عاشوراء بين التاريخ والضمير الإنساني

نور على الرمح.. مسرحية تدعو للتأمل في لحظات تاريخية مصيرية

تبقى مسرحية «نور على الرمح» محطة ثقافية وفنية متميزة، تفتح نافذة على الذات الإنسانية.

في زمن تتصارع فيه القيم وتتداخل المفاهيم، يبقى الفن المسرحي واحداً من أقوى الوسائل على إعادة صياغة التاريخ بأسلوب ينبض بالحياة ويلامس وجدان المتلقّي.

 

 

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تأتي مسرحية «نور بر نيزه» أي «نور على الرمح»، التي تُعرض على خشبة مسرح «سنكلج» في طهران بمناسبة شهر محرّم الحرام، خلال الفترة من 16 إلى 26 يونيو/حزيران، لتقدّم قراءة معاصرة لواقعة عاشوراء، لا بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل بوصفها رسالة إنسانية تتكرّر في كل زمان ومكان.

 

 

عاشوراء.. واقعة تاريخية أم رسالة إنسانية متجدّدة؟

 

 

أوضح مخرج المسرحية، مجتبى تركمان، أن العمل لا يكتفي بسرد أحداث كربلاء المقدسة، بل يحاول إسقاط مفاهيمها على واقعنا الراهن، من خلال تسليط الضوء على شخصيات تخلفت عن نصرة الإمام الحسين(ع) لأسباب متعدّدة؛ بين خوف وتردّد وانشغال بالماديات، ثم واجهت ندماً لا ينفع بعد فوات الأوان.

 

 

وأكد المخرج أنه يسعى إلى إعادة قراءة مفاهيم عاشوراء ومعالجة مسؤولية الإنسان تجاه الحقيقة، بلغة مسرحية تتناسب مع جمهور اليوم، قائلاً: مسرحية «نور على الرمح» تروي حكاية أناس تخلفوا لأسباب مختلفة عن نصرة الإمام الحسين(ع) وقافلة عاشوراء، وبعد واقعة كربلاء المقدسة يواجهون حسرة وندماً وضميراً يقظاً.

 

 

ثلاث قصص إنسانية في لوحة مسرحية واحدة

 

 

يعتمد العرض على بناء درامي ثلاثي الأجزاء، يستعرض حكايات ثلاثة أزواج: الزوجان الأولان كانا في خيمة الإمام الحسين(ع)، لكنهما هربا عندما أطفأ الإمام الشمعة، ثم شعرا بالندم على ما فعلاه.

 

 

وفي الرواية الثانية، كان الرجل عازماً على الوصول إلى كربلاء المقدسة، لكن زوجته منعته خوفاً عليه من أن تفقده. أما الزوجان الثالثان فيمثلان أناساً واعين ومدركين للأحداث، لكنهم غرقوا في الماديات، ويجسّدان صراع الإنسان بين احتياجاته المادية ووعيه الأخلاقي.

 

 

هذه الروايات ليست خاصة بزمن معين، وهو ما جعل المسرحية منفتحة على تأويلات متعددة تناسب جمهور اليوم، دون أن تفقد عمقها الروحي والتاريخي.

 

 

 

جماليات الأداء والتشكيل المسرحي

 

 

لم يغفل المخرج عن الجانب الجمالي، فاستخدم تقنية «المجموعة الشكلية» إلى جانب الأداء الواقعي، واعتمد لغة بصرية قامت على اللون الأحمر تعبيراً عن الغضب والثورة. كما تم بناء التموضعات المسرحية من داخل التدريبات ذاتها، في عملية إخراجية تفاعلية منحت الممثلين مساحة للعيش داخل الشخصيات.

 

 

مرآة تعكس مسؤولية الإنسان المعاصر

 

 

يتجاوز العرض كونه ترفيهاً دينياً، ليصبح مرآة تعكس واقعاً إنسانياً راهناً، حيث يُطرح سؤال المسؤولية أمام كل فرد: هل نقف مع الحق في لحظاته المصيرية، أم نتخلى عنه خوفاً على مصالحنا؟ إنها دعوة صريحة للتأمل في دور الإنسان في صناعة التاريخ، وموقفه من قيم العدل والحرية والكرامة.

 

 

مرآة للضمير

 

تبقى مسرحية «نور على الرمح» محطة ثقافية وفنية متميزة في شهر محرّم الحرام هذا العام، ليس فقط لأنها تقدّم محتوى دينياً بأسلوب معاصر، بل لأنها تفتح نافذة على الذات الإنسانية، وتدعو إلى مراجعة الخيارات في زمن تموج فيه الفتن، وتتعدّد فيه سبل التخلي عن المسؤولية.

 

إنه عمل فني يضع المشاهد أمام مرآة ضميره، ويذكّره بأن النور يظل على الرمح، حتى في أحلك الليالي.

المصدر: الوفاق