مقترحات صالحي في منتدى الثقافات المتحدة

الثقافة الإيرانية.. ذاكرة حضارية تنفتح على العالم بالحوار والصمود

صالحي: أدعو الفنانين وصنّاع السينما والمفكرين من مختلف أنحاء العالم إلى زيارة إيران ورواية ما سيشاهدونه فيها.

طرح وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، في كلمة ألقاها خلال الدورة الثانية عشرة للمنتدى الدولي للثقافات المتحدة، مقترحات الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتعزيز التعاون الثقافي الثنائي ومتعدد الأطراف، مشيرًا إلى بعض أبعاد الجرائم التي ارتكبها المعتدون بحق بلاده، ومؤكدًا أن صمود الشعب الإيراني في مواجهة الأحداث الأخيرة يمثل بلا شك تجليًا لقدرة الحضارة الإيرانية على الصمود.

 

وكان سيد عباس صالحي يتحدث، يوم الجمعة، أمام وزراء ومسؤولين وشخصيات مؤثرة في مجالي الثقافة والفن من 70 دولة حول العالم، في مدينة سان بطرسبورغ، حيث اقترح توسيع أسابيع الثقافة بين إيران وروسيا والدول المشاركة في هذا الحدث.

 

كما دعا وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، الفنانين والمسؤولين رفيعي المستوى والمفكرين من الدول المشاركة إلى زيارة إيران، معلنًا استعداد بلاده لتوسيع التعاون في مجال الدراسات الإيرانية مع الدول الصديقة.

 

الثقافة الإيرانية تضفي معنى على الحوار العالمي

 

استهل صالحي كلمته بالحديث عن الخصائص الحضارية لإيران، قائلًا إن الثقافة الإيرانية ليست قطعة متحفية تحتاج إلى الحماية، ولا تراثًا هشًا عرضة للتضرر أمام رياح العالم، بل هي كيان حي وفاعل قادر على الانخراط في الحوار العالمي وإضفاء المعنى عليه، ويعود ذلك إلى ميزتين أساسيتين.

 

وأضاف: إن اللغة والأدب الفارسيين لا يشكلان مجرد أداة للتواصل، بل إطارًا للمعرفة، ووسيلة للفكر، وحدًا من حدود الهوية الإيرانية، عندما نقرأ «الشاهنامة» للفردوسي، فإننا لا نواجه أسطورة من الماضي البعيد، بل نقف أمام مرآة تعكس حياتنا نحن.

 

وأشار وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي إلى أن حب مولانا، وحكمة حافظ، ومواعظ سعدي، ليست نصوصًا تحتاج إلى ترجمة، بل تراثًا يحتاج إلى أن يُعاش ويُختبر، موضحًا أن هذه قوة ناعمة لا تقوم على القوة أو الثروة، وإنما تستند إلى عمق المعنى.

 

وتابع أن الميزة الثانية تتمثل في قدرة الحضارة الإيرانية على الصمود، وهي سمة نادرة تعني القدرة على استيعاب العناصر الوافدة وتنقيتها وإعادة إنتاجها. وأوضح أن موجات الغزو العديدة التي تعرضت لها إيران لم تؤدِّ قط إلى تماثل شعبها مع الغزاة، بل حافظت إيران على الدوام على جوهرها المعنوي والحضاري.

 

صمود الحضارة الإيرانية في مواجهة العدوان الصهيو- أمريكي

 

وقال صالحي: إن هذه القدرة على الصمود الحضاري تتجلى اليوم في مواجهة ما وصفه بالعدوان الوحشي الصهيو- أمريكي على الشعب الإيراني. وأضاف أنه في اليوم الأول من العدوان الأخير، استُشهد قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، إلى جانب عدد من أفراد أسرته، ومن بينهم حفيدته البالغة من العمر 14 شهرًا.

 

وأضاف: إن هذا الحادث لم يكن مجرد اغتيال لزعيم سياسي، بل كان أيضًا اعتداءً على مكانة المرجعية الدينية والمذهبية، موضحًا أن احترام قادة الأديان ومرجعياتها يمثل جزءًا من مبادئ الحوار بين الثقافات.

 

وتابع: أنه في اليوم نفسه، تعرضت مدرسة في ميناب لهجوم بصواريخ أمريكية، ما أسفر عن استشهاد 168 طفلًا، مشيرًا إلى أن هؤلاء الأطفال لم يكونوا جنودًا ولا قادة عسكريين.

 

وأضاف: إن الولايات المتحدة اختبرت في اليوم ذاته صواريخها الجديدة في مدينة لامِرد، ثم تعرضت مناطق سكنية ومواقع تاريخية ومراكز علمية وجامعية في إيران لهجمات مكثفة.

 

وأكد وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي على أن صمود الشعب الإيراني في مواجهة جميع هذه الأحداث يمثل بلا شك تجليًا لهذه القدرة الحضارية على الصمود.

 

الثقافة قادرة على تجاوز السردية الأحادية

 

وأوضح صالحي أن إيران غالبًا ما تُقدّم في الخطاب الغربي إلى «موضوعاً أمنياً»، إلا أن قوة الثقافة تتجلى تحديدًا في هذه النقطة، إذ تستطيع الثقافة تجاوز هذه السردية الأحادية الجانب.

 

وأشار صالحي إلى أن إيران، بتسجيل 30 موقعًا ضمن قائمة التراث العالمي، تحتل المرتبة بين الدول العشر الأولى في مجال التراث المادي، كما أن تسجيل 27 عنصرًا من عناصر التراث غير المادي في قائمة التراث العالمي لليونسكو يضعها ضمن الدول الأربع الرائدة في هذا المجال. إن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في عددها، بل في وظيفتها الاستراتيجية.

 

وقال وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي: إن كل بلاطة في مسجد جامع أصفهان، وكل لبنة في جغازنبیل، وكل سجادة إيرانية، تمثل سفيرًا ثقافيًا ملموسًا لإيران، يقيم حوارًا عميقًا مع العالم من دون حاجة إلى ترجمة أو دعاية.

 

ثلاثة مقترحات إيرانية إلى المنتدى الدولي للثقافات المتحدة

 

طرح صالحي، في جانب آخر من كلمته، مقترحًا لتوسيع أسابيع الثقافة بين إيران وروسيا والدول المشاركة في هذا المنتدى. وقال: إن روسيا استضافت العام الماضي فعاليات أسبوع ثقافي في إيران، أسهمت في خلق ذكريات طيبة وتعزيز التفاهم بين الشعبين.

 

وأضاف وزير الثقافة أنه في الأسبوع الجاري، وباستضافة وزارة الثقافة الروسية، سيشارك أكثر من 160 فنانًا إيرانيًا في إقامة أسبوع الثقافة الإيرانية في روسيا، مشيرًا إلى أن فعاليات هذا الأسبوع تشمل أكثر من 20 موضوعًا ثقافيًا وفنيًا، إلى جانب أسبوع للسينما وأسبوع للصداقة للأطفال واليافعين.

 

أما المقترح الثاني الذي قدمه صالحي إلى الشخصيات الثقافية المشاركة في هذا الحدث الدولي، فيتمثل في زيارة إيران والتعرف إلى إيران الجديدة بعيدًا عن التصورات المسبقة.

 

وقال في هذا الصدد: «أدعو جميع الفنانين والمسؤولين رفيعي المستوى والمفكرين إلى زيارة إيران، وقد أثبتت التجربة أن رواية الآخر عن إيران أكثر قابلية للتصديق من الدعاية المباشرة. ومن على هذه المنصة، أدعو الفنانين وصنّاع السينما والمفكرين من مختلف أنحاء العالم إلى زيارة إيران ورواية ما سيشاهدونه فيها».

 

وأعرب صالحي عن يقينه بأن رؤية إيران عن قرب ستبدد التصورات المسبقة الراسخة في الأذهان، وستسهم في تقديم صورة جديدة عن إيران.

 

كما اقترح وزير الثقافة على المسؤولين والشخصيات الثقافية البارزة من 70 دولة المشاركة في المنتدى الدولي في سان بطرسبورغ التعاون من أجل توسيع أقسام الدراسات الإيرانية في الدول الصديقة.

 

وذكّر بأن المستشرقين والمتخصصين الأجانب في الدراسات الإيرانية أدوا منذ زمن بعيد دورًا وسيطًا في التعريف بإيران للعالم، وقال: إن إنشاء آليات مستدامة للتفاعل بين الباحثين في الدراسات الإيرانية داخل إيران وخارجها، وتأسيس مراكز فكرية مشتركة، يمكن أن يسهم، من خلال المنتدى الدولي للثقافات المتحدة، في إنتاج خطاب مشترك والحد من الصور المشوهة.

 

وأكد صالحي كذلك على أن بالإمكان اليوم الربط بين التراث الثقافي والقضايا المعاصرة، مشيرًا إلى أن إيران تستطيع، من خلال تراثها، المشاركة في الحوارات العالمية حول العدالة والتسامح وكرامة الإنسان والأسرة والروحانية والسلام وغيرها من الموضوعات.

 

وأضاف: أن أفكار الفلاسفة والشعراء الإيرانيين البارزين، إلى جانب النتاج الواسع والمتنوع للفنانين الإيرانيين، تمتلك جميعها القدرة على أن تكون جزءًا من أجندة الحوار مع العالم.

 

وفي ختام كلمته، أعرب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي عن شكره لحكومة وشعب روسيا ووزارة الثقافة الروسية على استضافة هذا الحدث وإتاحة فرصة للحوار بين الشعوب والثقافات، معربًا عن أمله في أن تسهم الدورة الثانية عشرة للمنتدى الدولي للثقافات المتحدة في تعزيز التعاون الثقافي وحماية التراث المشترك للبشرية.

 

«ثقافات متحدة، قيم مشتركة»

 

يحمل المنتدى الدولي في دورته الحالية شعار «ثقافات متحدة، قيم مشتركة»، وبحسب منظمي المنتدى، يتناول برنامج الدورة الثانية عشرة القضايا الرئيسية المطروحة على جدول أعمال الثقافة المعاصرة، بدءًا من حماية التراث الثقافي وتطوير التعاون الإنساني الدولي، وصولًا إلى تأثير التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الثقافة والصناعات الإبداعية.

 

وكانت نائبة رئيس الوزراء الروسي ورئيسة اللجنة المنظمة للحدث الدولي، تاتيانا غوليكوفا، قد أعلنت في وقت سابق مشاركة أكثر من 2500 مسؤول وناشط في المجال الثقافي من دول مختلفة في هذا الحدث، مشيرة إلى أن وفودًا رسمية من 44 دولة تشارك في المنتدى.

 

وأضافت غوليكوفا: إن المنتدى الدولي سيناقش مجموعة واسعة من الموضوعات، من بينها دور الثقافة والسيادة الثقافية للشعوب في عصر التحول في النظام العالمي.

 

منتدى الثقافات المتحدة في سان بطرسبورغ

 

أُقيم المنتدى الدولي للثقافات المتحدة في سان بطرسبورغ للمرة الأولى عام 2012، وأصبح الحوار والتعاون في مجالي الثقافة والفن، وتبادل الآراء بشأن القضايا الناجمة عن التحولات في المشهد الثقافي المعاصر، من أبرز محاور هذا الحدث خلال السنوات الأخيرة.

 

ويضم برنامج الدورة الثانية عشرة، التي تختتم أعمالها غدًا السبت، عشرة محاور موضوعية، يشكل كل منها منصة للحوار المهني وصياغة مبادرات عملية تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في المجالين الإنساني والثقافي.

 

وتشمل المحاور الموضوعية لفعاليات المنتدى: «الثقافة الموسيقية»، و«السينما»، و«الثقافة الإعلامية»، و«المتاحف»، و«مسار الثقافات المتحدة والتقنيات نحو المؤشرات الثقافية المستقبلية»، و«السيادة الثقافية في القرن الحادي والعشرين»، و«التراث الثقافي: التقاليد والحداثة»، و«السيرك»، و«المسرح»، و«التعليم في مجال الثقافة».

 

وكان وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، قد توجه يوم الخميس إلى سان بطرسبورغ، بعد توقف قصير في موسكو لدى وصوله إلى روسيا، للمشاركة في الدورة الثانية عشرة للمنتدى الدولي للثقافات المتحدة وإجراء مباحثات ثنائية مع نظيره الروسي.

 

ومن المقرر أن تُفتتح فعاليات الأيام الثقافية الإيرانية في روسيا رسميًا يوم الاثنين في موسكو، خلال مراسم خاصة بحضور وزيري الثقافة في البلدين. وبعد موسكو، تستضيف مدينتا قازان وأستراخان أيضًا فعاليات مرتبطة بالأيام الثقافية الإيرانية في روسيا.

 

المصدر: الوفاق