وإعادة تشكيل معادلات الأمن في شرق آسيا

صواريخ كوريا الشمالية.. رسائل ردع في مواجهة واشنطن وحلفائها

تواصل بيونغ يانغ تطوير ترسانتها في بيئة أمنية تتزايد فيها المناورات والتحالفات العسكرية، واضعةً قدراتها النووية والصاروخية في صلب حساباتها لمواجهة الضغوط وفتح مساحة أوسع أمامها سياسيًا وأمنيًا

لم تعد الصواريخ التي تطلقها كوريا الشمالية مجرد اختبارات عسكرية متفرقة، بل أصبحت جزءًا  من سياستها الأمنية في التعامل مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان. ففي 20 سبتمبر/ أيلول، أطلقت بيونغ يانغ صاروخين باليستيين قصيري المدى من منطقة وونسان باتجاه البحر الشرقي، قطع الأول نحو 450 كيلومترًا، فيما تجاوز مدى الثاني 600 كيلومتر، وفق الجيش الكوري الجنوبي. وسقط المقذوفان خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان.

 

وجاءت الإطلاقات بعد عملية إطلاق أخرى في 8 سبتمبر/ أيلول، وبعد أيام من انتقادات كورية شمالية حادة للمناورات العسكرية التي شاركت فيها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.

 

وفي تطور جديد يندرج ضمن هذا المسار، أعلنت كوريا الشمالية نجاح اختبار سلاح جديد أجرته إدارة الصواريخ بإشراف رئيس البلاد كيم جونغ أون. ووفق وكالة الأنباء المركزية الكورية، شكّل الاختبار عرضًا لتكنولوجيا دفاعية «فائقة الحداثة»، وأظهر تقدمًا في مسار تحديث القوات المسلحة، فيما أكد كيم أهمية امتلاك هذه التكنولوجيا في تعزيز الجهوزية العسكرية وتطوير قدرات القوات المسلحة مستقبلًا.

 

 من الاختبار إلى بناء القوة.. الصواريخ جزء من مسار عسكري متواصل

 

تكشف وتيرة الإطلاقات أن الأمر يتجاوز اختبارًا منفردًا. ففي 8 سبتمبر/أيلول، أطلقت كوريا الشمالية عدة صواريخ قصيرة المدى، وقالت لاحقًا إن العملية كانت جزءًا من تدريب ناري شمل وحدات مدفعية وصاروخية.

 

وتمنح هذه الاختبارات بيونغ يانغ مكاسب عسكرية وسياسية عدة: فهي تختبر جاهزية قواتها، وتطور قدراتها، وفي الوقت نفسه تؤكد أن برنامجها العسكري مستمر رغم العقوبات والضغوط الدولية. ويأتي اختبار السلاح الجديد في هذا السياق، باعتباره جزءًا من مسار أوسع لتحديث القدرات العسكرية وليس مجرد حدث منفصل عن سلسلة التجارب الصاروخية الأخيرة.

 

 كوريا الجنوبية.. الخصم الأقرب جغرافياً

 

تمثل كوريا الجنوبية الطرف الأقرب في الحسابات العسكرية الكورية الشمالية. فوجود القوات الأمريكية في الجنوب، والتدريبات المشتركة، والتنسيق المتزايد بين سيول وواشنطن وطوكيو، كلها عوامل تنظر إليها بيونغ يانغ باعتبارها جزءًا من ضغط عسكري متواصل.

 

في المقابل، تعتبر سيول هذه التدريبات إجراءات دفاعية في مواجهة القدرات النووية والصاروخية للشمال، وأدانت الإطلاقات الأخيرة باعتبارها انتهاكًا لقرارات مجلس الأمن الدولي.

 

لكن الرواية الكورية الشمالية تنظر إلى المعادلة من زاوية مختلفة، فإذا كانت سيول تعزز تعاونها العسكري بهدف مواجهة الشمال، فإن بيونغ يانغ ترى أن تطوير قدراتها هو الرد على هذه البيئة الأمنية.

 

وهنا تتشكل دائرة من الإجراءات والردود المتبادلة: تعاون عسكري أكبر بين سيول وواشنطن وطوكيو يقابله تعزيز كوري شمالي للقدرات الصاروخية والنووية، ثم يُستخدم هذا التعزيز من جانب سيول لتبرير مزيد من التعاون العسكري.

 

اليابان.. شريك في المنظومة الأمنية

 

لا تنظر بيونغ يانغ إلى اليابان باعتبارها دولة بعيدة عن الصراع. فطوكيو تشارك في تدريبات عسكرية مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، كما تستضيف قواعد وقوات أمريكية مهمة في المنطقة.

 

وفي سبتمبر/ أيلول، شاركت اليابان في تدريبات بحرية بقيادة الولايات المتحدة قرب غوام إلى جانب كوريا الجنوبية ودول أخرى، وهي تدريبات انتقدتها بيونغ يانغ بشدة.

 

وسقوط الصواريخ خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان يوضح في الوقت نفسه أن الإطلاقات الأخيرة لم تستهدف الأراضي اليابانية مباشرة، رغم استمرار طوكيو في اعتبار تطوير الترسانة الكورية الشمالية مصدر قلق أمني.

 

 كوريا الشمالية والمناورات الأمريكية.. معادلة تدفع بيونغ يانغ لتشديد الردع

 

تضع بيونغ يانغ المناورات الأمريكية ومناورات حلفائها في قلب خطابها السياسي.ففي 17 سبتمبر/ أيلول، قالت كيم يو جونغ إن التدريبات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تؤدي إلى تفاقم التوتر في شبه الجزيرة، وحذرت من رد أقوى إذا تعرضت المصالح الأمنية الكورية الشمالية لما تعتبره تهديدًا. كما أكدت استمرار مسار تعزيز الترسانة النووية.

 

وفي السياق نفسه، قال نائب وزير الدفاع الكوري الشمالي كيم كانغ إيل إن تنامي التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان يبرر استمرار تطوير الترسانة النووية لبلاده. وهنا تكمن إحدى الركائز الأساسية في السياسة الكورية الشمالية: كلما اتسعت التحالفات العسكرية حولها، زادت بيونغ يانغ تمسكًا بما تعتبره قدرة ردع ضرورية لأمنها.

 

البرنامج النووي.. ورقة كوريا الشمالية لتثبيت الردع ورفع كلفة المواجهة

 

لا يمكن فهم سياسة الصواريخ الكورية الشمالية من دون برنامجها النووي. فبيونغ يانغ تتعامل مع الأسلحة النووية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي، وتؤكد أن التخلي عنها ليس خيارًا مطروحًا في ظل ما تعتبره تهديدًا من الولايات المتحدة وحلفائها.

 

وفي سبتمبر/أيلول، رفضت كوريا الشمالية قرارًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية ينتقد برنامجها النووي، وجددت تأكيدها أن وضعها كدولة نووية «غير قابل للتراجع»، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية عن بيونغ يانغ.

وبالنسبة إلى كوريا الشمالية، فإن وظيفة الردع هي منع خصومها من التفكير في استخدام القوة ضدها. وتقول بيونغ يانغ إن قدراتها الردعية تهدف إلى جعل أي مواجهة معها مكلفة، وتعزيز قدرتها على ترسيخ موقعها طرفًا فاعلًا في الحسابات الأمنية الإقليمية.

 

واشنطن.. . الطرف الأهم في حسابات بيونغ يانغ

 

رغم أن كوريا الجنوبية واليابان تظهران في مقدمة المشهد، فإن الولايات المتحدة تبقى الطرف الأهم في الحسابات الكورية الشمالية. فواشنطن هي محور التحالفات العسكرية مع سيول وطوكيو، كما أن وجودها العسكري في المنطقة يمثل أحد أبرز مصادر القلق التي تشير إليها بيونغ يانغ.

 

ويرى محللون أن الاختبارات تحمل أيضًا رسائل إلى واشنطن أيضًا: امتلاك القدرات الصاروخية والنووية يمنح كوريا الشمالية أوراق قوة في مواجهة الضغوط، كما يوفر لها موقعًا مختلفًا إذا عاد المسار الدبلوماسي إلى الواجهة.

 

الردع أم التصعيد؟

 

تعتبر كوريا الشمالية هذه الاختبارات جزءًا من سياسة الردع، بينما تراها سيول وطوكيو وواشنطن تصعيدًا يهدد الأمن الإقليمي. واللافت أن الإطلاقات الأخيرة اتجهت إلى البحر، ولم تستهدف أراضي الدول المجاورة مباشرة. وهو ما أبقى الإطلاقات ضمن إطار اختبار القدرات العسكرية وإظهارها، مع استمرار خطر سوء التقدير في ظل تواصل التدريبات والاختبارات من مختلف الأطراف.

 

كوريا الشمالية تستخدم الصواريخ لفرض معادلتها

 

تكشف الإطلاقات المتكررة أن الصواريخ أصبحت أداة أساسية في السياسة الأمنية الكورية الشمالية، لا مجرد تجارب تقنية منفصلة.

 

فبيونغ يانغ تريد التأكيد أن العقوبات والضغوط والمناورات العسكرية لن تدفعها بسهولة إلى التخلي عن برنامجها الصاروخي والنووي، وأن أي ترتيبات أمنية في شرق آسيا يجب أن تأخذ قدراتها العسكرية في الاعتبار.

 

أما كوريا الجنوبية واليابان، فتجدان نفسيهما أمام واقع يدفعهما إلى مزيد من التنسيق مع الولايات المتحدة،  بينما تستخدم بيونغ يانغ هذا التنسيق في خطابها  لتبرير استمرار تطوير قدراتها.

 

وهكذا تستمر المعادلة: تحالفات ومناورات في مواجهة كوريا الشمالية، وقدرات صاروخية ونووية في مواجهة هذه التحالفات. وهنا، لا تكمن أهمية الصواريخ فقط في عددها أو المسافة التي تقطعها، بل في وظيفتها السياسية: إظهار القوة، تثبيت الردع، وتكريس كوريا الشمالية طرفاً لا يمكن تجاهل قدراته عند تحديد مستقبل الأمن في شرق آسيا.

 

المصدر: الوفاق/ خاص