي من شدة الظمأ / قد أرسلت دخاناً إلى السماء حسينك
هذا القمر الغارق في بحر الدماء الذي / يحمل على جسمه على الجراح ما يزيد على النجوم حسينك
هذا الغارق في محيط الشهادة الذي / أصبح وجه الثرى من موج دمه وردياً حسينك
هذا العطشان الملقى الممنوع من الفرات / الذي أصبح من دمه وجه الأرض جيحوناً حسينك
هذا السلطان ذو الجيش الضئيل بخيل الدمع والآهات / الذي ضرب خيمته خارج هذا العالم حسينك
هذا الجسد الغارق في الدماء الملقى على الثرى / السلطان الشهيد دون دفن حسينك
بعدها توجهت الى البقيع وخاطبت الزهراء / خطاباً ألهب قلوب وحوش الأرض وطير السماء
البند العاشر/ يا بضعة الرسول
يا مونسة القلوب المنكسرة انظري إلى حالنا / انظري إلى غربتنا وفقدان حماتنا وأهلنا
أولادك الذين هم شفعاء المحشر / انظري إلى ما عانوه من ظلم أهل الجفاء
اولئك الذين يعيشون في عالم الخلد وينظرون الى الكونين دون حجاب / انظري فيما عانوه من مصيبة في هذا العالم
لا، لا، إلى صواعق كربلاء / انظري وطغيان سيول الفتنة وأمواج البلاء
إلى غربة القتلى المرملين في الدماء / وإلى رؤوس السادة مرفوعة على الرماح انظري
ذلك الرأس الذي كان دائماً على كتف النبي / انظري إليه أنه على رأس رمح يحمله العدو
ذلك الجسم الذي تربّى في حجرك / انظري إليه مرمّلاً بأرض معركة كربلاء
يا بضعة الرسول، الظليمة من ابن زياد / الذي هدم أركان أهل بيت الرسالة
البند الحادي عشر/ يا ابن زياد
أيّها الفلك الدوار أأنت غافل عمّا أنزلته من ظلم / وماذا فعلته عن حقد في هذه الدنيا الجائرة
كفى بك سواداً أن العدو فعل ما فعل / بآل بيت الرسول وأنت ساعدت على ذلك
يا ابن زياد، لم يفعل / نمرود أبداً ما فعلته أنت يا شدّاد
لقد أفرحت يزيد بقتل الحسين / أُنظر من قتلت ومن أفرحت
من أجل لئيم هو ثمرة شجرة الشقاوة / ماذا فعلت في بستان الدين مع الورد والسنديان
لا يجوز معاملة أعداء الدين بهذا الأسلوب الذي / تعاملت فيه أنت مع المصطفى وحيدر وأولاده
الفم الذي عليه رضاب النبي / آلمته أنت بخنجر ظلمك
خوفي أنك حين نحشر في المحشر / يمتلى المحشر بالدخان من نارك
البند الثاني عشر/ كفى يا محتشم
كفى يا محتشم فقد ذاب قلب الصخر / وانهدم أساس الصبر وبيت التحمّل
كفى يا محتشم فمن هذا الكلام الملتهب / قد احترقت طيور السماء وحيّتان البحار
كفى يا محتشم فمن هذا الشعر الذي يقطر دماً / تحوّل دمع المستعمين إلى دم قان
كفى يا محتشم فمن هذا النظم المبكي / قد تخضب وجه الأرض بدمع يحاكي لون الأكباد
كفى يا محتشم فالفلك بكى دماً حتى / أن البحار تحولت ألف مرة إلى حباب أحمر
كفى يا محتشم فمن حرقتك أصبحت الشمس / من آهات المحزونين مظلمة
كفى يا محتشم فمن ذكر غم الحسين / قد احتجب جبريل عن وجه النبي
الفلك الغدّار عمره لم يرتكب اثماً كهذا / مقابل أي مخلوق لم يكن جافياً كهذا
قصائد أخرى
كما له قصائد أخرى، منها في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وآخر في مدح الإمام الرضا (ع). وله أيضاً في القوالب الشعرية الأخرى مدائح ومراثٍ للأئمة، مثل مثنوي في عزاء سيد الشهداء الإمام الحسين (ع).
بعد وفاته، قام أحد تلاميذه بجمع أعماله في سبعة كتب، تضمّنت الغزليات، والقصائد، والمقطعات، والرباعيات، والمثنويات، والتركيببندات، وعُرفت باسم “دواوين مُحتَشَم السبعة”، مما يدل على تنوع شعره وثرائه.
تنوع أعمال مُحتَشَم
ومع ذلك، فإن مُحتَشَم لم يكن شاعر رثاءٍ فقط. فديوانه يضمّ مجموعة متنوعة من القوالب الشعرية، منها الغزليات العاطفية التي عُرف جزء منها بعنوان “جلالية”، إضافة إلى القصائد، والمقطعات، والرباعيات، والمثنويات، والأنواع الأخرى. كما نظم مراثٍ مؤثرة في رثاء أخيه الشاب عبد الغني، وفي رثاء الشاه طهماسب الصفوي أيضاً.
