من الأمسيات الشعرية إلى إزاحة الستار عن الكتب

على أعتاب الوداع.. الثقافة الإيرانية تكتب مرثيتها لقائد الأمّة الشهيد

كتاب «من أجل الأب»، جمع مراثي شعراء جبهة المقاومة في رثاء قائد الأمّة الشهيد.

على أعتاب مراسم الوداع وتشييع قائد الأمة الشهيد، وفي ظل الحراك الثقافي والأدبي الواسع الذي تشهده الساحة الإيرانية، تتوالى المبادرات الفكرية والفنية التي تسعى إلى توثيق هذه اللحظة التاريخية واستحضار أبعادها الإنسانية والثقافية.

 

 

وبين أمسية شعرية حاشدة حملت عنوان «بايد كه برخاست» أي «لا بد أن ننهض»، وإطلاق كتاب «براي بدر» أي «من أجل الأب» الذي ضم مراثي شعراء جبهة المقاومة، برزت الثقافة بوصفها الوعاء الأقدر على حفظ الذاكرة الجماعية، وتحويل مشاعر الفقد إلى مشروع إبداعي يؤرخ لمرحلة مفصلية في تاريخ الأمّة.

 

 

حين تتحول القصيدة إلى موقف

 

 

لم تكن أمسية «لا بد أن ننهض» مجرد لقاء شعري، بل جاءت بوصفها مساحة وجدانية إلتقت فيها أصوات الشعراء والكتّاب والمثقفين على أعتاب مراسم التشييع، لتعيد صياغة مشاعر الحزن بلغة تجمع بين الرثاء والبطولة، وبين الألم والأمل.

 

 

القصائد التي ألقيت لم تكتف باستحضار صورة قائد الأمّة الشهيد، بل تجاوزتها إلى الحديث عن الإنسان والوطن والمقاومة، وعن الأطفال الذين دفعتهم الحروب المفروضة إلى واجهة المأساة، وعن شعب يحاول أن يستعيد توازنه وسط الفقد الكبير.

 

 

وبين القصائد الوجدانية والملحمية والاحتجاجية، بدا الشعر وكأنه يمارس وظيفته التاريخية؛ ليس بوصفه تعبيراً عن العاطفة فحسب، وإنما باعتباره شهادة على الزمن.

 

 

المثقف شاهد على التاريخ

 

 

من أبرز الرسائل التي حملتها الأمسية، التأكيد على أن المثقف لا يملك رفاهية الصمت في اللحظات المفصلية. فقد أكد المدير العام لمركز التنمية الفكرية للأطفال والناشئين، حامد علامتي، على أن الشعر والفن ليسا مجرد أدوات جمالية، بل وسيلتان لرواية الحقيقة وصناعة الذاكرة الوطنية.

 

 

وأشاد بالمثقفين والشعراء الذين عبّروا عن مواقفهم خلال الأيام العصيبة، ودعا الشعراء إلى عدم الإكتفاء بكتابة المراثي، بل إلى توثيق تفاصيل المرحلة للأجيال المقبلة، لأن الكلمة هي التي تحفظ الوقائع من النسيان والتشويه.

 

 

من القصيدة إلى الكتاب

 

 

هذا الوعي بأهمية التوثيق تجسد بصورة عملية في حفل إزاحة الستار عن كتاب «من أجل الأب»، الذي جمع مراثي شعراء جبهة المقاومة في رثاء قائد الأمّة الشهيد، في خطوة تعكس انتقال التجربة الشعرية من فضاء الإلقاء العابر إلى فضاء التدوين الذي يمنحها البقاء.

 

 

ويكتسب هذا الإصدار أهمية خاصة لأنه لا يضم قصائد شعراء إيران فحسب، بل يشارك فيه شعراء من إحدى عشرة دولة، بما يعكس الامتداد الثقافي العابر للحدود الذي بات يمثله أدب المقاومة، ويؤكد أن الرثاء لم يعد تعبيراً محلياً، بل أصبح خطاباً ثقافياً تتقاسمه شعوب متعددة.

 

 

نهضة ثقافية تتجاوز حدود المناسبة

 

 

 

 

وخلال حفل إزاحة الستار، قدّم الباحث محمد رضا سنكري قراءة لافتة للمشهد الثقافي الراهن، معتبراً أن البلاد تعيش ما يمكن وصفه بـ «بعثة ثقافية»، تجلت في الحضور الواسع للشعراء والأدباء والفنانين في الساحات الثقافية، وفي ظهور أشكال أدبية جديدة فرضتها التحولات الراهنة.

 

 

وأشار إلى أن آلاف القصائد كُتبت خلال فترة وجيزة حول قائد الأمّة الشهيد، داعياً إلى جمعها ودراستها باعتبارها وثائق أدبية تؤرخ للحظة تاريخية، لا مجرد نصوص عاطفية.

 

 

كما حذر من تكرار أخطاء الماضي حين تُركت مراحل مهمة من التاريخ ليرويها الآخرون، مؤكداً أن مسؤولية المثقف اليوم تتمثل في كتابة الرواية الوطنية قبل أن يكتبها غيره.

 

 

الإمام الشهيد والأدب الحضاري

 

 

ولعل أكثر ما ميز حفل إطلاق الكتاب أنه لم يتناول قائد الأمّة الشهيد من زاوية السياسة وحدها، بل سلط الضوء على شخصيته الأدبية والثقافية.

 

 

فقد رأى حجة الإسلام محمد جواد حاج علي أكبري رئيس مجلس سياسات أئمة الجمعة، أن قائد الأمّة الشهيد أسس ما وصفه بـ «الحوكمة الأدبية»، من خلال رعايته للحركة الشعرية، وإيمانه بالدور الحضاري للغة الفارسية، وحرصه على تربية أجيال من الشعراء القادرين على حمل الرسالة الثقافية للأمة.

 

 

وأكد أن نظرته إلى اللغة والشعر كانت رؤية حضارية تتجاوز حدود الإبداع، إذ كان يعتبر اللغة الفارسية وسيطاً حضارياً لنقل قيم الوحي، وهو ما انعكس في اهتمامه بالأدب ورعايته المستمرة للمبدعين.

 

 

كما شدد حجة الإسلام روح الله مختاري، إمام جمعة مدينة ساوجبلاغ، على أن النهضة التي يشهدها الشعر الديني والفن الثوري اليوم مدينة بدرجة كبيرة للرؤية التي تبناها القائد الشهيد، وأن جمع هذه المراثي في كتاب جاء استجابة طبيعية للحراك الشعري الكبير الذي رافق أيام الحداد.

 

 

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتنازع الروايات، تبدو مسؤولية الأدب أكبر من مجرد التعبير عن المشاعر؛ إذ يتحول إلى وثيقة، وإلى سجل حيّ يحفظ الوجدان الجمعي، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم اللحظة كما عاشها أهلها.

المصدر: الوفاق