مع انطلاق أسبوع الدفاع المقدس، تعود إلى الواجهة الكتب التي حفظت ذاكرة الحرب وتجارب مقاتليها، وفي مقدمتها كتاب «المربعات الحمراء»، الذي حظي بتقريظ القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، لما رآه فيه من قدرة على استحضار ذكرى الشهداء وتصوير حضورهم المعنوي وحالتهم الروحية بأسلوب عذب وجذاب.
تخليد حضور الشهداء في الذاكرة
يأتي الكتاب، ضمن سلسلة الكتب التي أولى لها الإمام الشهيد اهتماماً خاصاً، انطلاقاً من تأكيده المستمر على ضرورة إبقاء أدبيات المقاومة والدفاع المقدس حيّة في الذاكرة الثقافية للأجيال.
وقد رأى قائد الأمّة أن «المربعات الحمراء» يتميز بدقة التعبير ونعومته، وبوضوح آثار الرواية الشفوية للحاج حسين يكتا، أحد رموز تلك المرحلة، إلى جانب براعة الكاتبة زينب عرفانيان في تحويل هذه الذكريات إلى سرد يجمع بين السيرة الذاتية والرواية، مستندة إلى وثائق ومصادر موثوقة.
وفي تقريظه للكتاب، ركّز القائد الشهيد، بصورة خاصة، على الطريقة التي يستعيد بها العمل ذكرى الشهداء، لا بوصفهم أسماء في سجل الحرب، وإنما باعتبارهم شخصيات حاضرة في الوجدان، تكشف ذكرياتهم عن عالم من الإيمان والتضحية والقرب من الشهادة. كما أشاد باهتمام الراوي بالراحل الحاج ميرزا علي أحمدي الميانجي، الذي عرفه لنحو 60 عاماً، وما عُرف عنه من علم وتقوى وورع.
حضور يتجاوز لحظة الاستشهاد
تُقدِّم صفحات الكتاب نماذج مؤثرة من هذه الذاكرة. ففي إحدى الروايات، يستعيد حسين يكتا قصة محسن حاجي بابا، قائد منطقة سربل ذهاب، الذي استشهد إثر إصابة سيارته بقذيفة مدفعية، ولم يبق من جسده سوى أجزاء قليلة جُمعت في كيس، وبقي جزء آخر من جسده في موقع استشهاده، ليصبح له مزاران، أحدهما في طهران والآخر في المكان الذي ارتقى فيه شهيداً.
ولا يكتفي الراوي بوصف لحظة الاستشهاد، بل يستعيد أيضاً ملامح شخصية حاجي بابا، وصلته بدعاء كميل والندبة، وتواضعه في حياته اليومية، ليقدم صورة إنسانية عن قائد الأمّة الذي عاش بين مقاتليه بعيداً عن مظاهر التميز.
الإيمان في خنادق الجبهة
في موضع آخر، يرسم الكتاب أجواء الجبهة من خلال قراءة زيارة عاشوراء بعد صلاة الصبح، التي تحولت إلى «قانون غير مكتوب» بين المقاتلين. ويصف الراوي لحظات الخشوع والدموع في ظلام الخنادق، مؤكداً أن قرب المقاتلين من الموت كان يمنح تلك اللحظات الروحية عمقاً خاصاً، ويجعلهم يشعرون بأنهم يقفون على مسافة خطوة واحدة من الشهادة.
وتظهر هذه الروح أيضاً خلال العمليات العسكرية، حين كان المقاتلون يعبرون المياه والظلام باتجاه مواقع العدو، بينما يتقدم بعض القادة في مقدمة القوارب، مستعدين لمواجهة الأخطار قبل الآخرين. ومن خلال «المربعات الحمراء» التي كان الراوي يرسمها في دفتره لتسجيل أسماء الشهداء، يتحول الموت إلى ذاكرة حاضرة، ويصبح كل مربع شاهداً على مقاتل غاب عن رفاقه وبقي اسمه في وجدانهم.
من الألم إلى ذاكرة لا تنطفئ
كما يستعيد الكتاب لحظات الإصابة والفقد، ومنها قصة فقدان الراوي إحدى عينيه، واستشهاد جعفر الذي تلقى خبر رحيله في مجلس عزاء الإمام علي الأكبر(ع). وتكشف هذه الروايات عن الجانب الإنساني العميق للحرب، حيث تختلط مشاعر الألم بالفقد والإيمان والصبر، وتتحول التجربة الشخصية إلى شهادة على حياة جيل عاش الحرب بكل تفاصيلها.
«صورتكم في قلوبنا».. لقاء لا يُنسى
في ختام الذكريات، يستعيد الراوي لقاءه بالإمام الشهيد في صفوف المقاتلين خلال عام 1988م، حين أمّهم الصلاة مرتدياً زي الحرس الثوري، واستمعوا إلى كلماته التي أكدت أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء المسؤولية.
وتبقى عبارته: «إذا كانت صورتنا في خنادقكم، فإن صورتكم في قلوبنا» حاضرة في ذاكرة الراوي، بوصفها تعبيراً عن الصلة الوجدانية بين قيادة الثورة والمقاتلين. وقد ترك هذا اللقاء أثراً عميقاً في نفوسهم، إذ رأوا في كلماته امتداداً لمسؤوليتهم بعد الحرب، وتأكيداً على أن طريق الشهادة لا ينتهي بانتهاء المعارك.
وهكذا لا يُقدِّم «المربعات الحمراء» سرداً لأحداث الحرب فحسب، بل يُحوِّل ذكريات المقاتلين والشهداء إلى ذاكرة حيّة، وهو ما يُفسِّر المكانة التي منحها لها الإمام الشهيد، باعتبار الأدب وسيلة أساسية لحفظ تجربة الدفاع المقدس ونقل قيم التضحية والإيمان إلى الأجيال اللاحقة.