تُعدّ سينما المقاومة في إيران رافداً ثقافياً لتوثيق الذاكرة الوطنية، حيث يحوّل المخرجون الجراح الجماعية إلى نصوص بصرية خالدة، معتمدين على قصص حقيقية تمس الوجدان.
فمنذ الحرب المفروضة، اتجه المخرجون الإيرانيون إلى تسجيل ملاحم الصمود بأدوات فنية لا تخلو من العمق الإنساني، بعيداً عن الشعارات الجوفاء، مقتربين من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في لحظات الأزمات.
في ذكرى الحرب المفروضة الـ12 يوماً، جسّد فيلم «منتصف الليل» للمخرج محمد حسين مهدويان هذه الرؤية، في عرض خاص بحضور رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بزشكيان، ليؤكد أن الفن يبقى حارساً للتاريخ والإنسانية.
رئيس الجمهورية يحضر عرض «منتصف الليل»
بمناسبة ذكرى الحرب المفروضة الـ12 يوماً وصمود كوادر الصحة، عرضت جامعة «إيران» للعلوم الطبية، فيلم «منتصف الليل» بحضور رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ووزير الصحة محمد رضا ظفرقندي، وجمع من المسؤولين وصنّاع الفيلم، وذلك لجمهور خاص من الكوادر الطبية وأعضاء هيئة التدريس والطلاب وعائلاتهم.
وعلى هامش هذه المراسم، أدى رئيس الجمهورية تحية احترام لمقام شهداء كوادر الصحة، وقام بتكريم عدداً من أسر الشهداء، معتبراً تضحياتهم وإيثارهم وجهادهم رأس مال قيم للنظام الصحي وللبلاد.
كما أكد الرئيس بزشكيان على ضرورة حفظ ذكرى الشهداء، وشرح بطولات مدافعي الصحة، والاستفادة من الطاقات الثقافية والفنية لرواية الحقائق التاريخية، وتعزيز رأس المال الاجتماعي والتماسك الوطني.
رواية من قلب المقاومة والإيثار
فيلم «منتصف الليل» من إخراج محمد حسين مهدويان، بالتعاون مع وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، يقدّم رواية عن الهجمات الجبانة وغير الملتزمة بالموازين الإنسانية والقانون الدولي التي شنها الكيان الصهيوني ضد المدنيين والمراكز الطبية في البلاد، ويعيد تمثيل جزء من الجرائم المرتكبة ضد الشعب الإيراني، والجهود التضحية التي بذلها كادر الصحة في مواجهة هذه الأحداث.
تدور أحداث الفيلم حول سقوط صاروخ قرب مستشفى فاطمة الزهراء(س) في منطقة يوسف آباد بطهران، حيث يفشل الصاروخ في الانفجار. ويتشابك السرد حول جهود فريق متخصص لتفكيك القنبلة، بالتزامن مع إدارة أزمة إنسانية متصاعدة.
يركّز الفيلم، الذي كتب نصه مهدي يزداني خرم، على التفاصيل الدقيقة داخل المستشفى والعلاقات العاطفية، مقدماً صورة معقّدة وقريبة من الواقع عن التضحية والمسؤولية في لحظات الحرج.
قراءة جديدة للحرب المفروضة
يتميّز مهدويان بجرأته في اختيار المواضيع وأسلوبه السردي، مبتعداً عن الخطابات الرنانة. اختار المخرج أن يروي الحرب المفروضة من زاوية إجتماعية وإنسانية، مركزاً على الناس في زمن الحرب لا على الحرب ذاتها.
الكاميرا هنا تتجه إلى الهامش، إلى أولئك الذين لم يُقدّر لهم أن يكونوا أبطالاً رسميين؛ لكنهم وُجدوا فجأة في قلب التاريخ. وبهذا يكسر مهدويان السرد التاريخي الكبير ليصغّره إلى حيوات صغيرة، إلى أجساد، وأصوات، ونظرات، وقرارات.
تقنيات سينمائية تعزز الواقعية
يمتاز الفيلم بديكوباج محسوب ومجازف، وتجنب واعٍ للمبالغات الشكلية، وجرأة في إسناد الأدوار الرئيسية إلى ممثلين غير معروفين، خيار يعكس إيمان المخرج بواقعية عالمه السينمائي.
هذه الاختيارات تجعل المشاهد يشعر بالحضور لا بمشاهدة فيلم معاد تمثيله. يرى النقّاد أن مهدويان، بفضل هذا التوازن الصعب بين الخطابة السياسية والحياد، يقدّم سينما تهمس بالتاريخ بدلاً من أن تصرخ به، تاركةً أثرها في الذاكرة طويلاً.
وفي مشهد ثقافي يعيد الاعتبار للفن كحارس للذاكرة، يظل فيلم «منتصف الليل» شاهداً على قدرة السينما الإيرانية على تحويل الجراح إلى نصوص بصرية مؤثرة.