كانت رائحة الوصال قد وصلت إلى مشامه

عاش والدي سنوات طويلة حياةً شبيهة بحياة الشهداء، وكان من أولئك الأشخاص الذين لم ينالوا الشهادة في اللحظة الأخيرة من حياتهم فحسب، بل نالوها قبل ذلك بسنوات، مع كل قرار، وكل عبادة، وكل قيام لليل، وكل خطوة كانوا يخطونها في سبيل الله.

ولذلك، لم تكن الشهادة بالنسبة إليه حادثة مفاجئة، بل كانت نهاية طريق قطعه طوال حياته بالإخلاص والجهاد والعبودية.

 

ولعل هذا هو السبب في أن الله تعالى كتب له أجمل نهاية. كان والدي عاشقاً لأمير المؤمنين الإمام علي(ع)؛ حباً لم يكن مجرد كلام على اللسان، بل كان يجري في أسلوب حياته، وفي سعيه إلى العدالة، وبساطته في العيش، وجهاده.

 

وقد شاء التقدير الإلهي أيضاً أن يرحل إلى لقاء ربّه وهو صائم في شهر رمضان المبارك، وأن تتزامن مراسم وداعه ودفنه مع أيام إصابة الإمام علي(ع) بالضربة واستشهاده.

 

وبالنسبة إلينا، لم يكن هذا التشابه مجرد مصادفة تقويمية، بل كان علامة على لطف الله بعبدٍ ظلّ طوال حياته قلبه متعلقاً بمولاه. وكأن الله أراد أن يسجل هذا التشابه بين العاشق والمعشوق في التاريخ إلى الأبد.

 

يعرف كثير من الناس والدي من خلال مسؤولياته العسكرية والإدارية؛ لكن ما لم يُرَ كثيراً كان روحه الجهادية، وإخلاصه، وجهوده على مدار الساعة من أجل عزّة إيران.

 

كان إنساناً بالغ الذكاء، بعيد النظر، لا يعرف التعب. وبعد توليه المسؤولية في وزارة الدفاع، أحدث، من خلال التخطيط الدقيق والإدارة الذكية، تحولاً كبيراً في الصناعات الدفاعية للبلاد.

 

وكان تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وزيادة الإنتاج الدفاعي كمّاً ونوعاً، وتعزيز القوة الفضائية، وتصميم آليات الحماية، جزءاً فقط من خدماته.

 

لم يكن والدي يفكر فقط في زيادة عدد المعدات؛ بل كان يفكر في كيفية جعل هذه الصناعة آمنة إلى درجة لا يستطيع معها العدو أن يدمر سنوات من الجهود ويوجه ضربة شديدة إليها بضربة واحدة. وقد أظهرت الأيام لاحقاً قيمة هذه الرؤية المستقبلية.

 

كان جزء مهم من القدرات الدفاعية للبلاد، التي جاءت ثمارها في الأيام الحساسة، نتيجة لتلك الليالي التي لم يكن فيها مصباح غرفة عمله ينطفئ.

 

وبعد استشهاد والدي، نقل أحد المسؤولين رفيعي المستوى أن الكيان الصهيوني، استناداً إلى عمليات الرصد الاستخباراتي، توصل مراراً إلى خلاصة مفادها أن نصيرزاده كان يعزز القدرات الدفاعية لإيران بسرعة ودقة، وأنه ينبغي التخلص منه في أسرع وقت ممكن.

 

وهذا الكلام، قبل أي شيء آخر، يوضح أن العدو أيضاً كان يدرك جيداً قيمة جهود والدي وجديتها وتأثيرها، وكان قد فهم أن رجلاً يعمل بعيداً عن الضجيج، ليل نهار، على بناء قوة يُفترض أن تضمن أمن أمّة بأكملها.

 

لم يكن والدي يعرف الهدوء أو الراحة. لم يكن يميز بين الليل والنهار. كان يعمل بلا توقف لأشهر؛ لا من أجل المنصب، ولا من أجل الاسم، ولا من أجل أن يراه الآخرون، بل بدافع أمنية واحدة فقط؛ أن يتمكن من رسم ابتسامة رضا على شفتي قائد الثورة العزيز، وأن يؤدي المسؤولية التي أُوكلت إليه بأفضل صورة ممكنة.

 

وخلال أقل من ثمانية أشهر من توليه مسؤولية وزارة الدفاع، كان عدد زياراته إلى المراكز الصناعية والصاروخية أكبر من مجموع زيارات جميع وزراء الدفاع الذين سبقوه.

 

كان يؤمن بأن المدير يجب أن يكون في الميدان، لا خلف المكتب. وكان جزء مهم من المعدات التي استُخدمت لاحقاً في المعارك وأظهرت القدرة الردعية للبلاد، ثمرة تلك الجهود الليلية والنهارية المتواصلة والمخلصة منه ومن زملائه.

 

وكانت النجاحات الدفاعية الكبرى للبلاد، ومنها الزيادة الكبيرة في القدرة على مواجهة طائرات العدو، مجرد نموذج واحد من ثمار تلك الجهود.

 

وكان قائد الثورة الشهيد(رض) قد أعرب مراراً عن رضاه عن الأداء الجهادي لوالدي. وكان آخر لقاء له معه قبل نحو أسبوع من استشهاد والدي.

 

وبعد انتهاء الاجتماع، وعندما دخل الشهيد اللواء شيرازي إلى محضر قائد الثورة الشهيد، كان سماحته قد قال: «كان تقرير نصيرزاده باعثاً على ارتياح بالغ، ورأيته اليوم في غاية النشاط والحيوية». وقد سُجلت هذه العبارة لاحقاً أيضاً في رسالة.

 

ويقول أهل العرفان إنه كلما اقترب موعد وصال الشهداء، يظهر على وجوههم نور ونشاط عجيبان.

 

وكان من اللافت بالنسبة إلينا أيضاً أن أحد أسعد أيام والدي كان يوم الجمعة 27 شباط/ فبراير 2026، أي قبل يوم واحد من استشهاده تحديداً؛

 

اليوم الذي لم تفارق فيه الابتسامة وجهه، وكان هناك في وجوده انتعاش وهدوء غريبان؛ وكأن قلبه كان يخبره بقدوم وعد عظيم، وكأن رائحة الوصال كانت قد وصلت إلى مشامه.

 

كان يؤكد دائماً أن يقدموا له الطعام نفسه الذي يأكله الجنود. وإذا شعر في اجتماع ما بأن نفقة غير ضرورية قد أُنفقت من بيت المال، كان يغضب بشدة وينبّه إلى أن حتى أصغر أشكال الإسراف غير مقبولة في مواجهة حق الناس.

 

وخلال الحرب التي استمرت إثني عشر يوماً، تعرّض مكتب عمله مرتين لهجوم صاروخي وأصيب بأضرار.

 

وبعد انتهاء الحرب، اقترح بعضهم إعداد مكتب أكبر وأكثر تجهيزاً يتناسب مع مكانة الوزير؛ لكن جواب والدي كان جملة واحدة فقط: «لا حاجة لذلك؛ فأنا لست ذاهباً للجلوس خلف المكتب».

 

ومنذ ذلك الوقت وحتى يوم استشهاده، واصل عمله في غرفة صغيرة وبسيطة وبأقل الإمكانات، وأدار المسؤوليات الثقيلة لوزارة الدفاع.

 

كان معارضاً بشدة للأرستقراطية والجلوس في أماكن كبار الشخصيات (VIP). وكان يؤكد مراراً ضرورة استخدام السيارات العادية والإمكانات الاعتيادية؛ لأنه كان يؤمن بأن المسؤولين، أكثر مما يبنون الثقافة بالكلام، يصبحون قدوة بسلوكهم.

 

وكان يعتقد أنه إذا فصل المسؤولون حياتهم عن حياة الناس، فسوف تتشكل فجوة لن يكون تعويضها سهلاً. وكانت البساطة في حياة والدي لا تتعلق بمكان العمل فقط؛ بل إن أول مكان كان يؤكد عليه هو بيتنا نحن.

 

وكانت ثقة القادة رفيعي المستوى في البلاد بوالدي مثالاً يُحتذى. فعندما كان الشهيد الفريق باقري قائداً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة (وكان والدي نائبه)، كان يقول مراراً إن نصيرزاده واحد من أفضل رجالنا، وإنني عندما أوكل إليه أي مهمة، أكون مطمئناً إلى أنه سينجزها على أفضل وجه ممكن.

 

وعندما كانوا يبحثون عن شخص جدير لتولي وزارة الدفاع أيضاً، كان الشهيد باقري يؤكد أنه، رغم أن العمل في هيئة الأركان العامة سيصبح أصعب بعد رحيل نصيرزاده، فإنه أفضل خيار يمكنه تولي دفة وزارة الدفاع.

 

وخلال الفترة القصيرة التي تولى فيها والدي الوزارة، انخفض جزء كبير من الخلافات بين الحكومة والقوات المسلحة، كما أن المطالب التي بقيت لسنوات من دون حسم، وصلت إلى نتائج من خلال متابعته المستمرة.

 

كما أن الشهيد الفريق موسوي، عند نقل والدي من الجيش إلى هيئة الأركان العامة، ورغم شدة حزنه على فراقه، أدى ركعتين من الصلاة، ثم قال إنه طلب من الله أن يجعل هذا الانتقال مصدر خير للإسلام والجيش ولنصيرزاده نفسه.

 

وقال أحد رؤساء حماية المعلومات في القوات المسلحة عن والدي: «كلما درسنا جميع جوانب حياة نصيرزاده ومسؤولياته، لم نجد أي نقطة سلبية في حياته».

 

قد تكون هذه الجملة قصيرة؛ لكن وراءها سنوات من الحياة النظيفة والشفافة والخاشية لله. فالنزاهة بالنسبة إليه لم تكن صفة إدارية، بل كانت جزءاً من إيمانه. وكان يؤمن بأن لا مسؤولية تستحق أن يبتعد الإنسان بسببها ولو قليلاً عن رضا الله.

 

إن الإنسان، إذا لم يكن متصلاً بمصدر القوة الإلهية، ينهك تحت وطأة مسؤوليات كهذه؛ أما أولئك الذين يقطعون صلتهم بالدنيا ليلاً، فلا يخافون في النهار من أي عاصفة.

 

وكان والدي يمتلك كل ما لديه من تلك الخلوات المتواضعة الخالية من الادعاء. لا يمكن تعلم الإخلاص؛ بل يجب أن يُعاش؛ وهو قد عاش الإخلاص.

 

واليوم، كلما نظرنا أكثر في حياة والدي، ازداد إيماننا بأن الله تعالى كافأ سنوات إخلاصه وعبادته بالشهادة.

 

وبعد استشهاد والدي، اتصل بنا أشخاص كثيرون من مختلف أنحاء البلاد؛ أشخاص لم نكن نتوقع أن نعرفهم، بل لم نكن قد سمعنا حتى أسماءهم.

 

وكان كل واحد منهم يروي لنا حكايات عن الأدعية والتوسلات التي كان يخص بها والدي.

 

وربما بعد سنوات، سيكتب التاريخ عن الصواريخ التي حمت أمن هذه الأرض في الأيام الصعبة؛ وعن الصناعات الدفاعية التي استردت حيويتها خلال فترة مسؤوليته؛ وعن التدابير التي جعلت تسلل العدو أكثر صعوبة؛ وعن إدارة لم تعرف التعب، وعن قائد كان يفضل الميدان على المكتب؛ لكن إذا أرادوا اختصار حقيقة هذا الرجل في جملة واحدة، فعليهم أن يكتبوا: كان أميناً.

 

أميناً على إيمانه، أميناً على مسؤوليته، أميناً على دماء الشهداء، أميناً على ثقة قائده، أميناً على بيت المال، وأميناً على أمن أناس ربما لم يعرفوا اسمه يوماً؛ لكن هدوء لياليهم كان ثمرة جهاده الصامت وجهود رفاقه.

 

المصدر: الوفاق / إلناز نصيرزاده