ووفقًا لـ (إرنا)، فإن البيان المشترك الصادر عن قطر وباكستان، والذي نُشر بعد نحو 18 ساعة من بدء المفاوضات في بورغنستوك، يُظهر أنه من أجل تجاوز مرحلة إعلان الاتفاق والدخول في عملية التنفيذ، اتفق الطرفان على تشكيل لجنة رفيعة المستوى، والشروع فورا في المحادثات الفنية، وإنشاء آلية لمراقبة تنفيذ الالتزامات.
وبحسب البيان، ستكون اللجنة رفيعة المستوى مسؤولة عن الإشراف السياسي على تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد، ويتعين على كبار المفاوضين تقديم تقارير دورية عن التقدم المحرز إلى هذه اللجنة.
كما سيتم تشكيل فرق عمل متخصصة في إطار هذه الآلية، معنية بتخفيف العقوبات، والملف النووي، والرصد وحل النزاعات، وذلك لمراقبة التنفيذ الفعال لمذكرة التفاهم. ومن المقرر أن تستمر المحادثات الفنية حول جميع القضايا حتى نهاية الأسبوع في منتجع بورغنستوك.
ويُعدّ الاتفاق على خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا أهم ما جاء في البيان المشترك؛ حيث يُحدد هذا الجدول الزمني مرحلة جديدة في العملية الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، ولكنه في الوقت نفسه يعني أن الشهرين المقبلين سيركزان بشكل أكبر على اختبار تنفيذ الالتزامات بدلا من التعبير عن المواقف السياسية.
وبعد المحادثات، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي في مقابلة مع (إرنا)، أن الدخول في مفاوضات بشأن اتفاق نهائي مشروط بتنفيذ بنود محددة من مذكرة التفاهم، وأن أي خطوة تتخذها إيران يجب أن يقابلها إجراء مماثل من الطرف الآخر. وتم التأكيد على أن أساس العمل هو “الالتزام مقابل الالتزام”، وأن ترتيب الالتزامات في مذكرة التفاهم يعد بحد ذاته ضمانة لمنع الطرف الآخر من التهرب من مسؤولياته.
ووفقا لبقائي، فقد نوقشت مسألة بيع النفط الإيراني، وإصدار التراخيص اللازمة لتصديره، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة، بالتفصيل خلال المفاوضات. وأضاف أنه تم اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الشأن، ومن المتوقع أن تدخل هذه المسائل مرحلة التنفيذ قريبا. لذا، فإن التنفيذ العملي لالتزامات أمريكا في مجال بيع النفط والإفراج عن الأصول الإيرانية سيكون أول اختبار جاد لتقييم مصداقية هذه العملية والانتقال إلى المرحلة التالية من المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، لم يخلُ اجتماع بورغنستوك من آثار جانبية. فقد انقطع الاجتماع الرباعي، الذي حضره الوفدان الإيراني والأمريكي والوسطاء الباكستانيون والقطريون، بعد أن أصدر الرئيس الأمريكي رسالة تهديد وإهانة، وأعلن وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدم مشاركته في الاجتماع. ومع ذلك، استمر تبادل الرسائل عبر الوسطاء، واستمرت المشاورات حتى الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين. وأظهر إصدار البيان المشترك والاتفاق على تشكيل الآليات التنفيذية أن البلدين الوسيطين سعيا إلى منع الأطراف السياسية من التأثير على جوهر العملية الدبلوماسية في الوقت الراهن.
وفيما يتعلق بالملف النووي، وخلافا لبعض التقارير الإعلامية، لم تجر أي مفاوضات بشأن تفاصيل الاتفاق النهائي. وأوضح بقائي أن الوفدين الإيراني والأمريكي قدّما فقط مواقفهما، وأن الوقت لم يحن بعد للدخول في مفاوضات نهائية بشأن الملف النووي ورفع العقوبات. وأضاف أن وزير الخارجية عباس عراقجي حذّر الجانب الأمريكي خلال الاجتماع من تكرار الآراء المفرطة وغير المنطقية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وشرح بوضوح مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومع اختتام الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى، بات التوجه العام للمفاوضات أكثر وضوحا؛ وبما يلزم على اللجنة العليا مراقبة العملية السياسية، وعلى فرق العمل الفنية دراسة تفاصيل تنفيذ الالتزامات، وعلى الأطراف التوصل إلى اتفاق نهائي في نهاية فترة الستين يوما. إلا أن وضع جدول زمني وتشكيل آليات للمراقبة وحدهما لا يكفيان لضمان نجاح هذه العملية. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الفجوة بين إعلان الالتزام وتنفيذه العملي كانت التحدي الأكبر في العلاقات الإيرانية الأمريكية.
لذا، فإن مستقبل خارطة طريق بورغنستوك وإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي يعتمدان بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية للولايات المتحدة فيما يخص الالتزام بتعهداتها عمليا.