وأثارت تصريحات ونس، التي تحدّث فيها عن محاولات الكيان الصهيوني إفشال المسار الدبلوماسي مع إيران، ودفاعه عن تفاهم إسلام آباد لإنهاء الحرب، موجة جديدة من التكهنات بشأن وجود انقسام حقيقي داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ماذا قال ونس؟
استضاف جو روغان، الأسبوع الماضي، نائب الرئيس الأمريكي جي دي ونس في إحدى حلقات برنامجه. وسرعان ما تصدّرت تصريحاته حول محاولات الكيان الصهيوني التأثير في السياسة الأمريكية تجاه إيران، وكذلك حديثه عن ارتباط المجرم جيفري إبستين بأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، عناوين وسائل الإعلام الأمريكية.
وأكد ونس، خلال المقابلة، أن نهاية الحرب الأمريكية ضد إيران ستكون على طاولة الدبلوماسية، مجدداً تأكيده أن الولايات المتحدة لن تنخرط مرة أخرى في حرب طويلة ومفتوحة في منطقة غرب آسيا. وقال إنّه يدافع بالكامل عن اتفاق السلام الذي أُبرم الشهر الماضي لإنهاء الحرب مع إيران، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي يؤمن، بعيداً عن أي تأثير خارجي، بضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وأنه يشاركه هذا الموقف بالكامل، معتبراً أن الهجمات التي يتعرض لها بسبب دعمه للدبلوماسية والسعي إلى إنجاح المفاوضات غير منصفة. وأضاف: أن «بعض المسؤولين داخل حكومة الكيان الصهيوني يسعون بوضوح إلى تغيير الرأي العام الأمريكي ودفع واشنطن بعيداً عن خيار السلام مع إيران، لأنهم يريدون استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى».
وكشف أيضاً عن وجود حملة نفوذ أجنبية منظمة وذات تمويل ضخم تهدف إلى إفشال الاتفاق، مشيراً إلى تقارير تحدثت عن استعانة الكيان الصهيوني بمدير سابق لحملة ترامب الانتخابية لإطلاق حملة رقمية لهذا الغرض.
وأوضح ونس: أن «محاولات الحلفاء أو الخصوم للتأثير في السياسات الأمريكية أمر معتاد؛ لكن ما يثير قلقه هو أن تؤدي حملات النفوذ هذه إلى التأثير في الحكم السياسي الأمريكي وتغيير مسار القرارات الاستراتيجية للولايات المتحدة».
انقسام داخل الإدارة وحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»
أدّت الحرب ضد إيران عملياً إلى تراجع ثقة شريحة من الناخبين الأمريكيين في ترامب. فالذين صدّقوا شعاراته بشأن تجنب «الحروب الغبية والأبدية» وجدوا أنفسهم يعارضون هذه الحرب بسرعة.
وكان ترامب قد وصل إلى البيت الأبيض مرّتين مستنداً إلى وعوده بإنهاء الحروب الخارجية وتجنب تكرار تجربتي العراق وأفغانستان، غير أنه، قبل مرور عام على ولايته الثانية، انخرط في نزاعات جديدة؛ إذ شارك إلى جانب الكيان الصهيوني في العدوان العسكري على إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر، وقصف المنشآت النووية السلمية الإيرانية، ثم أصدر لاحقاً أوامر بتنفيذ عملية تستهدف اعتقال رئيس فنزويلا وتغيير نظام الحكم هناك، قبل أن يزج الولايات المتحدة، في 28 فبراير/ شباط 2027، في عدوان عسكري مشترك مع الكيان الصهيوني ضد إيران.
وقد دفعت هذه التطورات عدداً من أبرز أنصار ترامب إلى إعلان رفضهم للحرب، ومن بينهم مارجوري تايلور غرين، وتاكر كارلسون، وكانديس أوينز، وميغان كيلي، الذين أعلن بعضهم صراحة ندمه على التصويت لترامب.
ويمثل جي دي ونس، الذي كُلّف بقيادة المفاوضات مع إيران لإنهاء الحرب، الصوت الأبرز داخل الإدارة المعبر عن هذا التيار الرافض للحروب.
«الواقعية الانعزالية» في مواجهة صقور الحزب الجمهوري
يمثل ونس ووزير الخارجية ماركو روبيو تيارين متناقضين داخل إدارة ترامب. فبينما يدافع ونس عن شعار «أمريكا أولاً» ويرفض الانخراط في حروب خارجية، يجسد روبيو، بحسب منتقديه، نهج «إسرائيل أولاً»، إذ يؤيد باستمرار الخيار العسكري ضد إيران، ويدعو إلى مواقف أكثر تشدداً تجاه روسيا في ملف أوكرانيا.
وتشير صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن ونس ينظر إلى العلاقة مع الكيان الصهيوني بطريقة تختلف عن الأجيال التقليدية في واشنطن، إذ يحاول تحقيق توازن بين مواجهة تصاعد معاداة السامية وبين إعادة النظر في الالتزام التاريخي غير المشروط للحزب الجمهوري تجاه الكيان الصهيوني.
كما تذكّر الصحيفة بأن ونس، الذي خدم في العراق، بنى مسيرته السياسية على رفض «الحروب الأبدية»، وعارض في عام 2023 إرسال مساعدات إضافية إلى أوكرانيا، كما دعا إلى منح الدبلوماسية فرصة خلال التصعيد مع إيران، مع تأكيده أنه سيدعم ترامب إذا قرر استخدام القوة.
أمّا صحيفة «جيروزاليم بوست»، فتصف روبيو بأنه من أكثر السياسيين الأمريكيين دعماً للكيان الصهيوني، وبأنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع الأوساط اليهودية المؤيدة لإسرائيل، ويعارض بشدة إيران، كما يدعو إلى إلغاء القيود التي فرضتها إدارة بايدن على المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، وإلى مواجهة المحكمة الجنائية الدولية بسبب مذكرات التوقيف الصادرة بحق عدد من قادة الكيان، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو.
ويرى مراقبون أن ونس وروبيو لا يمثلان مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يقود كل منهما تياراً يعمل بصورة نشطة لمواجهة الآخر داخل الإدارة. فعندما يتوصل ونس إلى تفاهم مع إيران، يسعى روبيو، بحسب التقرير، إلى إفراغ هذا التفاهم من مضمونه، سواء عبر تحركاته في لبنان أو من خلال حشد دول جنوب الخليج الفارسي لمعارضة البنود المتعلقة بإدارة إيران لمضيق هرمز.
وتشير صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إلى وجود معسكرين داخل إدارة ترامب: الأول يضم ونس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، والثاني يقوده روبيو ويضم وزير الدفاع بيت هيغسيث ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.
انقسام بين أنصار ترامب
أحدثت الحرب على إيران انقساماً واسعاً حتى بين قاعدة ترامب الشعبية. وقال تاكر كارلسون، الذي تحول من أبرز مؤيدي ترامب إلى أحد منتقديه: «لو كان ونس رئيساً، لما دخلنا الحرب مع إيران. من المستحيل بالنسبة لي أن أتخيله يقول إننا بحاجة إلى حربين للقضاء على برنامج نووي متخيَّل».
في المقابل، هاجم بن شابيرو تصريحات ونس بعد مقابلة جو روغان، معتبراً أنها تشبه أفكار الديمقراطيين أكثر مما تعبر عن رؤية المحافظين.
كما رأى جوش بول، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن مواقف ونس الأخيرة تجاه الكيان الصهيوني تحمل رسائل مباشرة إلى جناح روبيو داخل الإدارة، مؤكداً أن من الصعب عدم اعتبارها رداً على سياسات وزير الخارجية.
وكان ونس قد أكد، في مقابلات سابقة، أن اتهام منتقدي الكيان الصهيوني بـ«معاداة السامية» أصبح أداة لإسكات الأصوات المعارضة، مضيفاً: «يرتكب مؤيدو إسرائيل في الولايات المتحدة خطأين أساسيين؛ الأول أنهم لا يميزون بين مصالح أمريكا ومصالح إسرائيل، والثاني أنهم يخلطون دائماً بين انتقاد حكومة معينة ومعاداة السامية. فإذا أصبح كل شيء معاداة للسامية، فلن يعود أي شيء كذلك».
ويرى جوش بول أن ونس يدرك التحول المتزايد في الرأي العام الأمريكي تجاه الكيان الصهيوني، ويحاول الاستفادة سياسياً من هذا التحول.
اللوبي الصهيوني.. ومعركة الرأي العام
من أكثر ما أثار الاهتمام في تصريحات ونس تأكيده أن مسؤولين داخل الكيان الصهيوني يعملون بصورة مباشرة على إفشال الدبلوماسية مع إيران ودفع الولايات المتحدة نحو حرب مفتوحة، وقال: «نعلم دون أدنى شك أن هناك أشخاصاً داخل مؤسساتهم يحاولون التأثير في الرأي العام الأمريكي لإطالة أمد الحرب إلى أجل غير محدد… إسرائيل تخسر اليوم معركة الرأي العام في الولايات المتحدة، وهذه حقيقة واضحة».
وأضاف، في إشارة إلى تقرير نشرته مجلة «تايم» حول حملة دعائية إسرائيلية ممولة للتأثير في الرأي العام الأمريكي: «عندما أفتح مجلة تايم وأرى حملة نفوذ أجنبية ممولة لإفشال الاتفاق الذي كنت أعمل عليه… يكون ردي بسيطاً: إلى الجحيم. سأفعل ما يخدم الشعب الأمريكي. أولويتي الأولى هي الأمريكيون».
واعتبر مراقبون أن الخلاف الجوهري داخل الحزب الجمهوري بات يتمحور حول المفاضلة بين شعار «إسرائيل أولاً» وشعار «أمريكا أولاً»، وأن ونس يراهن على الجيل الجديد من المحافظين الذين يرون أن مصالح الكيان الصهيوني لا تتطابق دائماً مع المصالح الأمريكية.
ترامب.. بين الدبلوماسية والخيار العسكري
يبدو أن ترامب، كما لم يحسم بعد موقفه من دعم ونس أو روبيو لخلافته في انتخابات عام 2028، لم يحسم أيضاً موقفه النهائي بين الدبلوماسية والتصعيد العسكري تجاه إيران. فقد صرح أخيراً، رداً على سؤال بشأن خليفته المحتمل، قائلاً: «أنا أحب الاثنين، وأحب أن أراهما يعملان معاً». بل واقترح أن يخوض ونس وروبيو الانتخابات المقبلة ضمن بطاقة مشتركة، أحدهما رئيساً والآخر نائباً للرئيس؛ لكن عودة الإدارة الأمريكية إلى الحرب، بعد انهيار تفاهم إسلام آباد، وضعت ونس في موقف سياسي صعب، إذ يرى عدد من المحللين أن فشل هذا التفاهم يمثل هزيمة سياسية له وانتصاراً لنهج روبيو.
وفي هذا السياق، كتبت صحيفة «بالتيمور صن» أن نائب الرئيس مطالب اليوم بالإجابة عن مدى فاعلية الاتفاق وآليات التحقق من تنفيذه، مؤكدة أن الدبلوماسية تبقى أفضل من الحرب؛ لكنها من دون أدوات ضغط حقيقية قد تتحول إلى مجرد أمنيات.
أمّا «وول ستريت جورنال»، فأشارت إلى أن ترامب اختار ونس لقيادة المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، وأنه دافع بقوة عن الاتفاق الذي تعرض لانتقادات واسعة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بسبب عدم تناوله البرنامج الصاروخي الإيراني وعدم وضع آلية واضحة لتفكيك المنشآت النووية، فضلاً عن القيود التي فرضها على العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
كما أوضحت «جيروزاليم بوست» أن روبيو خرج من هذا الصراع أكثر قوة في نظر الأوساط المؤيدة للكيان الصهيوني، إذ اعتبر كثيرون صمته إزاء التفاهم دليلاً على اعتراضه على التنازلات التي تضمنها.
وتقول مونا ياكوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS): إن «تحركات روبيو لإعادة صياغة التفاهم فيما يتعلق بلبنان، بعد أيام قليلة من توقيعه، بدت وكأنها تعديل مباشر على الاتفاق، وهو ما عزز شكوك الإيرانيين بشأن النوايا الأمريكية، وقوّى موقف المنتقدين الذين يؤكدون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها».