على مدى عشرة أعوام، نجح المؤتمر الدولي للمسرح الشعبي في مسيرة الأربعين الذي يُقام تحت عنوان «روايت راهيان» أي «رواية السائرين» في ترسيخ حضوره بوصفه أحد أبرز المشاريع الثقافية والفنية المصاحبة لأحد أكبر التجمعات الدينية في العالم الإسلامي.
فمنذ انطلاقه، سعى المؤتمر إلى تحويل طريق المشاية بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة إلى فضاءٍ مفتوح للفن، حيث يلتقي المسرح بملايين الزائرين، ليقدّم عروضاً تستلهم واقعة عاشوراء وقيمها الإنسانية، وتربطها بقضايا العالم الإسلامي المعاصر.
وخلال دوراته السابقة، توسّعت التجربة من عروض مسرح الشارع إلى التعزية، ومسرح الدمى، وفن الحكواتي، بمشاركة فرق إيرانية وعراقية، لتغدو «رواية السائرين» تجربةً ثقافيةً تتجاوز الترفيه، وتؤكد أن الفن يمكن أن يكون جزءاً من الذاكرة الجماعية ورسالةً ثقافيةً مرافقةً للمسيرة الحسينية.
13 عرضاً بين عاشوراء والمقاومة
وفي مؤتمر صحفي عقده مركز الفن بطهران (حوزه هنري)، أعلن أمين المؤتمر، كوروش زارعي، تفاصيل الدورة العاشرة التي تقام خلال الفترة من 26 تموز/يوليو إلى 2 آب/أغسطس، بمشاركة 13 عملاً مسرحياً اختيرت من بين عشرات الأعمال المقدمة من مختلف المدن الإيرانية.
وأوضح زارعي أن العروض سيتم توزيعها على عشرة مواقع في طريق المشاية بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، من بينها الأعمدة 160 و743 و840 و974 و1120، إضافة إلى العمودين 320 و750 في مدينة كربلاء المقدسة، إضافة إلى موكب ثقافي متنقل، لتتنوع بين المسرح الشارعي، والتعزية، ومسرح الدمى، والعروض باللغتين الفارسية والعربية، بما يتيح الوصول إلى أكبر شريحة من الزائرين. وحفل ختام المؤتمر سيقام في 1 أيلول/سبتمبر، حيث سيتم تكريم الفرق المشاركة بهدايا رمزية.
كما أشار أمين المؤتمر إلى تقديم أعمال مسرحية تتناول الهجوم الذي شنّه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على بلادنا. وأضاف زارعي: للمرة الأولى منذ تسع سنوات، تشارك قسم الشؤون الفنية في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي والمنظمة الثقافية والفنية لبلدية طهران في تنظيم الحدث، إلى جانب مركز الفنون المسرحية التابع لمركز الفن بطهران، في خطوة تعكس اتساع دائرة الدعم المؤسسي للمهرجان.
نذر ثقافي وروح تطوعية
وأكد زارعي على أن جميع الفنانين يشاركون بصورة تطوعية، دون مقابل مادي، انطلاقاً من فكرة «النذر الثقافي» التي رافقت المؤتمر منذ تأسيسه. وتتكفل المواكب العراقية باستضافة الفرق الفنية وتقديم خدمات الإقامة والضيافة، بينما يتركز الإنفاق على نقل الفنانين والمعدات.
وفي موازاة العروض المقامة في العراق، ستشهد طهران برامج خاصة ضمن مسيرة الأربعين، تشمل عروض التعزية والحكواتي والمسرح الشارعي، بما يوسع دائرة الجمهور ويمنح الحدث بعداً ثقافياً يتجاوز الحدود الجغرافية.
التعاون الفني مع العراق
وفي معرض حديثه عن التعاون الفني مع العراق، أوضح زارعي أن إنتاج أعمال مسرحية مشتركة يتطلب التوصل إلى لغة فنية مشتركة، مبيناً أن التعاون في مجالات الفنون التشكيلية والشعر حقق نتائج جيدة، وقال: المؤتمر نجح خلال العقد الماضي في ترسيخ مسرح مسيرة الأربعين بوصفه تياراً ثقافياً، والفرق العراقية باتت تقدّم عروضاً مسرحية على الطريق.
الفن بوصفه خطاباً ثقافياً
لا ينظر منظمو «رواية السائرين» إلى المسرح باعتباره وسيلة ترفيه، بل بوصفه أداة للتواصل الثقافي. ولهذا تم اختيار شعار الدورة الحالية: «مثلي لا يبايع مثله»، ليكون محوراً يجمع بين رسالة عاشوراء وأسئلة الواقع.
من جانبه، قال الأمين التنفيذي للمؤتمر مصطفى موتورجي: إن الدورة الحالية تشهد تطوراً ملحوظاً من حيث الكم والنوع، ومن أبرز عروضها مسرحية «شاهرودي» التي تقدم في ثلاثة أجزاء، وتتناول الفريق الشهيد قاسم سليماني، وعملية بيت المقدس، وتوجيهات قائد الأمّة الشهيد، في إطار محور المقاومة والعالم الإسلامي.كما يجسّد عرض «الدم والسيف»، من خلال تسليط الضوء على جرائم الكيان الصهيوني، امتداد هذه الجرائم من واقعة عاشوراء إلى الجرائم التي تُرتكب اليوم في غزة.
وأوضح موتورجي أن فرق التعزية بالفارسية والعربية ستقدّم خمس مجالس تعزية، تتناول سيرة الإمام الحسين(ع)، وسيدنا علي الأكبر(ع)، وسيدنا القاسم بن الحسن(ع)، والحر بن يزيد الرياحي، وغيرها من وقائع عاشوراء.
وتتضمن العروض موضوعات تمتد من واقعة كربلاء إلى قضايا فلسطين وغزة ومحور المقاومة، في محاولة لربط الذاكرة التاريخية بالتحولات الراهنة في العالم الإسلامي.
بعد عشرة أعوام من انطلاقه، لم يعد مؤتمر «رواية السائرين» مجرد مهرجان موسمي، بل أصبح تجربة ثقافية تراهن على قدرة المسرح في مرافقة الناس خارج القاعات المغلقة، وتحويل الطريق إلى منصة للإبداع والحوار.