العقدة التي أربكت حسابات العدو

«علي الطاهر».. الاحتلال يحاصر بالنار والمقاومة تُسقط رهان تثبيت وجوده

«علي الطاهر» تتحول إلى عنوان لصمود المقاومة، التي تواجه القضم الصهيوني وتمنع تحويل الوقائع الميدانية إلى مكاسب سياسية على حساب لبنان

لم تعد معركة «علي الطاهر» مواجهة عسكرية محصورة بمرتفعات تقع في محيط النبطية، بل أصبحت واحدة من أبرز ساحات الصراع على مستقبل جنوب لبنان. فالتصعيد الصهيوني المتواصل، من الغارات والقصف إلى محاولات التقدم والضغط الميداني، يكشف أن الاحتلال لا يتعامل مع «علي الطاهر» كهدف عسكري عابر، بل كموقع يريد توظيفه في إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي للجنوب. ويأتي ذلك ضمن سياسة تقوم على القضم التدريجي للأرض وفرض وقائع ميدانية متراكمة، تمهيدًا لتحويلها إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه. كما يُخشى أن يتحول هذا القضم إلى ضمّ تدريجي للمواقع الاستراتيجية وفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب. وفي المقابل، فإن تمسّك المقاومة بالموقع ورفض إخلائه يتجاوز الدفاع عن نقطة عسكرية، ليشكّل رفضاً لمحاولة تحويل الوقائع التي يفرضها الاحتلال بالنار إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض. فالمعادلة واضحة: ما يعجز الاحتلال عن انتزاعه بالقوة، يحاول فرضه بالسياسة، والمقاومة ترفض أن تتحول الأرض اللبنانية إلى ورقة مقايضة.

 

«علي الطاهر».. جغرافيا المعركة على السيادة

 

تكتسب منطقة علي الطاهر أهميتها من موقعها المرتفع وإشرافها على مساحة واسعة من محيط النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني، فضلًا عن وقوعها ضمن جغرافيا ارتبطت تاريخيًا بالمواجهة مع الاحتلال الصهيوني وصولًا إلى انسحابه من الجنوب عام 2000. ولذلك فإن محاولة الاحتلال العودة إلى هذه المنطقة لا تنفصل عن سعيه إلى استعادة نقاط ذات قيمة عسكرية وأمنية تسمح له بالمراقبة والتأثير في محيط واسع.

 

لكن أهمية الموقع لا تتوقف عند الجغرافيا. فمرتفعات «علي الطاهر» يمكن أن تتحول، في أي ترتيبات مقبلة، إلى ورقة ضغط تتصل بالانتشار العسكري والأمن والحدود الفعلية للوجود الصهيوني في الجنوب. ومن هنا فإن المعركة عليها هي في جانب أساسي منها معركة على السيادة اللبنانية: هل يستطيع الاحتلال فرض واقع جديد داخل الأراضي اللبنانية، ثم تحويله لاحقًا إلى «ترتيب أمني» مقبول سياسيًا؟

 

وهذا ما يفسر استمرار الضغط على المرتفع ومحيطه، بالتوازي مع القصف والعمليات الهندسية والتفجيرات في مناطق جنوبية أخرى. فالهدف لا يبدو محصورًا بتدمير موقع محدد، بل بإبقاء المنطقة تحت ضغط يمنع استقرارها ويتيح للاحتلال القول لاحقًا إن استمرار وجوده ضروري لأسباب أمنية.

 

المقاومة.. منع الاحتلال من تحويل العدوان إلى أمر واقع

 

في المقابل، تفرض المقاومة في «علي الطاهر» معادلة مختلفة. فالاحتلال يمتلك تفوقًا جويًا واستخباريًا وناريًا كبيرًا، لكنه يواجه تحديًا مختلفًا عندما يحاول تحويل هذا التفوق إلى سيطرة برية مستقرة داخل أرض لبنانية. فالقصف يمكن أن يدمر، لكنه لا يصنع سيادة، والتقدم العسكري لا يصبح انتصارًا ما لم يتحول إلى قدرة ثابتة على السيطرة والحماية والاستمرار.

 

من هنا تكتسب مقاومة الاحتلال ومنع تثبيت لموقعه أهمية تتجاوز البعد العسكري المباشر. فإخلاء الموقع تحت الضغط كان سيمنح الاحتلال فرصة لتكريس سابقة يمكن استخدامها في مواقع أخرى، وتحويل القوة العسكرية إلى شروط سياسية. وهنا تكمن أهمية الصمود في إبقاء الموقع خارج أي معادلة تفرضها القوة العسكرية.

 

فالمعادلة التي تفرضها المقاومة اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: لا انسحاب لبناني لصالح تثبيت احتلال صهيوني، لا شرعية لوجود فُرض بالقوة، ولا تفاوض يمنح الاحتلال ثمنًا مقابل الانسحاب من أرض لبنانية. وهنا تتحول «علي الطاهر» من مرتفع جغرافي إلى عنوان لصمود المقاومة في وجه محاولة كيان الاحتلال إعادة رسم جنوب لبنان بالنار.

 

الاحتلال بين التفوق العسكري ومأزق السيطرة

 

وتكشف معركة «علي الطاهر» مأزقًا صهيونياً واضحًا: فبرغم التفوق الجوي والقدرة التدميرية الكبيرة، لم يتمكن كيان الاحتلال من تحويل القصف والضغط الميداني إلى سيطرة مستقرة أو مكسب سياسي دائم. فالتدمير يمكن تحقيقه من الجو، أما السيطرة فتحتاج إلى وجود بري قادر على الصمود أمام المقاومة وتحمل كلفته العسكرية والسياسية، وهو ما يجعل استمرار القصف دليلًا على صعوبة فرض الأمر الواقع أكثر مما هو دليل على الحسم.

 

وفي المقابل، يحاول كيان الاحتلال نقل نتائج عدوانه إلى طاولة المفاوضات، بحيث تتحول المواقع التي احتلتها والدمار الذي أحدثه إلى أوراق ضغط تطالب لبنان بتقديم تنازلات مقابل الانسحاب. لكن هذه المعادلة ترفضها المقاومة، لأن الانسحاب من الأرض اللبنانية ليس تنازلًا صهيونياً يستحق ثمنًا، بل واجبًا يجب تنفيذه.

 

 العدوان على الجنوب.. الضغط يتجاوز «علي الطاهر»

 

لا يمكن فصل معركة علي الطاهر عن المشهد الجنوبي الأوسع، إذ إن التصعيد الصهيوني خلال آب/أغسطس لم يقتصر على المرتفع، بل امتد إلى غارات وقصف مدفعي وتفجيرات طالت عددًا من البلدات، في سياسة تعكس محاولة واضحة لفرض ضغط متواصل على البيئة الجنوبية ورفع كلفة الصمود والمقاومة. وفي 15 آب، سُجلت واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ الهدنة، مع استشهاد 11 شخصًا، بينهم أطفال. وهذا المستوى من الاعتداءات يكشف أن الاستهداف الصهيوني يتجاوز الأهداف العسكرية المعلنة، ليطال الأرض والسكان والحياة اليومية، بهدف إنهاك الجنوب ودفعه إلى القبول بالمعادلة التي يحاول الاحتلال فرضها بالقوة.

 

لكن الرهان الصهيوني على الضغط يحمل في المقابل مخاطرة كبيرة؛ فكلما اتسعت دائرة العدوان، ازدادت الكلفة الإنسانية والسياسية، وتعززت الحاجة إلى مواجهة المقاومة بدل إخضاعها. كما أن عامل الوقت بات عنصرًا أساسيًا في المعركة. فكيان الاحتلال يسعى إلى تثبيت مواقعه وفرض وقائع جديدة قبل استقرار أي ترتيبات سياسية، بحيث تدخل إلى أي تفاوض وهي تحمل مكاسب ميدانية تريد تحويلها إلى شروط سياسية.

 

في المقابل، تدرك المقاومة أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الوجود الصهيوني المؤقت إلى واقع طبيعي ودائم، ولذلك تتمسك بمنع الاحتلال من تثبيت مواقعه وتحويلها إلى أوراق تفاوض لدفع لبنان إلى تقديم تنازلات. وهنا يمكن أن ينقلب عامل الوقت على كيان الاحتلال نفسه؛ فكلما طال وجوده تحت ضغط المقاومة، ارتفعت كلفته، وتراجعت قدرته على تسويقه كحل أمني مستدام. وبذلك تصبح المعركة سباقًا بين احتلال يريد تثبيت الأمر الواقع، ومقاومة تسعى إلى إسقاطه قبل أن يتحول إلى حقيقة.

 

 

اختبار معادلة الردع

 

ختامًا، ليست «علي الطاهر» مجرد مرتفع استراتيجي، بل اختبار لمستقبل الجنوب ومعادلة الردع فيه. فالاحتلال يسعى إلى تحويل الوقائع الميدانية إلى مكاسب سياسية، فيما تتمسك المقاومة بمنع تثبيت هذا الواقع.وقد يستطيع الاحتلال أن يقصف ويدمر، لكنه لا يستطيع أن يمنح وجوده شرعية بالقوة. وهنا يكمن جوهر المعركة: بقاء الأرض اللبنانية خارج أي واقع يفرضه الاحتلال بالقوة.

المصدر: الوفاق/ خاص