وفي مقابلة مطولة مع “إرنا” اليوم الأحد أشار بروجردي إلى أن المسارعة الأمريكية لدعم رئيس وزراء الكيان الصهيوني عقب إدانة محكمة دولية له بتهم ارتكاب جرائم حرب، يعكس استهانة واضحة بحقوق الإنسان والقيم الإنسانية، ويؤكد انصراف الولايات المتحدة نحو ممارسة الدعاية السياسية فحسب. ورغم الإدانة الواسعة التي تواجهها واشنطن في الرأي العام العالمي، تظل الجمهورية الإسلامية في إيران الدولة الوحيدة التي امتلكت الإرادة والقدرة الفعلية لمواجهة السياسات الأمريكية المتغطرسة.
وقال بروجردي: لقد أثبتت إيران حضورها الفاعل ضمن القوى الصاعدة، لا سيما منذ انضمامها لمنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس”، حيث استعرضت قدراتها العملية أمام القوى الكبرى في آسيا، مثل الصين والهند وروسيا، في مختلف المجالات، وفي مقدمتها المجال الاقتصادي الذي بات يكتسي أبعاداً سياسية وعسكرية استراتيجية. وخلافاً للاعتقاد الخاطئ لدى الولايات المتحدة وبعض قياداتها بأن العالم لا يزال أحادي القطب، فإن الواقع يؤكد صعود قوى دولية جديدة، تبرز الجمهورية الإسلامية كواحدة من أهمها في مختلف الساحات الدولية.
وحول العدوان الأمريكي على إيران قال بروجردي: وفي سياق المواجهات العسكرية الأخيرة، أثبتت إيران قدرتها على مواجهة قوى تمتلك تكنولوجيا نووية، كما شهدت المنطقة، وللمرة الأولى منذ عقود، تدمير قواعد عسكرية أمريكية، مما يمثل تحولاً استراتيجياً في موازين القوى.
ولفت عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي إلى إنه في الوقت الراهن، نجحنا في بسط نفوذنا الوطني ليشمل منطقة مضيق هرمز، كما تبرز قوة حلفائنا من خلال التحركات الأخيرة، كما هو الحال في النموذج اليمني. أما على الصعيد الاقتصادي، فإننا نرى في هذه المرحلة انطلاقة إيجابية، شريطة أن تنجح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في استثمار هذه الفرص بالشكل الأمثل. وبناءً على ما تتيحه هذه الظروف من فرص سانحة.
وأضاف: بالاستناد إلى قدراتنا الوطنية المتنامية في القطاع الإنتاجي، فإننا نؤكد أنه من خلال تصنيع منتجات ذات جودة عالية، سنتمكن من تعزيز قدراتنا التصديرية وتوسيع نطاق تسويقنا، مما سيؤدي بالضرورة إلى إحداث تحول جذري في اقتصادنا الوطني.
وقال بروجردي: لقد انطوت حقبة الهيمنة الأحادية للدولار على النظام المالي العالمي، مما يستوجب علينا، في حال تبني استراتيجيات حكيمة، التوجه نحو الاعتماد على العملات الوطنية في التعاملات الدولية. وفي هذا السياق، تُعد الاتفاقيات المتبادلة بين المصارف المركزية الصينية والروسية خطوة إيجابية نحو هذا المسار، حيث تتيح للسياح من كلا البلدين إمكانية استخدام بطاقاتهم المصرفية واستلام العملة المحلية، وهو ما يستدعي التعامل معه بجدية بالغة.
وأشار بروجردي إلى أن الأحداث أظهرت أن القوى الأمريكية والصهيونية لم تتوقع حجم القدرات الإيرانية؛ إذ أكد خبراء عسكريون أمريكيون أنهم استغرقوا أكثر من عقدين من التخطيط والمحاكاة العسكرية لمواجهة إيران، مما يبرهن على ثقلها الاستراتيجي. وقد امتدت محاولاتهم لتشمل استهداف القيادة العسكرية عبر عمليات اغتيال مباشرة.
وأردف قائلاً: علاوة على ذلك، شهدت الهجمات الصاروخية انتهاكات صارخة وغير مسبوقة لمعايير حقوق الإنسان، حيث أسفرت عن استشهاد أطفال ومدنيين في مناطق عدة، منها مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب ولارستان، في تصرفات اتسمت بالوحشية. ومع ذلك، فقد باءت تلك المحاولات بالفشل، وشهدت الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تدميراً شاملاً لقواعدها الإقليمية، بما في ذلك رادارات متطورة في قطر، مما يشير إلى أن حجم الخسائر الفعلية يتجاوز بكثير ما يتم الإعلان عنه، حيث تُقدر الخسائر المادية بمليارات الدولارات.
وأشار عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي خسائر الأمريكيين تعد بمليارات الدولارات؛ ومن شأن نتائج هذه العمليات، بالتوازي مع تعزيز نفوذنا في مضيق هرمز — وهو حق سيادي لنا — أن تُفضي إلى إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة. ويتعين علينا إرساء واقعٍ تفتقر فيه الولايات المتحدة إلى القدرة على استعادة نفوذها، إذ إن عدم تقويض هذه القدرة قد يمهد لمحاولتها إعادة بناء قواعدها وشن هجوم آخر في غضون سنوات قليلة، وهو ما يتعارض مع مقتضيات أمننا القومي التي تفرض تجريد الولايات المتحدة من هذه القدرة.
وبشأن دول المنطقة قال بروجردي: لقد أوضحنا موقفنا لدول المنطقة كافة؛ إذ ترتكز سياستنا تجاههم على مبادئ حسن الجوار، والصداقة، والمصالح المشتركة، إلا أننا نؤكد قطعياً عدم التهاون مع أي اعتداء يُشن من أراضيهم، وسنتخذ في هذا الصدد إجراءات حازمة. وبناءً على ذلك، أرى أن الوقت قد حان لإنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة.
وحول مذكرة التفاهم قال بروجردي: لقد تمكنا أخيراً من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في إسلام آباد عقب مفاوضات مستفيضة؛ ويُعد هذا الاتفاق سابقة تاريخية، ليس فقط في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل ربما في التاريخ المعاصر، حيث يوقع رئيسا إيران والولايات المتحدة على وثيقة مشتركة. وفيما يخص “وثيقة إسلام آباد”، فقد كان الرئيس ترامب أول الموقعين على بنودها الأربعة عشر (بالتوقيع ذاته الذي استُخدم في باريس)، ليعقب ذلك توقيع السيد الدكتور بزشكيان، مما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية الوفاء بالتزاماتها المحددة.
لكنه أشار أيضاً إلى أن إيران لا تزال في حالة حرب شاملة، ومن واجبنا العمل على تبديد مخاطرها. وقد أبلغنا الجانب الأمريكي ودول المنطقة بوضوح: أن أي محاولة لاستئناف التصعيد ستواجه برد أكثر حزماً وصرامة، وذلك لضمان استيعاب دول المنطقة لطبيعة الوضع الراهن، وإدراك الولايات المتحدة لتبعات مواقفهما.
وقال بروجردي: يتعين على الولايات المتحدة الالتزام بتعهداتها أولاً. ونظراً لعدم وفاء الرئيس ترامب بتوقيعه، فإنه لا يوجد مسوغ لإعادة التفاوض في الوقت الراهن، ما لم تُبنَ المفاوضات على شروط تضمن الالتزام. وبالنظر إلى تجربة الاتفاق النووي وما آلت إليه الأمور رغم توقيع مجموعة (5+1) عليه أمام الأمم المتحدة، فإن الضمانة الوحيدة المتاحة للولايات المتحدة هي قوة الجمهورية الإسلامية؛ وهي القوة التي تشكلت بفضل الله وأثبتت جدارتها وكفاءتها على أرض الواقع.
أما بخصوص محور المقاومة في المنطقة قال بروجردي: لقد حقق حلفاؤنا نجاحات استثنائية؛ فبعد سنوات من الحصار الجائر، وبدخول اليمن إلى ميدان المواجهة —وهم ذاتهم الذين حققوا انتصاراً على الولايات المتحدة في جولة سابقة من الصراع— ستجد القوى الأمريكية نفسها مضطرة للتراجع.
ولفت إلى صمود الشعب اليمني قائلاً: لقد أثبت التاريخ صمود الشعب اليمني؛ فبالرغم من محدودية الموارد المادية، إلا أنهم أمة تتسم بالشجاعة والقدرة. ويقف اليمن، إلى جانب حزب الله في لبنان والعراق، ضمن ما يُعرف بـ “محور المقاومة”. وفي تقديري، فقد كشفت هذه الأحداث عن عجز الولايات المتحدة وهزيمتها أمام هذه القوة الإقليمية الصاعدة.
وأضاف قائلاً: هذه التطورات يؤكد صدق النبوءات التي أطلقها إمامنا الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي “رضوان الله عليه” بشأن وصول العتاد العسكري إلى أيدي المجاهدين؛ حيث تمكن اليمنيون من الاستحواذ على غنائم واسعة، شملت قواعد عسكرية وأسلحة كانت تُعد سابقاً بعيدة المنال، مما ساهم في تعزيز القدرات العسكرية لهذا المحور. وإننا نتطلع من خلال هذه العمليات إلى تحقيق الوحدة الوطنية في اليمن وإنهاء حالة الانقسام التي يعيشها.
وشدد بروجردي بالقول: إن اليمن أرض القبائل العريقة التي عرفت التسلح منذ القدم، حتى غدا “الخنجر” رمزاً للهوية اليمنية وجزءاً أصيلاً من المظهر الاجتماعي والبروتوكولات الرسمية في المحافل السياسية. إن هذه الشجاعة الفطرية قد أحدثت تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية؛ فبعد أن كان مضيق هرمز يمثل نقطة ارتكاز، أصبحت السيطرة على باب المندب تمثل استراتيجية “السيف ذي الحدين” القادرة على التحكم في مسارات التجارة العالمية.
وبشأن مضيق هرمز أشار بروجردي إلى إنه نظراً لكون مضيق هرمز يمثل الممر المائي الوحيد، وبموقعنا الاستراتيجي في جزئه الشمالي مقابل سلطنة عُمان في الجزء الجنوبي، فقد تم التوصل إلى اتفاق مع الجانب العُماني عقب جولات تفاوضية مكثفة، ونحن بصدد إصدار بيان رسمي بهذا الشأن. وسيشكل هذا الاتفاق الركيزة الأساسية لتنظيم حركة الملاحة في هذا الممر المائي الدولي الحيوي، حيث سيتم الإعلان عنه رسمياً للمجتمع الدولي.
وأضاف: فيما يتعلق بالدول العربية الأخرى المطلة على الخليج الفارسي، فإننا ندرك حالة الاستياء التي تسود الجانب السعودي إثر التطورات الميدانية في اليمن؛ فعلى سبيل المثال، تم تأجيل القمة التي كان من المقرر عقدها، إلا أن هذا الأمر لا يشكل أولوية بالنسبة لنا، إذ ينصب تركيزنا على الاتفاق المبرم مع سلطنة عُمان، والذي نتطلع للإعلان عنه في القريب العاجل.
أما بخصوص عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقد وصف بروجردي رئيسها رافائيل غروسي بأنه يعمل في واقع الأمر كأداة تنفيذية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فقد كان من المفترض على الوكالة الدولية للطاقة الذرية إدانة الهجمات التي استهدفت مراكز أنشطتنا النووية السلمية في “نطنز” و”أصفهان”، وكذلك الهجمات التي تلت عملية “طبس 2” والتي تسببت في إحراج الولايات المتحدة ودفعها للانسحاب، إلا أن الوكالة آثرت الصمت.
وأضاف إنه وفي سياق متصل، تم توجيه دعوة رسمية لرئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي لحضور اجتماع في فيينا، إلا أن النمسا، وتحت ضغوط أمريكية، قررت إلغاء تأشيرته، مما حال دون إتمام الرحلة. وبناءً على ذلك، فقدت الوكالة مبررات وجودها؛ إذ تنص مواثيقها ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على أن واجب الوكالة هو دعم الدول الملتزمة بالأنشطة السلمية ونقل التقنيات النووية إليها، وليس العمل كوكيل سياسي.