تواصل خراسان الرضوية تعزيز حضورها على خريطة السياحة الإيرانية، مستندة إلى المكانة الدينية العالمية لمدينة مشهد المقدسة، وما تزخر به المحافظة من تراث ثقافي وفنون تقليدية وحرف يدوية ومقومات طبيعية واستثمارات سياحية متنامية. وفي خطوة تستهدف تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية وسياحية مستدامة، أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية عن التوجه لإنشاء مدينة متخصصة للحرف اليدوية في مدينة مشهد المقدسة، لتكون نموذجًا تجريبيًا وطنيًا يمكن تعميمه في مختلف المحافظات الإيرانية.
وأكد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، أن خراسان الرضوية تحتل موقعًا متقدمًا في منظومة السياحة والحرف اليدوية في إيران، مشيرًا إلى أن اجتماع الإمكانات السياحية والاستثمارات والموارد البشرية والتنوع الحرفي يجعل المحافظة إحدى الركائز الأساسية لتطوير الاقتصاد السياحي والثقافي في البلاد.
وأوضح سيد رضا صالحي أميري أن الإمكانات السياحية التي تتمتع بها المحافظة تضعها ضمن أبرز المناطق السياحية في إيران، مؤكدًا أن هذه المكانة تستحق مزيدًا من الدعم والاستثمار وتطوير البنية التحتية والخدمات السياحية.
السياحة محرك للاقتصاد وفرص العمل
وأشار صالحي أميري إلى حجم الاستثمارات الكبيرة المنفذة والجاري تنفيذها في قطاع السياحة بالمحافظة، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات تعكس الدور المتنامي للسياحة في دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص العمل.
وقد أسهمت الإمكانات والاستثمارات السياحية القائمة في توفير نحو 50 ألف فرصة عمل، فيما يرتبط نحو 180 ألف وظيفة في مشهد المقدسة وخراسان الرضوية بقطاع السياحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل المكانة التي تتمتع بها مدينة مشهد المقدسة بوصفها واحدة من أبرز وجهات السياحة الدينية في إيران، بفضل احتضانها مرقد الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، إلى جانب ما تزخر به المحافظة من مواقع تاريخية وثقافية وطبيعية.
ومن شأن الجمع بين هذه المقومات أن يتيح تطوير نموذج سياحي يتجاوز الزيارة الدينية إلى تجربة أكثر شمولًا، تشمل التعرف على تاريخ المنطقة وثقافتها وفنونها وحرفها التقليدية وأسواقها ومقوماتها الطبيعية.
مدينة للحرف اليدوية.. مشروع بنموذج وطني

وفي إطار تعزيز الاقتصاد الثقافي، أعلن صالحي أميري عن خطة لإنشاء مدينة متخصصة للحرف اليدوية في مشهد المقدسة، مؤكدًا أن المشروع سيُطرح بوصفه نموذجًا تجريبيًا وطنيًا يمكن الاستفادة منه في المحافظات الأخرى.
ويهدف المشروع إلى جمع الفنانين والحرفيين والعاملين في مختلف مجالات الصناعات اليدوية ضمن منظومة متكاملة، وتوفير البيئة المناسبة للإنتاج والتدريب والتسويق، إلى جانب تقديم الدعم اللازم لتطوير أعمالهم والوصول إلى أسواق جديدة.
وأكد صالحي أميري أن الإمكانات المتوافرة في مشهد المقدسة يمكن أن تشكل أساسًا لتصميم نموذج وطني في مجال الصناعات اليدوية، موضحًا أن هذا المستوى من التنوع والقدرات لا يتوافر بالدرجة نفسها في جميع مناطق إيران.
وتبرز أهمية المشروع في ضوء التنوع الكبير الذي تتمتع به الصناعات اليدوية الإيرانية. وأوضح صالحي أميري أن 299 فرعًا من الصناعات اليدوية ينشط حاليًا في إيران، من أصل نحو 400 فرع معروف عالميًا، بينما تضم خراسان الرضوية وحدها 90 فرعًا نشطًا.
وتعكس هذه الأرقام، المكانة المتميزة التي تحتلها مشهد المقدسة وخراسان الرضوية في منظومة السياحة والصناعات اليدوية، كما تكشف عن رصيد ثقافي وحرفي يمكن توظيفه بصورة أكبر في تطوير المنتجات السياحية والاقتصاد الإبداعي.
ومن شأن إنشاء مدينة متخصصة للحرف اليدوية أن يوفر منصة للحرفيين لعرض منتجاتهم وتسويقها، ويعزز انتقال الصناعات التقليدية من نطاق الإنتاج المحلي إلى الأسواق الوطنية والسياحية، مع إمكانية تطوير قنوات تسويقية أوسع مستقبلًا.
الحرف اليدوية تعزز تجربة الزائر
ومن المنظور السياحي، يمثل المشروع فرصة لربط السياحة الدينية بالسياحة الثقافية والحرف اليدوية. فالزائر القادم إلى مدينة مشهد المقدسة لأداء الزيارة يمكن أن يجد في المدينة المتخصصة فضاءً للتعرف على الفنون التقليدية ومشاهدة مراحل صناعة المنتجات اليدوية واقتناء قطع تعكس الهوية الثقافية لخراسان الرضوية.
ويمكن لهذا النموذج أن يسهم في إطالة مدة إقامة الزائر وزيادة الإنفاق السياحي، فضلًا عن دعم الفنانين والحرفيين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي.
كما يتيح دمج الحرف اليدوية في المنتج السياحي تقديم صورة أكثر ثراءً عن الثقافة المحلية، بحيث تصبح المنتجات التقليدية جزءًا من ذاكرة الرحلة وتجربة الزائر، وليس مجرد سلع تُباع في الأسواق.
وجهة تجمع الروحانية والتراث
وتملك مدينة مشهد المقدسة مقومات استثنائية تسمح لها بتطوير هذا النموذج؛ فهي وجهة دينية رئيسية تستقطب الزوار من داخل إيران وخارجها، وفي الوقت نفسه تمثل بوابة لاكتشاف التراث الثقافي لخراسان الرضوية.
ومن هنا، فإن الجمع بين الزيارة الدينية والحرف اليدوية والفنون والتراث والاستثمار السياحي يمكن أن يمنح المدينة بعدًا جديدًا على خريطة السياحة الثقافية، ويحول جزءًا من حركة الزوار إلى تجارب سياحية أطول وأكثر تنوعًا.
وأكد صالحي أميري أن تطوير السياحة والصناعات اليدوية في خراسان الرضوية ينبغي أن يستند إلى المقومات الفعلية للمحافظة، والاستثمار وفرص العمل، فضلًا عن مزاياها الثقافية والاقتصادية.
وأشار إلى أن إنشاء بنى تحتية متخصصة، وفي مقدمتها مدينة الصناعات اليدوية في مشهد المقدسة، يمكن أن يشكل خطوة مهمة لتعزيز سلسلة الإنتاج والتسويق ودعم الحرفيين وتوسيع الأسواق على المستوى الوطني.
وبذلك، تقف خراسان الرضوية أمام فرصة لتحويل ثروتها الدينية والثقافية والحرفية إلى منظومة سياحية متكاملة، تجمع بين الروحانية والتراث والفن والاقتصاد الإبداعي، فيما يمكن لمدينة الصناعات اليدوية المرتقبة في مشهد المقدسة أن تصبح نموذجًا وطنيًا يربط حماية التراث التقليدي بالتنمية السياحية والاقتصادية المستدامة.