تتجه المبادرات الثقافية الإيرانية الدولية نحو توسيع حضورها من خلال شراكات تتجاوز الفعاليات التقليدية إلى بناء جسور مستدامة في مجالات الفنون والتراث والسينما والموسيقى واللغة. وتبرز في هذا المسار علاقات إيران مع طاجيكستان وروسيا واليابان، بما يعكس توظيف الثقافة أداة للحوار والتواصل وحفظ الذاكرة المشتركة.
شيراز ودوشنبه.. التوأمة من الذاكرة إلى المستقبل
مع اقتراب الذكرى الخامسة والثلاثين لتوأمة «شيراز» و«دوشنبه»، تسعى المدينتان إلى إعداد خريطة طريق جديدة تستند إلى الروابط التاريخية والحضارية واللغوية. وتتصدر الثقافة والفنون والسياحة محاور التعاون المقترح، إلى جانب الجامعات والشباب والإدارة الحضرية والابتكار.
وأكد رئيس بلدية شيراز، محمد حسن أسدي، على أهمية الثقافة والفنون في تعميق العلاقات الشعبية، مشيراً إلى تضامن شعراء ومثقفي طاجيكستان مع إيران، واقترح أسدي توظيف «سيمفونية شيراز» في التبادلات الثقافية.
من جانبه، أكد رئيس بلدية دوشنبه، رستم إمام علي، على أن القواسم الحضارية والثقافية واللغوية تمثل أساساً لعلاقات مستدامة، بما يحول التوأمة إلى منصة عملية للتعاون والحضور الدولي.
إيران وروسيا.. السينما بوابّة للحوار الثقافي

في أنقرة، بحث الجانبان الإيراني والروسي توسيع التعاون السينمائي من خلال تنظيم برامج مشتركة، وعرض الأفلام، والتعريف بالقدرات السينمائية، وتعزيز التواصل بين الفنانين والعاملين في القطاع. كما طُرح تنظيم أيام ثقافية إيرانية روسية في تركيا للتعريف بالثقافة والفنون والتراث.
وامتد التعاون إلى الكتاب والنشر والمعارض، مع التركيز على ترجمة الأعمال الأدبية والثقافية والتعريف بالكتاب والناشرين. كما يواصل مركز تعليم اللغة الفارسية في أنقرة أداء دوره جسراً ثقافياً لنقل الخبرات وتعزيز الحضور اللغوي الإيراني.
التراث القاجاري في موسكو

اكتسب التعاون الإيراني الروسي بعداً متحفياً مهماً مع إزاحة الستار عن أربع لوحات إيرانية قاجارية يتجاوز عمرها 150 عاماً في متحف «فنون شعوب الشرق» بموسكو.
تكشف هذه الأنشطة عن اتساع الحضور الثقافي الإيراني دولياً، وتعود أهميتها أيضاً إلى ارتباطها بالكاتب الروسي مكسيم غوركي، الذي اقتناها في مزاد أقيم في سفارة إيران بموسكو، قبل أن تحفظ في قصر ريابوشينسكي وتتوارثها عائلته.
وتكشف اللوحات عن تفاعل التقاليد الإيرانية مع التأثيرات الفنية الدولية، بينما تجسد أعمال مثل «زوجان شابان» و«سياوش في بلاط أفراسياب» تنوع الفن القاجاري بين فن البلاط والرسم المرتبط بالسرد الملحمي والديني. وبعد ترميمها، ستُعرض ضمن المجموعة الدائمة للفن الإيراني في المتحف.
الأسبوع الثقافي الإيراني في روسيا
وفي نفس السياق تستعد إيران لتنظيم «الأسبوع الثقافي الإيراني في روسيا» بوصفه أول تحرك ثقافي دولي كبير لها في مرحلة ما بعد الحرب المفروضة الثالثة. ويرتكز البرنامج على لقاءات تخصصية للنخب، وتنمية الصادرات الثقافية، وتعزيز التفاعل الثقافي والاقتصادي.
وتحضر موضوعات قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، ومدينتي «ميناب» و«لامرد» في صلب البرنامج، بما يتيح تقديم الذاكرة والتجربة المحلية ضمن خطاب ثقافي دولي.
من «ميناب» و«لامرد» إلى هيروشيما
وفي سياق آخر للدبلوماسية الثقافية الإيرانية، انتقل الحضور الثقافي من فضاء المتاحف والسينما والمدن التوأم إلى مدينة هيروشيما اليابانية، حيث حضرت الذاكرة والسلام والموسيقى في مناسبة الذكرى الحادية والثمانين للقصف الذري.
وأكد وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، على أن صدى أنين أطفال هيروشيما يمكن سماعه اليوم في ميناب ولامرد، في إشارة إلى مشاركة عائلة ماكان نصيري في مراسم الذكرى، ضمن وفد إيراني ضم فنانين وصانعي أفلام وثائقية وأساتذة جامعات وناشطين ثقافيين، بدعوة من جماعات السلام في هيروشيما وبالتنسيق مع متحف السلام في طهران. كما حظيت رواية العائلة عن فاجعة ميناب باهتمام وسائل الإعلام اليابانية.

وفي الإطار نفسه، قدّم عازف وباحث الموسيقى المحلية الإيرانية محسن شريفيان عروضاً في «حديقة السلام» بهيروشيما، حاملاً رسالة الصداقة والسلام الإيرانية، كما شارك في طوكيو في عروض مشتركة مع موسيقيين يابانيين.
وقدمت هذه التجربة نموذجاً بالغ الدلالة للدبلوماسية الموسيقية، إذ تحولت الموسيقى من وسيلة للتعبير الفني إلى لغة للحوار بين الثقافات، قادرة على تجاوز الحدود وتعزيز التفاهم والتعايش والسلام بين الشعوب.
من النشاط الثقافي إلى الدبلوماسية
تكشف هذه الأنشطة عن اتساع الحضور الثقافي الإيراني دولياً، من توأمة المدن والسينما والكتاب، إلى المتاحف والأسابيع الثقافية والدبلوماسية الموسيقية. ويؤكد هذا المسار أن الثقافة باتت مجالاً فاعلاً لبناء العلاقات، وحفظ الذاكرة، وتبادل الخبرات، وفتح قنوات إنسانية تتجاوز الحدود والاختلافات السياسية والجغرافية.