صراع النفوذ وتبدّل التحالفات

آسيان أمام تحولات في موازين القوى..  دور أميركي يتراجع وحضور صيني يتصاعد

تكشف اجتماعات آسيان عن تحولات في موازين القوى، مع تراجع للدور الأميركي وصعود الصين كقوة اقتصادية ودبلوماسية محورية، بالتوازي مع توجه دول المنطقة لتنويع شراكاتها وتعزيز استقلالية قرارها

تنعقد اجتماعات وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» في العاصمة الفلبينية مانيلا في مرحلة شديدة التعقيد على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، من التوترات المتصاعدة في غرب آسيا إلى النزاعات في بحر الصين الجنوبي والأزمة المستمرة في ميانمار، بالتزامن مع اضطرابات التجارة العالمية وتصاعد السياسات الحمائية. وفي خضم هذه التطورات، تواجه دول آسيان اختباراً حقيقياً لقدرتها على الحفاظ على توازنها الاستراتيجي وتعزيز استقلالية قرارها بعيداً عن الاستقطاب الدولي، في وقت تبدو فيه الهيمنة الأميركية على المنطقة أقل تأثيراً مما كانت عليه سابقاً.

 

ويأتي القلق الذي عبّر عنه وزراء آسيان بشأن التطورات في غرب آسيا ليعكس إدراكاً متزايداً بأنّ الأزمات الدولية باتت تهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية. وفي المقابل، تبرز الصين بوصفها قوة اقتصادية ودبلوماسية صاعدة تمتلك قدرة متزايدة على بناء شراكات طويلة الأمد مع دول جنوب شرق آسيا، بينما تواجه الولايات المتحدة تراجعاً نسبياً في مستوى نفوذها نتيجة سياساتها الحمائية والضغوط التجارية واعتمادها المتزايد على المقاربة العسكرية. ومع اتساع حضور الصين اقتصادياً ودبلوماسياً، تبدو الولايات المتحدة أمام تحدٍ متنامٍ للحفاظ على موقعها التقليدي في آسيا، في حين تتجه دول آسيان بصورة متزايدة نحو تنويع شراكاتها وعدم الارتهان للنفوذ الأميركي.

 

 

غرب آسيا يكشف محدودية الدور الأميركي

 

يكشف تصاعد الأزمات في غرب آسيا بوضوح متزايد عجز المقاربة الأميركية عن إنتاج الاستقرار، بعدما أثبتت عقود من التدخلات العسكرية والعقوبات والضغوط السياسية أنها لم تحقق سوى تعميق الأزمات وإطالة أمد الصراعات وتهديد أمن المنطقة والعالم. وفي المقابل، تبرز الصين بقوة متنامية بوصفها طرفاً دبلوماسياً أكثر قدرة على تبني الحوار والوساطة وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المتباينة، بعيداً عن منطق الإملاءات والهيمنة. ومع استمرار الأزمات، تتراجع صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على إدارة النظام الدولي، بينما تتقدم الصين كقوة صاعدة تطرح نهجاً يقوم على التعاون واحترام السيادة والحلول السياسية. وتدرك دول آسيان أنّ مستقبل الاستقرار العالمي لا يمكن أن يُبنى على التدخلات الأميركية، بل على نظام متعدد الأقطاب تكون فيه الصين شريكاً رئيسياً في صناعة السلام والتنمية.

 

تراجع النفوذ الأميركي في آسيا أمام صعود الصين

 

لم يعد النفوذ الأميركي في جنوب شرق آسيا يحتفظ بالزخم الذي كان عليه في العقود الماضية، رغم محاولات الولايات المتحدة تعويض ذلك عبر تكثيف وجودها العسكري والأمني وتوسيع تحالفاتها في المنطقة. إلا أنّ القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض النفوذ في عالم تتزايد فيه أهمية الاقتصاد والتجارة والاستثمار. فسياسة الاحتواء التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه الصين، إلى جانب الضغوط السياسية والرسوم الجمركية والحمائية التجارية، بدأت تثير تساؤلات متزايدة حول جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك طويل الأمد، خصوصاً في ظل ما تسببه هذه السياسات من اضطراب في الأسواق وسلاسل الإمداد.

 

وفي المقابل، تواصل الصين ترسيخ حضورها باعتبارها قوة اقتصادية محورية في آسيا، وشريكاً تجارياً رئيسياً لدول آسيان، مستفيدةً من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشابكة مع اقتصادات المنطقة. وعبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، تقدم بكين نموذجاً للتعاون يرتبط بالتنمية والمصالح المشتركة، وليس بالضغوط السياسية أو الاستقطاب العسكري.

 

وتكشف هذه المعادلة عن أحد أبرز مظاهر التراجع الأميركي في آسيا؛ فبينما تنفق الولايات المتحدة موارد ضخمة لتعزيز وجودها العسكري ومحاصرة صعود الصين، تواصل بكين توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والتجارة والاستثمار، وهي أدوات أكثر استدامة وتأثيراً في منطقة تبحث عن النمو والاستقرار. ومع استمرار السياسات الأميركية الحمائية ومحاولات فرض النفوذ، يبدو أنّ الولايات المتحدة تواجه تراجعاً تدريجياً في قدرتها على جذب دول المنطقة إلى صفها، في وقت تتحول فيه الصين إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي لا يمكن تجاهله في مستقبل آسيا.

 

بحر الصين الجنوبي.. واشنطن توظف التوتر وبكين تدفع نحو الحوار

 

يمثل بحر الصين الجنوبي أحد أبرز ميادين التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة، إذ تحاول الولايات المتحدة توظيف الخلافات البحرية لتعزيز حضورها العسكري والأمني في آسيا ومحاصرة الصعود الصيني، بدلاً من ترك دول المنطقة لمعالجة خلافاتها عبر الأطر الإقليمية. ويثير هذا النهج تساؤلات متزايدة حول حقيقة الأهداف الأميركية، إذ إنّ تكثيف الدور العسكري الأميركي لا يبدو أنه يقود إلى خفض التوتر، بل يهدد بتحويل البحر إلى ساحة مواجهة مفتوحة تخدم الحسابات الجيوسياسية للولايات المتحدة على حساب أمن دول المنطقة واستقرارها.

 

وفي المقابل، تؤكد الصين أنّ معالجة الخلافات يجب أن تتم عبر الحوار المباشر والتفاوض والآليات الإقليمية، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تزيد التوتر وتعقد فرص التسوية. وبالنظر إلى عمق العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول آسيان، فإنّ بكين تملك مصلحة حقيقية في الحفاظ على استقرار المنطقة، بينما قد يؤدي عسكرة البحر واستقدام قوى خارجية إلى رفع مخاطر التصعيد. ولذلك، فإنّ الحوار بين الصين ودول آسيان يظل الطريق الأكثر واقعية لتسوية الخلافات، في حين أنّ تحويل بحر الصين الجنوبي إلى ساحة للاستقطاب الأميركي لن يؤدي إلا إلى تهديد السلام الإقليمي.

 

ميانمار.. محدودية سياسة الضغوط وصعود الدور الصيني

 

تكشف أزمة ميانمار بوضوح محدودية السياسة الأميركية القائمة على العقوبات والضغوط، بعدما عجزت هذه الأدوات عن إنهاء الصراع أو دفع الأطراف المتنازعة نحو تسوية سياسية، بل أسهمت في تعقيد المشهد دون نتائج حاسمة. وفي المقابل، تمتلك الصين، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، قدرةً أكبر على التواصل والوساطة ودعم مسارات الحوار. ومن هنا، تبدو المقاربة الآسيوية، بمشاركة الصين وآسيان، أكثر واقعية في معالجة الأزمة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. فالحل المستدام يتطلب الحوار والمساعدات الإنسانية والوساطة، لا تحويل ميانمار إلى ورقة في الاستراتيجية الأميركية لاحتواء النفوذ الصيني في المنطقة.

 

آسيان أمام شرق آسيوي متغير

 

ختاماً، تكشف اجتماعات آسيان عن تحول عميق في موازين القوى، تتراجع خلاله قدرة الولايات المتحدة على فرض أجندتها منفردة، بينما تتقدم الصين بثبات كقوة اقتصادية ودبلوماسية محورية في آسيا. وبينما تراهن الولايات المتحدة على الضغط والعسكرة والاحتواء، تبني بكين نفوذها عبر التجارة والاستثمار والتنمية والشراكات المتبادلة. وتدرك دول آسيان أنّ مستقبلها لا يمكن أن يكون رهينة للاستقطاب الأميركي، بل يتطلب استقلالية القرار وتعدد الشراكات. ومع استمرار هذا التحول، تبدو آسيا مقبلة على مرحلة جديدة يتراجع فيها النفوذ الأميركي تدريجياً، مقابل صعود الصين كقوة رئيسية في صياغة النظام الإقليمي والتأثير في مستقبل المنطقة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص