وقال عراقجي، مساء الثلاثاء، عبر رسالته التي جاءت رداً على تصريحات وزير الأمن الداخلي الأمريكي: «يا سيد مولين، لقد انجزتم مهمتكم بنجاح! لكن إلى جانب ذلك، حققتم إنجازاً آخر: لقد أثبتّم للعالم أنكم غير جديرين باستضافة أي بطولة! لقد تحوّلت إدارتكم إلى نموذج متكامل في إهدار الهيبة والمكانة التي يمكن اكتسابها من خلال استضافة حدث دولي ما».
وكان وزير الأمن الداخلي الأمريكي، مارك وين مولين، أعلن تعليقاً على خروج المنتخب الإيراني لكرة القدم من كأس العالم 2026، إنه «رقص طرباً» بعد حسم هذه النتيجة؛ تصريحات وصفها متابعون بأنها تكشف عن تدخل خفي لمسؤولين أمريكيين في مسار إقصاء إيران من البطولة.
الإتحاد الإيراني لكرة القدم يستنكر
من جانبه، استنكر الإتحاد الإيراني لكرة القدم تصريحات وزير الأمن الداخلي الأمريكي المتعلقة بخروج منتخب إيران من نهائيات بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.
وأكد الاتحاد الإيراني لكرة القدم، في بيان عبر شبكة «ذا أثليتك»، أن “هذه التصريحات تعكس عدم احترام القوانين الدولية أو مسؤوليات استضافة حدث عالمي”.
وفي وقت سابق، قدّم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، التحية للمنتخب في مدونة له على منصة «إكس»، قائلاً: تحية للمنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم؛ الذي صوب نحو هدفه بقلب واحد وصفوف متراصة، ولم يسمح للضغوط اللاإنسانية وغير المألوفة أن تثنيه عن مواصلة الركض والمضي قدماً.
الإعلام الأمريكي: التعامل مع المنتخب الإيراني كان مخزياً
هذا وتحدّث الإعلام الأمريكي منتقداً طريقة التعامل مع المنتخب الإيراني في أكثر من مورد. فرغم وعود الإتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» للإتحاد الإيراني بعدم حدوث أي مشاكل خلال كأس العالم ٢٠٢٦، إلا أنه عملياً لم يتمكّن من توفير استضافة مناسبة للمنتخب الإيراني، ولم تُنفَّذ تلك الالتزامات بالكامل. فقد خرج المنتخب الإيراني من دور المجموعات في كأس العالم ٢٠٢٦ بعد أن حقق ثلاث تعادلات وثلاث نقاط، ورغم تقديم أداء مقبول في المباريات الثلاث، إلا أن فريق “أمير قلعة نوئي” لم ينجحوا في تخطي عقبة الدور التالي.
وجاء ذلك في وقت كان معسكر المنتخب الإيراني التحضيري يقام في المكسيك، وتحديداً في مدينة تيخوانا، حيث كان اللاعبون الإيرانيون يدخلون الأراضي الأمريكية قبل يوم واحد فقط من موعد المباريات، ويغادرونها فور انتهاء كل مباراة؛ وهو ما أدى في النهاية إلى عدم تمكن الفيفا من توفير الظروف الملائمة والمناسبة لتجهيز وحضور المنتخب الإيراني في هذه النسخة من البطولة.
وفي هذا السياق، كتبت الصحيفة الأمريكية “usatoday”: على الرغم من أن طريقة التعامل مع إيران في كأس العالم ٢٠٢٦ كانت مخزية، إلا أن ما يبدو أكثر إثارة للقلق هو تداعيات هذا السلوك على مستقبل كرة القدم العالمية.
يذكر أن الفيفا، بموائمته مع نهج الحكومة الأمريكية تجاه إيران، والذي أدى إلى اضطرار المنتخب الإيراني إلى تغيير معسكره التدريبي في اللحظات الأخيرة، ومواجهته قيوداً مشابهة لأنظمة حظر التجوال في أول مباراتين له على الأراضي الأمريكية، قد فتح في الواقع «صندوق باندورا» – وهو مصطلح يوناني شهير – وهو إجراء قد يمنح المضيفين المستقبليين لبطولات الفيفا على أي مستوى الإمكانية لمعاملة الدول التي لا تربطهم بها علاقات سياسية جيدة، بمعاملة مماثلة، حتى لو كانت تلك الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
سواء كان بإمكان إيران الفوز بإحدى مبارياتها لو لم تكن هذه القيود موجودة أم لا، فهو أمر قابل للنقاش؛ لكن تخيل لو أن دولة أخرى تعاملت مع المنتخب الوطني الأمريكي للرجال أو للسيدات بنفس الطريقة؛ بأن غيّرت مكان معسكره في اللحظة الأخيرة، ولم تسمح له بتخطيط مستقل للسفر، وحرَمت بعض مسؤولي الاتحاد الأمريكي لكرة القدم من مرافقة الفريق، مما لا شك فيه أن موجة من الاحتجاجات كانت ستجتاح العالم بأسره؛ لكن الفيفا، بقبوله سلوك الحكومة الأمريكية تجاه المنتخب الإيراني، قد مهد في الواقع الطريق لمثل هذه المعاملات في المستقبل؛ معاملات تبدو ظاهرياً موجهة ضدّ الحكومات؛ لكنها في الممارسة العملية تستهدف الرياضيين.
«الفيفا» سمح للسياسة بدخول كأس العالم
يدّعي الفيفا، تماماً مثل اللجنة الأولمبية الدولية، أنه هيئة غير سياسية، وأن كأس العالم والأولمبياد هما أداتان لنشر السلام والتضامن بين الأمم؛ لكن الأحداث التي وقعت في هذه النسخة من كأس العالم أظهرت مدى ابتعاد هذا الادعاء عن الواقع.
في عام ٢٠١٧، كان جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، قد أكد، عندما أصدر دونالد ترامب أول أمر تنفيذي يقيد السفر، وكانت الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك مرشحة لاستضافة كأس العالم ٢٠٢٦، قائلاً: «يجب أن يتمكن أي فريق يتأهل إلى كأس العالم، إلى جانب مشجعيه ومسؤوليه، من دخول الدولة المضيفة؛ وإلا فإن كأس العالم لن يكون له أي معنى على الإطلاق»؛ لكن قبل يوم واحد فقط من انطلاق المباريات، عندما فرضت الحكومة الأمريكية قيوداً واسعة النطاق على إيران، وقيّدت أيضاً دخول مشجعي عدة دول أخرى، اتخذ إنفانتينو موقفاً مختلفاً تماماً، وقال: «لسنا ملوك العالم حتى نتمكن من إصدار الأوامر للحكومات أو قوات الشرطة. نحن منظمة رياضية، ونبذل قصارى جهدنا في حدود ما هو ممكن. أحياناً ينبغي أن نتحلى بالهدوء؛ فالصراخ ليس دائماً هو الحل».
«الفيفا» يعرّض نفسه لأزمة أكبر
لكن التخلي عن المبادئ، ومن أجل مصالح قصيرة المدى، عادة ما تكون له عواقب طويلة المدى.
لا شك أن الفيفا حقق هدفه، وأقام كأس عالم كبيرة في الولايات المتحدة؛ بطولة كانت ناجحة أيضاً من الناحية الاقتصادية؛ لكن السؤال هو: بأي ثمن تحقق هذا النجاح؟
والآن بعد أن تأسست هذه السابقة، لن يكون من السهل العودة إلى ما كان عليه الحال. فأي دولة تستضيف بطولات الفيفا في المستقبل يمكنها أن تحتج بهذه السابقة، وتفرض قيوداً مماثلة على فرق أخرى، بدعوى الأمن القومي أو التهديدات المحتملة.
وفي ظل هذه الظروف، لن يكون لدى الفيفا حجة قوية للإعتراض؛ لأنه في كأس العالم ٢٠٢٦، هو نفسه من مهد هذا الطريق.