وتتجاوز الارتدادات العنيفة لإعادة نبش قاع ملف المجرم إبستين حدود التفسيرات القانونية والإجرائية المعتادة داخل أروقة القضاء الأمريكي، لتكشف عن الوجه العاري لواحد من أخطر الملفات السيادية الحبيسة في خزائن الاستخبارات الصهيونية، والتي يُعاد توظيفها اليوم كأداة ضغط استراتيجي عابرة للقارات لتركيع ترامب وإعادة ضبط بوصلة سياسته الخارجية بالحديد والنار.
إن القرار الصارم الذي أصدره قاضٍ فدرالي، واضعاً وزارة العدل الأمريكية أمام مهلة نهائية حاسمة تنتهي في الثاني من يوليو المقبل للإفراج عن وثائق ومراسلات غير منقحة ومحاضر تحقيقات بالغة السرية تابعة لمكتب التحقيقات الفدرالي (FBI)، ليس في جوهره إلا هندسة سياسية واعية وموقوتة تلتقي مباشرة مع هندسة العدو لتجديد العدوان على إيران وتفجير المنطقة من جديد.
وتحريك هذا الصندوق الأسود الملغم بالفضائح والاتهامات التي تمس ترامب شخصياً وإدارته، يمثل “عقوبة استخباراتية فورية” ورداً صهيونياً حاداً لفرملة الاندفاعة الأمريكية الأخيرة التي تجسدت في خضوع ترامب الصريح للإرادة الإيرانية وتوقيعه على مذكرة تفاهم أذعنت فيها واشنطن بالكامل لشروط طهران؛ وهو التحول الاستراتيجي الذي رأى فيه كيان العدو تهديداً وجودياً للمنظومة الصهيونية، ما استدعى إشهار “عصا إبستين” الفضائحية لإجبار صانع القرار في البيت الأبيض على التراجع الفوري، والارتداد قسراً نحو مربع المواجهة والتصعيد.
إن هذا النمط الفج من الابتزاز الصهيوني وتطويع الإرادة السيادية للولايات المتحدة يمتد إلى سوابق وخلفيات مريرة كبلت يدي ترامب طوال مسيرته السياسية؛ فكلما حاولت إدارته إبداء مرونة أو البحث عن مسارات تهدئة، كان يتم التلويح بذات الملفات الفاضحة والأسرار المظلمة التي تحوزها أجهزة أمن الكيان، ما دفع ترامب سابقاً إلى التورط في خطوات تصعيدية وعدوانية كبرى ضد إيران بالوكالة عن كيان العدو، وصولاً إلى ارتكاب حماقات واعتداءات عسكرية مباشرة.
حماقات كانت تأتي باندفاعات طائشة كانت تُحرك بالكامل بـ “ريموت كنترول” صهيوني يبتز الرئيس الأمريكي بنقاط ضعفه المحتجزة خلف الستار.
هذه الحقائق فجرها النائب الجمهوري توماس ماسي الذي طالب علناً برفع الحظر كاملاً عن الملف، مؤكداً المؤكد بأن إبستين كان مجرد واجهة لعملية استخباراتية صهيونية معقدة وشبكة مصممة خصيصاً لاختراق وتركيع النخب الفاعلة في واشنطن، وهو ما ينسجم مع التسجيل الصوتي المسرب لإبستين وهو يلقن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إيهود باراك آليات استثمار المناصب والملفات لابتزاز الشخصيات الدولية وانتزاع التنازلات السياسية منها حتى بعد خروجها من الخدمة العامة.
وبهذه المعطيات، فإن الرسالة الصهيونية المكتوبة بـ “حبر قضائي أمريكي” واضحة وحاسمة، تؤكد أن أي محاولة من ترامب للتحرر من الإملاءات الإسرائيلية، أو القبول بشروط طهران، أو التأسيس لانفراجة إقليمية لا تضمن المصالح الصهيونية العليا، ستجابه فوراً بفتح “خزانة الجحيم” وتدمير مستقبله السياسي بالكامل، ليبقى القرار السيادي الأمريكي رهينة دائمة ومستلبة لمنظومة الابتزاز الصهيوني المستمر.