تواصل إيران جهودها الرامية إلى تعزيز حضورها على خريطة التراث العالمي من خلال استكمال ملف تسجيل «الأسباد» أو (طواحين الهواء التقليدية)، التي تُعد من أبرز الشواهد على الإبداع الهندسي والتكيف البيئي في التاريخ الإيراني. ويأتي ذلك بالتزامن مع مساعٍ أخرى لتسجيل مدينة طوس التاريخية، إحدى أهم الحواضر الثقافية في البلاد.
وأعلن نائب وزير التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية، أن ملف تسجيل «الأسباد» في قائمة التراث العالمي لليونسكو دخل مراحله النهائية، عقب سلسلة من الاجتماعات التنسيقية التي جمعت الجهات المعنية في ثلاث محافظات بشرق إيران.
وأوضح علي دارابي أن هذا المشروع يتطلب تعاونًا وثيقًا بين محافظات خراسان الرضوية وخراسان الجنوبية وسيستان وبلوشستان، نظرًا لانتشار هذه المنشآت التاريخية في مناطق واسعة من شرق البلاد، حيث تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة العمرانية والتراثية الإيرانية.
وأشار دارابي إلى توثيق نحو 1400 طاحونة هوائية تقليدية في إيران، مؤكدًا أن هذه المنشآت تجسد خبرة الإيرانيين القدماء في استثمار الرياح الموسمية المعروفة بـ«رياح الـ120 يومًا»، وتوظيفها لخدمة الزراعة والحياة اليومية في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية.
وتُعد «الأسباد» من أقدم طواحين الهواء ذات المحور العمودي في العالم، وتنتشر بشكل خاص في منطقتي خواف ونَشْتيفان شرق إيران، حيث لا تزال بعض هذه المنشآت قائمة حتى اليوم، شاهدة على قرون من الابتكار الهندسي والاستدامة البيئية.
وأكد دارابي أن الحفاظ على هذا الإرث الفريد ونقل معارفه إلى الأجيال المقبلة يمثلان هدفًا رئيسيًا في مشروع التسجيل العالمي، مشيرًا إلى أن «الأسباد» تعكس قدرة الإنسان على التكيّف مع الطبيعة وتسخير مواردها بأساليب مبتكرة سبقت عصر التكنولوجيا الحديثة بقرون.
وفي سياق متصل، أشار دارابي إلى أن إيران تمتلك حاليًا 29 موقعًا ثقافيًا وطبيعيًا مسجلًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إضافة إلى 27 عنصرًا ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ما يعزز مكانتها بين الدول الغنية بالموروث الحضاري والإنساني.
كما ناقش الاجتماع آخر المستجدات المتعلقة بملف تسجيل مدينة طوس التاريخية، التي تُعد إحدى أبرز المدن التاريخية في إيران وموطن الشاعر الملحمي أبي القاسم الفردوسي، صاحب الملحمة الفارسية الشهيرة «الشاهنامه». وأكد دارابي أن مشروع إحياء طوس وتسجيلها عالميًا يحظى بأولوية خاصة لما تمثله من قيمة ثقافية ولغوية وحضارية.
ويرى خبراء السياحة أن تسجيل «الأسباد» على قائمة التراث العالمي من شأنه أن يعزز مكانة شرق إيران كوجهة للسياحة الثقافية والتراثية، ويجذب الباحثين والمهتمين بتاريخ التقنيات التقليدية والطاقة المتجددة، فضلًا عن تسليط الضوء على أحد أبرز النماذج التاريخية لاستدامة المعرفة المحلية وتوظيف قوى الطبيعة في خدمة الإنسان.