يبدو كيان الاحتلال اليوم وكأنه يقف على حافة مرحلة جديدة لم يعرفها منذ احتلاله فلسطين. فالكيان الذي بنى وجوده على أسطورة القوة المطلقة، وعلى فكرة أنّ جيشه لا يُهزم، وعلى قناعة راسخة بأنّ الردع هو حجر الأساس في بقائها، يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً. الأرقام الصادرة من مؤسساته الأكاديمية والإعلامية لا تترك مجالاً للالتباس: هناك انهيار داخلي يتجاوز حدود الفشل العسكري، ويتحول إلى أزمة بُنيوية تمسّ جوهر المشروع الصهيوني. فاستطلاع الجامعة العبرية الأخير، وما رافقه من تقارير صحفية، يكشفان أنّ المجتمع الصهيوني لم يعُد يصدق قيادته، ولم يعُد يثق بجيشه، ولم يعُد يرى في الحرب وسيلة لحماية أمنه. بل إنّ غالبية الصهاينة باتوا مقتنعين بأنّ خصومهم، خرجوا من المواجهة الأخيرة أكثر قوةً وتأثيراً. هذا التحول لا يمكن فهمه إلا بوصفه سقوطاً للرواية الرسمية، وانكشافاً لعمق الأزمة التي يعيشها الكيان.
تحول الوعي الصهيوني.. حين يسقط خطاب القوة
تكشف نتائج الاستطلاع أنّ 92.1% من الصهاينة يرون أنّ إيران حققت مكاسب أكبر من العدو الصهيوني في الحرب الأخيرة. هذه النسبة وحدها كافية لتفكيك خطاب الحكومة الذي حاول تصوير المواجهة كإنجاز استراتيجي. فحين يعتقد الجمهور أنّ خصمه الإقليمي خرج منتصراً، فهذا يعني أنّ أسطورة الردع التي طالما تغنى بها العدو تتعرض لاهتزاز غير مسبوق. بل إنّ 82.9% من المستطلعين يرون أنّ الأمن الصهيوني تضرر على المدى الطويل، وهو ما يعكس شعوراً عميقاً بأنّ الحرب لم تعُد وسيلة لحماية الدولة، بل أصبحت عبئاً يفاقم هشاشتها. هذا التحول في الوعي الشعبي يشير إلى أنّ المجتمع الصهيوني بدأ يدرك حدود قوته، وأنّ الخطاب الرسمي لم يعُد قادراً على إخفاء الفجوة بين الواقع والدعاية. إنّ تراجع الثقة بالقيادة السياسية، كما يظهر في رفض 72.5% من الصهاينة لتصريحات نتنياهو، ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تعبير عن انهيار العلاقة بين الدولة وجمهورها.
الإعلام الصهيوني يكشف ما حاولت الحكومة إخفاءه
لم يعُد الإعلام الصهيوني قادراً على التغطية على الفشل. فصحيفة «يديعوت أحرونوت» حذرت من أنّ تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان قد يتحول إلى سابقة تفرض قيوداً على حرية العمل العسكري في غزة والضفة. هذا الاعتراف يعني أنّ العدو لم يعُد قادراً على فرض شروطه، وأنه بات يخضع لضغوط خارجية وداخلية تحدّ من قدرته على المبادرة. الإعلام الصهيوني يتحدث اليوم عن تراجع مكانة كيان الاحتلال الإقليمية، وعن فقدانه القدرة على فرض معادلات جديدة، وعن نجاح إيران في توسيع نفوذها السياسي والعسكري. هذه الاعترافات تكشف أنّ أزمة الردع ليست مجرد تحليل خارجي، بل حقيقة يعترف بها الصهاينة أنفسهم.
الانهيار النفسي.. الوجه الأكثر خطورة للأزمة
بعيداً عن السياسة والعسكر، تكشف الأرقام المتعلقة بالصحة النفسية حجم الانهيار الداخلي الذي يعيشه المجتمع الصهيوني. فعدد الجنود الذين يتلقون علاجاً نفسياً ارتفع من 11 ألفاً قبل الحرب إلى 31 ألفاً اليوم، مع توقعات بوصول العدد إلى 100 ألف بحلول 2028. هذه الأرقام لا تعكس مجرد ضغوط نفسية، بل تُشير إلى تفكك البُنية البشرية لجيش العدو الصهيوني. فجيش يعاني هذا الحجم من الاضطرابات النفسية لا يمكنه خوض حرب طويلة، ولا يمكنه الحفاظ على جاهزية قتالية مستقرة. أمّا على المستوى المدني، فإنّ 19.7% من السكان يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وهي نسبة تفوق المعدل العالمي بأضعاف. هذا يعني أنّ المجتمع الصهيوني يعيش حالة صدمة جماعية، وأنّ الحرب لم تعُد حدثاً عابراً، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، تترك آثارها على النوم والسلوك والعلاقات الأسرية. إنّ الأزمة النفسية التي تضرب المجتمع الصهيوني اليوم ليست مجرد نتيجة للحرب، بل هي مؤشر على هشاشة داخلية عميقة.
الأبعاد الاقتصادية للأزمة الداخلية
ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على المجتمع الصهيوني، بل تمتد أيضًا إلى الاقتصاد، إذ تتطلب برامج العلاج والتأهيل وتقديم الدعم النفسي موارد مالية كبيرة، فضلًا عن تأثيرها في سوق العمل والإنتاجية العامة.
كما أنّ استمرار حالة عدم اليقين الأمني يؤثر في قرارات الاستثمار والإنفاق، ويزيد من حجم الأعباء الملقاة على القطاعين العام والخاص. ويضاف إلى ذلك أنّ استمرار تعبئة الاحتياط لفترات طويلة قد ينعكس على أداء قطاعات اقتصادية مختلفة، خاصةً تلك التي تعتمد على القوى العاملة ذات المهارات العالية.
ومن هنا، فإنّ تقييم نتائج الحرب لا يقتصر على الخسائر العسكرية أو السياسية، وإنما يشمل أيضًا الكلفة الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد التي قد تستمر لسنوات بعد انتهاء العمليات العسكرية.
فقدان الثقة بالقيادة.. نتنياهو في أضعف لحظاته
تراجع التأييد لنتنياهو ليس مفاجئاً، لكنه اليوم يأخذ شكلاً مختلفاً. فالأزمة لم تعُد سياسية فقط، بل تحولت إلى أزمة شرعية. فحين يعتقد 87.8% من الصهاينة أنّ الحكومة فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية، فهذا يعني أنّ القيادة السياسية فقدت القدرة على إقناع جمهورها. نتنياهو الذي بنى حياته السياسية على خطاب القوة، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن تقديم أي إنجاز ملموس. بل إنّ الجمهور يرى أنّ سياساته أدت إلى تراجع الأمن، وإلى تعزيز قوة خصوم كيان الاحتلال. هذا الانهيار في الثقة يفتح الباب أمام صراعات داخلية قد تعصف بالمشهد السياسي الصهيوني، وتعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة.
كيان الاحتلال أمام منعطف تاريخي
عند جمع كل هذه المعطيات، يتضح أنّ كيان الاحتلال يواجه أزمة متعددة المستويات: أزمة ردع، أزمة ثقة، أزمة نفسية، وأزمة سياسية. هذه الأزمات مجتمعة تكشف أنّ الكيان لم يعُد قادراً على الحفاظ على صورته كقوة إقليمية مهيمنة. فالمجتمع الصهيوني يعيش حالة خوف وقلق، والجيش يعاني من انهيار بشري، والقيادة السياسية فقدت شرعيتها، والإعلام يعترف بتراجع المكانة الإقليمية. هذه ليست مجرد تداعيات حرب، بل هي علامات على تآكل المشروع الصهيوني نفسه. فالكيان الذي قام على فكرة التفوق العسكري يجد نفسه اليوم عاجزاً عن حماية جنوده، وعن إقناع شعبه، وعن فرض إرادته على خصومه. إنّ الأزمة التي يعيشها كيان الاحتلال اليوم ليست عابرة، بل هي أزمة وجودية تهدد بُنيته الداخلية، وتكشف هشاشته أمام خصومه.
ختاماً تكشف الأرقام الصهيونية أنّ الكيان يعيش مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب الداخلي. فالرواية الرسمية سقطت، والردع تآكل، والثقة انهارت، والمجتمع يعاني من صدمات نفسية عميقة. وبينما تحاول القيادة الصهيونية التمسك بخطاب القوة، تكشف الوقائع أنّ كيان الاحتلال أصبح أضعف مما كان عليه في أي وقتٍ مضى. إنّ الأزمة التي تواجهه اليوم ليست أزمة حرب، بل أزمة هوية ووجود. الأرقام لا تكذب، والواقع لا يمكن تجميله: كيان الاحتلال اليوم كيان مأزوم يبحث عن رواية جديدة، لكنه لا يجد سوى مزيد من الانقسام والضعف.