فور فوزه في الانتخابات، وقبل أن يستقر في البيت الأبيض، قال: «سأنهي حرب روسيا وأوكرانيا قبل أن أجلس خلف مكتب الرئاسة في البيت الأبيض في 20 يناير/ كانون الثاني 2025»؛ لكنه لم يستطع.
الأسبوع الماضي، وبعد 18 شهراً من ولايته الرئاسية، قال في قمة السبع في باريس: «لقد خاب أملي ببوتين».
أراد تغيير اسم الخليج الفارسي؛ لكنه وقّع في قصر فرساي، إلى جانب ماكرون، نصّ مذكرة تفاهم ذُكر فيها الاسم التاريخي: الخليج الفارسي.
أراد أن يطلق على خليج المكسيك اسم خليج أمريكا، فلم يستطع. قال: «كندا هي الولاية الحادية والخمسون لأمريكا!» فلم يستطع. ومع كل واحد من هذه العناوين، يصنع ترامب المسرحيات والمغامرات بسلسلة لا تنتهي، ليل نهار، من تغريداته؛ وبالطبع لا يفوتنا أن نقول إن ترامب يجني سنوياً ملايين الدولارات من صفحته الخاصة. هو لا يتقاضى راتب الرئاسة؛ لكنه حوّل البيت الأبيض إلى ملتقى لسماسرة العقارات.
وقد قال بايدن أخيراً: «من المخزي أن تصبح وظيفة الرئاسة وسيلة لكسب المال بالنسبة إلى ترامب وعائلته». كما ارتفع صوت «توماس فريدمان» أيضاً. ففي نقده لويتكوف وكوشنر كتب: «هؤلاء سماسرة عقارات، يبحثون عن مصالحهم.
لا يعرفون الدبلوماسية، ولا يملكون معرفة سياسية»؛ لكن الهجوم على إيران يحتل موقعاً مختلفاً بين جميع عناوين سجل ترامب. ففي خضم الهجمات العسكرية الأمريكية والصهيونية، واستشهاد قائد الثورة الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي(رض) والقادة الكبار في الجيش وحرس الثورة، كتب ترامب في صفحته الخاصة في 7 أبريل/نيسان 2026:
A whole Civilisation will die tonight, never to be brought back again. I don’t want that too happen, but it probably will.
«حضارة كاملة ستموت الليلة. ولن تعود أبداً. لا أريد أن يحدث ذلك؛ لكنه سيحدث على الأرجح».
إنّ هذا الهذيان الترامبي يحمل علامة واضحة على اضطرابه النفسي، وقد كُتب في اليوم الثامن والعشرين من حرب الأربعين يوماً. كانوا يظنون أنهم بلغوا نهاية إيران. والحال أنه لو سأله صحفي: ما هي الحضارة؟ وكيف يمكن تدمير حضارة؟ لما كان لديه ما يقوله.
روح الحضارة هي الثقافة، وروح الثقافة هي اللغة والأدب والفن. فكيف يستطيع ترامب أن يدمّر اللغة الفارسية، والشاهنامه لفردوسي، والخيام، ومولوي، وحافظ، وسعدي؟ وكيف يستطيع أن يدمّر بلد إيران وشعب إيران؟! لا ندري عندما يتحدث ترامب عن تدمير حضارة إيران وبلد إيران، ما المفهوم أو المصداق الذي يحمله في ذهنه؛ لكن التجربة تُظهر أن الهجوم النووي الأمريكي على هيروشيما وناغازاكي، واستسلام اليابان بلا قيد أو شرط، وفرض الدستور الذي فرضه الحاكم الأمريكي لليابان على اليابان وشعبها، لم يستطع تدمير الحضارة والثقافة وحرية الاختيار والأصالة اليابانية. واللوحة الحية لهذا الصمود هي «متحف السلام» في هيروشيما.
في يوليو/ تموز – أغسطس/ آب 2001، كنت مدعواً إلى اليابان من قبل جامعة كيوتو. أقامت الجامعة ندوة ليوم واحد، في ثلاث جلسات مدة كل منها خمس ساعات، بعنوان «الهُويّة اليابانية». وكان خمسة أجيال من الفلاسفة اليابانيين حاضرين في الندوة!
طلبت من المضيفين أن يرتبوا لي رحلة إلى هيروشيما، ففعلوا. ومن حسن الحظ أنني وصلت إلى هيروشيما في يوم إحياء ذكرى قصفها. كنت حاضراً في ساحة النصب التذكاري للسلام والحديقة المجاورة لها، في 6 أغسطس/ آب 2001.
أمام متحف السلام، كان حفل تكريم الشهداء والناجين والمتضررين من القصف الذري قائماً. وكان ضحايا الهجوم الذري وعائلاتهم موجودين أيضاً. بدأ الحفل في الساعة الثامنة والربع صباحاً. وهي ساعة انفجار القنبلة الذرية «الولد الصغير» في هيروشيما بأمر «هاري ترومان» في 6 أغسطس/ آب 1945، وبعدها بثلاثة أيام انفجرت قنبلة «الرجل السمين» في الساعة الحادية عشرة ودقيقة واحدة صباح 9 أغسطس/ آب في ناغازاكي.
في متحف السلام، تقف الدراجة الثلاثية شبه المنصهرة لـ«شين إيتشي تنسوتاني»، الذي كان عمره ثلاث سنوات وأحد عشر شهراً، أمام عينيك.
كان تنسوتاني على بُعد كيلومتر ونصف من مركز الانفجار، راكباً دراجته الثلاثية ويلعب. وقد قُتل بعد لحظات من الانفجار. لم يستطع والده أن يفصل جسد طفله المحترق عن الدراجة الثلاثية. فدفنه مع دراجته في حديقة البيت.
وبعد أربعين عاماً أُخرجت الدراجة من تحت التراب ونُقلت إلى المتحف. كان الأطفال واليافعون اليابانيون يشاهدون الدراجة الثلاثية وعيونهم مبللة بالدموع.
وشرحوا لي أن جميع التلاميذ اليابانيين يزورون هيروشيما ومتحف السلام رسمياً ثلاث مرات خلال سنوات دراستهم. لقد سجّل اليابانيون العدوان النووي الأمريكي تسجيلاً أبدياً من خلال إبراز كلمة «السلام». وهل تعلمون ما النتيجة؟
لمعلومات ترامب! لم يعد اليابانيون يستهلكون الأرز الأمريكي، رغم أن سعره أقل من نصف سعر الأرز الياباني. في المتاجر لا يوجد أرز أمريكي. لا أحد يشتريه. يتم شراء 770 ألف طن من الأرز الأمريكي سنوياً، بموجب قانون التجارة العالمي ومن أجل عجز الميزان التجاري في العلاقات الأمريكية – اليابانية؛ لكنه يُستخدم علفاً للمواشي! أي إن الثقافة والحضارة اليابانية لا تزالان حيتين، رغم استسلام اليابان بلا قيد أو شرط أمام الهجمات النووية الأمريكية.
وقد كتب إيشيهارا -الذي أصبح لاحقاً عمدة طوكيو- عن هذه الحياة وأسبابها في عام 1989م، في كتاب «اليابان؛ البلد الوحيد القادر على أن يقول لا!».
الكتاب في الحقيقة يحكي فوران جذور الثقافة والحضارة اليابانية وبراعمها؛ تلك التي كان الأمريكيون يظنون أنها دُمّرت.
بعد ادّعائه تدمير حضارة إيران، وبعد تهديده باغتيال فريق التفاوض الإيراني في جنيف، نشر ترامب تغريدة قال فيها: «الإيرانيون طيبون جداً، وقد تقرر أن تُمنح أموالهم المجمّدة للمزارعين الأمريكيين كي يرسلوا الصويا إلى الإيرانيين!» وقد نفى المندوب الدائم لإيران في الأمم المتحدة في نيويورك ادّعاء ترامب الكاذب من أساسه؛ وبالطبع، في إيران، وعملاً بالمثل القائل: «ما دام قليل العقل موجوداً في العالم، فلن يبقى ترامب حائراً!»، قال أحدهم أيضاً: لقد أصبحنا مستعمرة أمريكية! إن تعزيز التماسك الوطني وترسيخه يعني تجنّب اللعب في ملعب ترامب.
الحضارة والثقافة الإيرانية والإسلامية حيتان. والدليل؟! تعالوا إلى شوارع إيران وساحاتها. شاهدوا تشييع قائد الثورة الشهيد الإمام الخامنئي(رض) بعيون مفتوحة!