تتجه مدينة نيشابور، إحدى أعرق المدن التاريخية في إيران، نحو محطة مفصلية في مسيرتها السياحية بعد ترشيحها رسمياً لتمثيل إيران في المنافسة على لقب «عاصمة السياحة لدول منظمة التعاون الاقتصادي (إيكو) لعام 2031»، ويعكس هذا الترشيح المكانة الحضارية التي تتمتع بها المدينة، وما تختزنه من إرث ثقافي وطبيعي يجعلها من أبرز وجهات السياحة الثقافية في المنطقة، في وقت تعمل فيه السلطات المحلية على تنفيذ مشاريع واسعة لتطوير البنية التحتية وصون التراث وإحياء الهوية العمرانية للمدينة.
إرث حضاري يمتد لآلاف السنين
ترتبط نيشابور بتاريخ إيران العلمي والثقافي، فهي موطن الشاعرين الكبيرين عمر الخيام وفريد الدين العطار، كما تقع على طريق الحرير التاريخي، وتضم أكثر من 150 موقعاً أثرياً مسجلاً، إضافة إلى مساحة تاريخية تتجاوز 4500 هكتار. وتكتمل هذه المقومات بمنجم الفيروز الشهير عالمياً، وصناعة الخزف التقليدية، والأسواق التراثية، والقرى السياحية والطبيعة المتنوعة، ما يعزز مكانة المدينة بوصفها إحدى أبرز الوجهات السياحية والثقافية في إيران.
مشروعات لإحياء الهوية التاريخية
وأكد محافظ نيشابور مهدي دونده، أن السياحة يجب أن تتحول إلى أحد محركات التنمية الاقتصادية إلى جانب الصناعة والزراعة، مشيراً إلى أن المدينة تمتلك ثروة تاريخية وطبيعية تؤهلها لاستقطاب مزيد من الزوار والاستثمارات.
وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ عدد من المشاريع لإحياء الطابع التاريخي للمدينة، من بينها إنشاء بوابة جديدة للسوق التاريخي المسقوف، وتطوير محور سياحي يمتد من ميدان الإمام الخميني(رض) حتى مجمعي الخيام والعطار، مع تحسين المشهد الحضري، واعتماد الطراز المعماري التقليدي في أعمال التطوير وإزالة العناصر غير المتجانسة مع الهوية التاريخية.
تعزيز البنية السياحية وإطالة إقامة الزوار
تضم نيشابور حالياً 45 منشأة للإقامة السياحية و24 مكتباً لخدمات السفر والسياحة، إلا أن المسؤولين يؤكدون أن الهدف لم يعد يقتصر على زيادة أعداد الزوار، بل يتمثل في إطالة مدة إقامتهم، إذ لا يقضي معظم السياح في المدينة سوى ساعات قليلة.
ولهذا تعمل السلطات على تطوير المرافق والخدمات وتنشيط الفعاليات الثقافية والمهرجانات، إلى جانب تعزيز العلامة السياحية للمدينة، بما يتيح للزائر استكشاف المواقع التاريخية والطبيعية والريفية والاستفادة من التجربة السياحية المتكاملة التي توفرها نيشابور.
التراث بين الحماية والتطوير
وقد أُعلن عن خطط لترميم عدد من المعالم التاريخية، إلى جانب تحويل أحد المباني التاريخية في السوق القديم إلى متحف، وإنشاء متحف للآثار داخل الجناح الشرقي لمبنى المرصد الفلكي، بهدف الحفاظ على المقتنيات الأثرية وعرضها وفق أحدث المعايير المتحفية.
كما تشهد المدينة جهوداً لإحياء فن الآجر التقليدي، حيث أُدرج استخدامه ضمن المخطط العمراني الجديد، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على الهوية البصرية لنيشابور، التي تتجه لتصبح مركزاً لهذا الفن المعماري في إيران.
الترشح.. فرصة للتنمية المستدامة
ويرى القائمون على ملف ترشح نيشابور أن الفوز بلقب عاصمة السياحة لدول «إيكو» لعام 2031 لن يمثل إنجازاً رمزياً فحسب، بل سيكون بوابة لتعزيز الاستثمار، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل جديدة، وتوسيع التبادل الثقافي مع دول المنظمة.
وبفضل تاريخها العريق، وموقعها على طريق الحرير، وشهرتها العالمية بالفيروز والخزف، وخططها الطموحة لتطوير القطاع السياحي، تبدو نيشابور اليوم أمام فرصة حقيقية لترسيخ مكانتها كإحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية في غرب آسيا، وإعادة تقديم نفسها للعالم بوصفها مدينةً تجمع بين أصالة التاريخ ورؤية المستقبل، وتستثمر إرثها الحضاري في بناء نموذج للتنمية السياحية المستدامة.