استقبال أهل الكوفة للناجين والشهود
كان من المقرر أن يتوجّه الناجون والشهود على الواقعة إلى الكوفة، وأن يلقَوا استقبالاً من أهل المدينة. وكانت الكوفة أيضاً مهيّأة للاستقبال؛ ولكن أيّ استقبال؟! وأيّ أهل مدينة؟!
بالأمس كتبوا الرسائل، ودعوا إمام زمانهم كي يستقبلوه بكل فخر، ويسهموا إلى جانب إمامهم في إحياء دين النبي(ص)؛ ولكن ماذا حدث؟
بإشارة وتهديد!! قدّموا الدنيا على الآخرة!! وبدلاً من اتّباع الإمام(ع) وابن النبيّ (ص)، انضمّوا إلى جيش عبيدالله بن زياد.
وبدلاً من استقبال الضيف الذي دعوه، خرجوا إليه بجيش جرّار!
وبدلاً من تهيئة أسباب الإقامة والراحة للضيوف، حاصروا ضيفهم في منطقة قاحلة بلا ماء.
وبدلاً من الضيافة، منعوا حتى الماء عن ضيفهم ليكتمل جرمهم.
وهكذا اكتسبت الضيافة في ثقافة الكوفيين معنى آخر، وظهرت في يومي الحادي عشر والثاني عشر من محرّم الحرام في صورة تنمّ عن غاية انعدام المروءة.
استقبال المدعوين في الكوفة
أولئك الكوفيون الذين كان يفترض أن يتوجّهوا لاستقبال الإمام وابن نبيّهم وفاءً لرسائلهم…
أولئك الكوفيون الذين جاؤوا بالإمام(ع) إلى هذه المنطقة بدعوتهم، ثم استقبلوه بتلك الضيافة التي خلّدتها الجريمة، هم أنفسهم الذين أقاموا اليوم احتفال استقبال وانشغلوا بالفرح.
غير أن الاستقبال كان هذه المرة لرؤوس الضيوف المدعوين المقطوعة، ولأسرة الضيف التي وقعت في الأسر، وأُجري عليها حكم الأسير الخارج من الدين؛ فقُيّدوا بالأغلال والسلاسل، وأُركبوا على ظهور الإبل بغير وطاء.
إنها نساء وأطفال أُسرى فقدوا، في حرب غير متكافئة وبفضل ضيافة الكوفيين، الإخوة والآباء والأبناء والأنصار.
لقد جاءت هذه الأسرة إلى الكوفة بناءً على دعوة، كما أن الكوفيين خرجوا -بإرادتهم- لاستقبالهم!! لكن الفارق أن عاراً لحق بالكوفيين جراء هذه الضيافة، عاراً لن يُمحى أبداً من ذاكرة العالم.
قافلة الأسرى في الكوفة
بعد أن مُرِّرَت قافلة الأسرى بجوار الشهداء، وشاهدت الأبدان الطاهرة الممزّقة لكبارهم، غادرت كربلاء بعد ظهر اليوم الحادي عشر من محرّم، ودخلت الكوفة في اليوم الثاني عشر من محرّم.
وكان أهل الكوفة قد انخرطوا في أجواء الفرح والضجيج احتفالاً بما سُمّي نصراً. وكان الحاكم، السكران بهذا النصر، يظن أنه ظفر بالميدان؛ فكتب إلى يزيد يعلن له الغلبة على الحسين بن علي(ع)، ويطلب منه التكليف.
وفي خضمّ هذه الحالة الزائفة من الفرح والهيجان، دوّى فجأة صوت عالٍ! صوت يشبه صوت علي(ع)!
وكأنّ الإمام علياً (ع)، الذي أمضى سنوات خلافته في هذه المدينة وكان أهلها يعرفونه ويعرفون أبناءه جيداً، كان يصرخ على هؤلاء القوم الغادرين بلسان السيدة زينب(س).
خطبة السيدة زينب(س) في الكوفة
ألقت السيدة زينب(س) خطبة في الكوفة، فاغرورقت عيون أهلها بالدموع، وارتفعت أصواتهم بالبكاء. وكانت تلك الأجواء أول شرارة أُلقيت في نار نصرة الإمام(ع) في الكوفة، فأحدثت تحولاً في أهلها. لقد أفاق هؤلاء الناس على صوت علي(ع) وهو يهتف: «اسكتوا».
وبأمر من السيدة زينب(س)، وبصوتها العلوي، خيّم على المدينة صمتٌ حتى إن صوت أجراس الإبل لم يعد يُسمع.
بعد أن سكت الناس، ارتفع صوت زينب المشابه لصوت علي، وبعد حمد الله الواحد والصلاة على جدّها رسول الله (ص)، خاطبت أهل الكوفة. فبكى أهل الكوفة عند سماع صوت زينب(س).
وقد وصفت السيدة زينب(س) هؤلاء الناس بأنهم قوم ماكرون غادرون، وقالت مخاطبة أهل الكوفة: «أَلَا سَاءَ مَا قَدَّمَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ وَسَاءَ مَا تَزِرُونَ لِيَوْمِ بَعْثِكُمُ فَتَعْساً تَعْساً وَنَكْساً نَكْساً لَقَدْ خَابَ السَّعْيُ وَتَبَّتِ الْأَيْدِي وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ».
خطبتا الإمام السجاد(ع) والسيدة زينب(س)
بعد السيدة زينب(س)، قال الإمام السجاد(ع) في خطبة له: «أَيُّهَا النَّاسُ! نَاشَدْتُكُمْ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ؟ وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَالْبَيْعَةَ، وَقَاتَلْتُمُوهُ وَخَذَلْتُمُوهُ؟ فَتَبّاً لِمَا قَدَّمْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَسَوْأَةً لِرَأْيِكُمْ. بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ إِذْ يَقُولُ لَكُمْ: قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي، وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي، فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي؟!».
لقد أعادت خطبتا الإمام السجاد(ع) والسيدة زينب(س) أهل الكوفة ناقضي العهد إلى وعيهم مرة أخرى، ودفعَتهم إلى التفكير؛ ولكن ما الفائدة؟!
ويمكن تصور أن حركة التوّابين بدأت مع سماع هذه الخطب. فقد ندم بعضهم بعد الاستماع إلى هذه الكلمات، وبدأوا حركة في الكوفة سُجّلت في التاريخ باسم التوّابين.
وقد انطلقت هذه الجماعة التوّابة بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وتحت شعار «يا لثارات الحسين(ع)»، في مواجهة الخلافة الأموية، وهي الحركة التي أفضت لاحقاً إلى قيام المختار الثقفي.
