عبير شمص
وفي هذا السياق، أجرت صحيفة الوفاق مقابلة مع عضو المجلس المركزي في حزب الله، الشيخ حسن البغدادي، استعاد خلالها محطات من مسيرة السيّد حسن نصر الله(قدّس سرّه)، وتوقّف عند علاقته بإمام الأمّة الشهيد ومكانته الخاصة لديه، ودوره في ترسيخ مفهوم وحدة الساحات. كما تحدّث عن الشهيد السيّد هاشم صفي الدين(قدّس سرّه) ومسيرته وموقعه في بنية حزب الله، مقدّماً شهادات ووقائع حول شخصيتين ارتبط حضورهما بمراحل أساسية من مسيرة المقاومة.
من الإمام الخميني إلى السيّد القائد؛ علاقة استثنائية بدأت مبكراً
أكد الشيخ البغدادي أن العلاقة التي جمعت سماحة شهيد الأمّة السيد حسن نصر الله بسماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، حملت مستويات متعددة ومتفاوتة، وإن كان يجمعها عنوان واحد، هو الذوبان في هذه الشخصية العظيمة.
وأشار إلى أن السيد حسن، منذ البداية، هو من المدرسة التي تنتمي إلى الجهاد والدفاع والتضحية والعمل المقاوم في سبيل خدمة الدين والإسلام، ولم يكن ينتمي إلى المدرسة التقليدية التي ربما يرى بعضها أن الانتظار هو الخيار الأفضل، انتظار الفرج من صاحب العصر والزمان(عج)، أو أنه يسكت على قاعدة الصبر والتحمل إلى أبعد حدود.
وقال الشيخ البغدادي: أن السيد نصر الله، منذ اليوم الأول، ومنذ بداية شبابه، ومنذ تأثره بالإمام السيد موسى الصدر، ومنذ اللحظة التي برز فيها فجر الجمهورية الإسلامية في إيران على يد مفجرها الإمام الخميني(قدّس سرّه)، في تلك اللحظات كان السيد نصر الله أكثر ذوباناً في هذه الثورة ومبادئها وولاية الفقيه والثورة وامتداداتها. وأوضح أن هذا الأمر كان قائماً قبل أن يكون الإمام الشهيد قائداً للثورة، إذ كان حينها للإمام الخميني، وعندما ارتحل الإمام وجاءت قيادة السيد القائد، كانت العلاقة على المستوى الشخصي بينهما حميمة.
وتابع قائلاً: إن العلاقة نشأت في عهد الإمام الشهيد، كانت علاقة قوية ومتينة، جمعت بين الحب والمودة والانتماء العقائدي والفكري، لأن إمام الأمّة كان امتداداً لمدرسة الإمام الخميني في كل ما يتعلق بولاية الفقيه أو بقضايا الثورة الإسلامية وامتداداتها على مستوى المنطقة، أي الدفاع عن قضية فلسطين أو قضية المقاومة بشكلٍ عام، وحمل لواء المستضعفين ودعمهم، والدفاع عن قضايا العرب والمسلمين.
ولفت إلى أن هذه القضايا كانت من أولويات الثورة، ولذلك تصدّى لها الإمام الشهيد، حتى إن بعضاً من هذه الملفات كان يحملها عندما كان رئيساً للجمهورية، وبقيت معه حين أصبح ولياً للفقيه. ومن أجل ذلك، بقيت العلاقة وطيدة وتعمقت أكثر بينهما حينما أصبح الإمام الشهيد هو القائد والمرشد. وأكد الشيخ البغدادي أن العلاقة التي جمعت بين السيد حسن نصر الله والإمام الشهيد كانت علاقة استثنائية تتجاوز أي علاقة أخرى.
وأوضح أن السيد القائد كان يتحدث عن حزب الله والمقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية، ويتبنى قضايا شعوب المنطقة، ويحمل المودة لقادة هذه الفصائل؛ لكن بقيت هناك علاقة استثنائية خاصة مع السيد حسن. واعتبر أن السبب في ذلك يعود إلى نفس السيد حسن، وإلى شخصيته «الكاريزما»، وإلى الأفق الواسع، والذكاء الحاد، والإمكانيات، والعمل المنفتح، والذوبان والتسليم بقيادة السيد القائد من دون أي تردد.
وأضاف: أن هذا ما جعل إمام الأمّة يبادله الشعور نفسه. وبالتجربة، ومع مرور الأيام والشهور والسنوات، كان السيد حسن يثبت أكثر وأكثر قدراته وإمكاناته الفكرية والعقلية والعملية في إدارة مشروع المقاومة في لبنان، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت هذه العلاقة تتطور عبر تطور السيد حسن في أدائه وعمله، بحيث إن الإمام الشهيد في إيران بدأ يعطيه مهام إضافية غير العمل الجهادي داخل لبنان.
«القائد العربي»؛ رؤية تجاوزت حدود لبنان وحزب الله
وأشار الشيخ البغدادي إلى أن علاقة السيد حسن مع إمام الأمّة انرسمت في صورة علاقة أب بابن، وعلاقة الأخ الأكبر بالأخ الأصغر، وعلاقة القائد الذي يرى في هذا الابن روح القيادة ونفسها، بحيث كان يعبّر عنه بـ«القائد العربي».
وقال: أن السيد القائد لم يكن يتعاطى مع السيد حسن كمجرد «أمين عام لحزب الله في لبنان» أو قائد مقاومة في لبنان، بل كان يرى أنه بالمنحى العربي والإسلامي يستطيع السيد حسن أن يكون قائداً عربياً وهو الأكثر حضوراً، والأكثر إمكانيات، والأكثر قدرة على إيصال الفكرة إلى الشعوب العربية، لما منحه الله له من كاريزما وإمكانيات خاصة وذكاء حاد. وأكد أن هذه العناوين صرفها السيد حسن في استنهاض شعوب المنطقة، مشيراً إلى أن السيد حسن كان يمتلك كاريزما وقدرة على جعل حتى الأعداء يعتقدون بمصداقيته ويشككون في كلام مسؤوليهم، بحيث باتوا ينظرون إليه على أنه «الصادق الأمين»، وأنه أصدق من مسؤوليهم الذين يكذّبون، بينما السيد حسن لا يكذب. ولفت إلى أن المجتمعات العربية التي كانت تختلف مع حكّامها، كان هؤلاء الحكّام ينزعجون من خطاب السيد أكثر من بندقية الذين يختلفون معهم.
وقال الشيخ البغدادي: أنه من هنا نكتشف أن العلاقة التي جمعت إمام الأمّة بالسيد حسن تجاوزت المفهوم الذي نؤمن به بأن السيد حسن يعتقد بولاية الفقيه. وأوضح أن هذا من حيث المبدأ، فكل حزب الله يعتقد به، وكثير من الناس يعتقدون به؛ لكن ليس كل مَن اعتقد به امتلك القدرة والإمكانيات والكاريزما التي تؤهله لكي يكون القائد المحوري والمعبر عن كل هذه العناوين والقضايا. وأضاف: أن العلاقة التي جمعت بينهما تجاوزت الإيمان بولاية الفقيه، فالإمكانات التي امتلكها السيد حسن جعلت الإمام الشهيد ينظر إليه على أنه الرجل المتميز عن الآخرين، والذي يمكن أن تُعطى إليه مهام كثيرة ويستطيع القيام بها ببساطة.
ولفت الشيخ البغدادي إلى أن الناس لا تنظر إلى السيد حسن كمجرد قائد أو مسؤول أبداً، وإنما تنظر إليه، مضافاً إلى ذلك، بأنه الأب، وأنه الأخ، وأنه الصديق المخلص، وأنه بخسارته سوف يخسرون معه آمالهم وأحلامهم ومشاعرهم وكل شيء من حولهم. وقال: أن الناس كانوا يبكون عليه ليس كمسؤول، كما بكوا على بقية المسؤولين، وإنما بكوا عليه لهذه الصفات والمواصفات، مؤكداً أن هذه نفسها كانت مع إمام الأمّة.
وأوضح أن إمام الأمّة، عندما كان يأتي السيد حسن إلى إيران، كان يرتاح ويهدأ، وقد كان يُعبر للبعض أنه عندما يكون السيد حسن في إيران أكون مطمئناً. وأشار إلى أنه لا يُعرف ماهية هذا الاطمئنان، هل هو مطمئن من أجل سلامته أم على المسيرة؛ لكنه اعتبر أنه كان مطمئناً على كل العناوين، وحتى على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى حزب الله وعلى كل شيء. وتابع قائلاً: في يومٍ ما سأل الإمام الشهيد أحد الأشخاص الذين زاروه من لبنان ذات يوم: ما هو عملك؟ فقال: أنا أعمل في مكتب السيد حسن. فقال له: أنت ترى السيد حسن؟ فهنيئاً لك. وأوضح أن إمام الأمّة كان يرى أن رؤية الإنسان للسيد والجلوس معه تميز وبركة ومنّة من الله(عزّوجلّ). وأكد أن إمام الأمّة الشهيد كان ينظر إلى السيد حسن بالعقل والمنطق والإدارة والعاطفة.
من أمين عام حزب الله إلى شخصية محورية في محور المقاومة
أمّا فيما يتعلق بكونه كان لمحور المقاومة أكثر من أمين عام لحزب الله، فأشار الشيخ البغدادي إلى أنه يذكر شيئاً سمعه قبل يومين من عضو مجلس سياسي في حركة أنصار الله اليمنية، مفاده أنهم تأثروا بشخصية السيد حسن وبحزب الله، وتمكّنوا من النهوض ومراكمة الإمكانيات والقدرات، وذلك من خلال مدرسة السيد وشخصه وحزب الله، وقال: هذا كلامهم، وكذلك نسمعه يقال في فلسطين، وفي العراق، حتى في إيران.
وأوضح أن السيد حسن لم يكن مجرد أمين عام لحزب، بل تحول بشكلٍ وجيز وسريع، وخصوصاً بعد الانتصار المدوي في حرب تموز 2006 في لبنان، والذي سبقه الانتصار الإلهي في العام 2000 وشهادة ابنه السيد هادي. وأكد أن كل هذه كانت تراكمات جعلت من السيد حسن شخصية محورية. وأضاف: أذكر هنا أني سمعت من العميد مصطفى حمدان، الذي كان يعمل في القصر الجمهوري في لبنان مع رئيس الجمهورية اللبنانية في حينها إميل لحود، عندما جاء الأخير وبصحبته مصطفى حمدان لتقديم العزاء للسيد حسن بشهادة ابنه، أن الرئيس لحود قال له في طريق العودة من تقديم العزاء: «هذا الحزب سينتصر والمقاومة ستنتصر»، وأشار إلى أن ذلك كان قبل تحرير عام 2000.
وتابع موضحاً أن السبب الذي دفع الرئيس لحود إلى قول ذلك، هو أن قائداً يقدّم ابنه في الخطوط الأمامية، ويستشهد، والعدو يأخذ جثته، ويصمد ويصبر، ولم يكن ابنه في جامعات أوروبا أو الجامعات العربية أو الجامعات اللبنانية أو يعيش الرفاهية، وكان بإمكانه ذلك؛ لكنه لم يفعل، وإنما كان ابنه في الجبهات ،فهذا الحزب وهذه المقاومة ستنتصر.
وأشار الشيخ البغدادي إلى أن هذه اللحظات بدأت تتكوّن فيها صورة عن حزب الله، وبالتحديد عن السيد حسن نصر الله، وأن هذا السيد له مستقبل وأن له حضوراً، وقال: أن الناس بدأوا يتفاعلون معه، حتى الذين كانوا يختلفون مع حزب الله في لبنان أو على خصومة معه، جاءوا ليقدموا العزاء، ولم يتمكنوا من الابتعاد عن هذا المشهد، مؤكداً: «هذا أنا رأيته شخصياً». ولفت عضو المجلس المركزي في حزب الله إلى أن السيد حسن نصر الله، مع تراكم هذه الانتصارات، جعلت من شخصيته شخصية محورية، خصوصاً في خطاب بنت جبيل الذي كان بعد التحرير في 25 أيار/ مایو 2000، عندما أهدى هذا الانتصار إلى اللبنانيين جميعاً وإلى العرب والمسلمين. فکل ذلك جعل كل الذين يبحثون عن حزب الله يتطلعون إلى قدرات هذا السيد الشاب، إلى هذا الأمين العام، وأن له مستقبلاً، وأن خطابه يختلف عن بقية الأحزاب وعن بقية المقاومات وعن بقية القوى.
وأضاف الشيخ البغدادي: أن السيد حسن، منذ ذلك اليوم، بدأ يعيش حالة محورية، وبات الجميع يرجع إليه، أي بات كل مَن يريد أن يتعاطى الشأن المتعلق بالمقاومة يرجع إليه. وأكد أنه أثبت، عبر أدائه، إن كان في العمل الجهادي أو في السياسة الداخلية اللبنانية، كيف كان يدير الأزمات ويبتعد عن الفتن الداخلية، وكيف يستوعب حتى الأعداء، وكيف يفوّت الفرص، وكيف يعمل على كي الوعي وكيف يستنهض. واعتبر أن هذه كلها كانت عناوين واضحة تدلل على أن هذه الشخصية شخصية مختلفة عن بقية الشخصيات. وتابع: أن هذه الصورة كانت تنعكس في داخل إيران عند المسؤولين، خصوصاً عند الإمام الشهيد، ما جعل الأنظار تتجه إليه، بحيث بات يكلف بملفات على مستوى المنطقة. وأوضح أن السيد القائد بدأ يخاطبه بـ«السيد القائد العربي»، وهو القائد للأمّة الإسلامية.
وهنا يتسائل الشيخ البغدادي أنه كيف يخاطب إمام الأمّة شاباً، سيداً، أميناً عاماً لحزب، ويقول له: «أنت القائد العربي»، ولم يقل هذا لغيره؟ وأكد أن ذلك، يعود إلى أنه رأى فيه أهلية لأن يكون زعيم محور، وأن يكون قائداً ملهماً، وأن يكون قائداً مستنهضاً.
وحدة الساحات؛ علاقة تجاوزت الدعم السياسي والعسكري
وأشار الشيخ البغدادي إلى أن العلاقة التي جمعت بينهما لم تكن تقف عند حدود المقاومة، بمعنى أن ما يحتاجه حزب الله من سلاح أو مال أو دعم معنوي أو سياسي تقدّمه إيران أو يقدّمه سماحة القائد في إيران، لم يقف عند هذه الحدود. وأوضح أن هذا كان يمكن أن يقوم به أي مسؤول في داخل إيران، في القيادة العسكرية أو السياسية، ويتعاطى مع حزب الله وتنتهي المسألة، ولا يحتاج الأمر إلى القائد؛ لكن لماذا كان القائد؟ ولماذا كان السيد نصر الله؟ لأن الموضوع كان أكبر من هذا الترابط، ومن هذه العلاقة. فالعلاقة مع السيد نصر الله كانت تتجاوز العلاقة السياسية أو العلاقة بموضوع المقاومة فقط، وإنما كانت هناك رؤى استراتيجية محورية تتعلق بالإقليم، بمحور المقاومة، وبالساحات المتعددة وبظروفها. وأضاف: أن فكرة وحدة الساحات نشأت منذ ذلك الوقت، مشيراً إلى أن هذه الوحدة كانت تحتاج إلى رابط يجمع بينها، وكان السيد حسن نصر الله هو هذا الرابط، إذ استطاع، بخطابه وذكائه وأدائه وإدارته للملفات المتعددة في مختلف الساحات، أن يوحّدها ويجعل منها وحدة متماسكة في الميدان.
ولفت إلى أن العدو الصهيوني، عندما قرأ في ملف السيد حسن نصر الله وقدرته على التأثير في داخل إيران وفي داخل كل هذه الساحات، لم يجد بديلاً عن قتله، لأنه كان يعتبر أن قتله سوف يفكك هذه الساحات.
وأوضح الشيخ البغدادي أن هذا الأمر ظهر بعد استشهاد السيد حسن، وكانت معركة الـ24 بعد عملية «طوفان الأقصى» وسقوط سوريا، حينها اعتقد العدو الأمريكي – الصهيوني أن وحدة الساحات انتهت، وأن محور المقاومة تفكك وهو في طريقه إلى الزوال. وأضاف: أن حتى في الداخل اللبناني، بعض المسؤولين في السلطة السياسية اعتقدوا ذلك، وكانت تعمل على ذلك، بينما ثبات حزب الله وقدرة الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم(حفظه الله)، على إدارة المقاومة، ووقوف إيران وصمودها في وجه العدوان الأمريكي في حزيران، 12 يوماً أو في حرب رمضان، بدأت معها وحدة الساحات تستعاد مجدداً وبدأت تتبلور. وذلك كان خصوصاً في مذكرة التفاهم في إسلام آباد، التي وضعت إيران فيها جبهة المقاومة، خصوصاً لبنان، في البند الأول، فبدأت تستعاد فكرة وحدة الساحات.
وأردف الشيخ البغدادي قائلاً: أذكر هنا حادثة نقلها لنا السيد حسن في جلسة من الجلسات كنت حاضراً فيها شخصياً. وأوضح أن السيد حسن قال إنه ذات يوم ذهب إلى إيران وكان متعباً جداً، وكان يدور في ذهنه أن يتخلى عن الأمانة العامة لحزب الله ويطلب من الإمام الشهيد أن يكلف أحداً غيره. وعندما جلس معه، أخبره همومه ورغبته، وعندما سمعه ابتسم وقال له: «أنت مسؤوليتك أمام مسؤوليتي صغيرة، أنا مسؤول عنك وعن الكل وعن إيران».
وأضاف أنه في بعض الأحيان كان يصل إلى طريق مسدود في الداخل الإيراني، ويختلفون على أمور ولا يعرفون أين يذهبون، هل يذهبون باتجاه اليمين أم باتجاه الشمال، وربما لو ذهبوا بهذا الاتجاه يكون فيه هلاك إيران، أو ذهبوا بهذا الاتجاه يكون فيه هلاك إيران. فحينها كان يذهب الإمام الشهيد إلى إحدى المساجد أو إحدى المقامات، ويبكي ويتضرع ويطلب من الله أن يختار لهم، وبعد ساعة أو ساعتين في الليل، يلقي الله في قلبه أن يذهب بهذا الاتجاه، فيفعل ذلك، ويكتشفون لاحقاً أن هذا هو الصحيح وهذا هو المنقذ لهم.
وتابع: أنه قال للسيد حسن: «أنت أيضاً في حالات الصعاب، في الشدة وفي الفتن، توجه إلى الله، اذهب إلى مسجد، إلى مقام، اجلس هناك ساعتين، ثلاث، ابكِ، تضرَّع، صلِّ، اقرأ القرآن، ادعُ الله، فعندما يطّلع على إخلاصك وعلى ثباتك سوف يلهمك، وتذهب باتجاه ما يلهمك المولى».
وأكد الشيخ البغدادي أن السيد حسن قال بعد هذه الجلسة: «شعرت كأنني ولدت مجدداً، كأنما أصبح لدي عزيمة جديدة وحضور جديد، وبدأت أشعر أن هناك مسؤولية ملقاة على عاتقي». ولفت الشيخ البغدادي إلى أن السيد حسن، الذي كان دائماً يعشق الشهادة، كان في بعض الأحيان يقول: «الآن ربما لا أرى أن الشهادة تكون في محلها، بقائي ضروري الآن في هذه المرحلة، لأن حزب الله ومحور المقاومة بحاجة إلى وجوده، بحاجة إلى أدائه وعمله». وأوضح أن هذه الروحية أتت من العلاقة المميزة التي توثقت بينهما، مؤكداً أن إمام الأمّة كان يحب السيد حسن كثيراً، وكان دائماً يسأل عنه لأي شخص يأتي من لبنان لزيارته.
السيّد هاشم صفي الدين؛ شخصية حملت مواصفات القيادة والاستمرار
وفيما يتعلق بالسيد هاشم صفي الدين، أشار الشيخ البغدادي إلى أن هذا الرجل عالم فاضل، ذكي، لامع، مجاهد، مخلص، صابر، قضى عمره بالجهاد وبخدمة الناس، وبالتالي كان يبحث عن مرضاة الله(عزّوجلّ). وأوضح أن السيد هاشم صفي الدين لم يكن يريد أن يرجع من مدينة قم المقدسة بهذه السرعة، وكان مستأنساً بالبقاء في إيران؛ لكن الذي سمعه شخصياً من سماحة السيد حسن، هو أنه طلب من السيد هاشم ومن الشيخ نبيل قاووق في بدايات التسعينات من القرن الماضي أن يتركا قم المقدسة ويعودا إلى لبنان ليعملا داخل التنظيم في حزب الله. وأضاف: أنه بالفعل بدأ السيد هاشم صفي الدين يتدرج بسرعة قياسية، حتى وصل إلى عضو شورى واستلم رئاسة المجلس التنفيذي. وفي هذا الموقع، كان يقدّم خدمات كبيرة لحزب الله ولمحور المقاومة، وينسج علاقات أساسية مع قادة المحور، وفي الوقت نفسه كان يبحث عن حل مشاكل الناس وهمومهم ومساعدة الفقراء، وكان هذا ما يحرص عليه.
وأكد أن السيد هاشم كان بالنسبة إلى السيد حسن اليد اليمنى والعضد الذي يعتمد عليه في كل أموره، ولهذا لم يعد يفكر السيد كثيراً في موضوع التنظيم، وما يخص المناطق والوحدات والملفات، لأنه كان يرى أن هناك شخصاً أميناً وذكياً وقادراً على المتابعة، وبالتالي حمل عن السيد نصر الله هماً كبيراً.
وأوضح الشيخ البغدادي أن هذه المواصفات وهذا الموقع أهّلاه، بطبيعة الحال، لأن يكون الشخص الذي يرث موقع أمين عام حزب الله، وفيما لو تعرّض سماحة السيد حسن إمّا لشهادة أو موت طبيعي، كان من الطبيعي أن يكون السيد هاشم هو مَن يحل مكانه. وأضاف: أن هذا كان موجوداً في أوساط في الجمهورية الإسلامية وفي بيت القائد، وحتى إن السيد هاشم احتل مكانه عند قائد الجمهورية الإسلامية الإمام الشهيد. فقد جمعت علاقة متينة بين بيت القائد والمسؤولين في الجمهورية الإسلامية وبين السيد هاشم صفي الدين، مؤكداً: «هذا ما كنّا نلمسه نحن».
وأشار عضو المجلس المركزي في حزب الله إلى أنه بعد شهادة السيد حسن نصر الله، كان من الطبيعي أن السيد القائد هو مَن يعيّن نائباً عنه في حزب الله، الذي هو الأمين العام، وكان بعد التشاور مع الأعضاء وبعد سير الأمور بشكل طبيعي، لابدّ من تأييد السيد القائد. وقال: أن السيد هاشم صفي الدين عُيّن بعد شهادة السيد حسن نصر الله في 27 أيلول/ سبتمبر أميناً عاماً لحزب الله؛ ولكن لم تطل أيامه بسبب العدوان الصهيوني الذي استهدفه بعد فترة قصيرة، واستشهد سماحته.
واعتبر الشيخ البغدادي أن السيد هاشم كان يحمل مواصفات قريبة جداً، إن لم نقل نسخة طبق الأصل، عن السيد حسن في تفكيره، وفي تعاطيه، وفي روحيته، وفي اعتقاداته، وفي إيمانه واعتقاده بولاية الفقيه. وأوضح أنه عندما كانوا يتحدثون عن بعض الأشخاص، إن كانوا في إيران أو خارجها، الذين ربما خرج بعضهم عن مسار ولاية الفقيه، كان السيد هاشم يتعجب من ذلك، ويرى أن هؤلاء كانوا يرتكبون خطأ كبيراً وإثماً عظيماً لأنهم خرجوا عن طاعة الولي الفقيه.
وأضاف: أن السيد هاشم كان يرى أن الخروج عن طاعة الولي الفقيه فيه إثم عظيم، وفيه خروج عن المسار الديني، ولذلك كان يرى في السيد القائد الولي، ونائب الإمام المعصوم(عج)، والذي يجب علينا طاعته، ولا يجوز التشكيك في أي شيء يصدر عنه. وأكد أن هذا كنت أنا أسمعه، وكنت ألمسه، وكنت أراه، وكان واضحاً في مسار السيد هاشم صفي الدين.
فقدان القادة؛ توقيت إلهي لا يكسر مسار المقاومة
وفيما يتعلق بتأثير فقدانهما على محور المقاومة، يرى الشيخ البغدادي أنه إذا نظرنا إلى تسلسل الأحداث، كيف أن الله حفظهما طيلة عشرات السنين، رغم تعرضهما للعديد من محاولات الاغتيال، فهذا يكشف عن أن الله (سبحانه وتعالى) هو الذي يختار التوقيت المناسب، ولكل إنسان أجل، يأتي أجله، يستشهد، يموت، ينتهي، ويكون التوقيت المناسب من الله(عزّوجلّ).
وقال: إذًا، نحن عندما نقرأ اليوم في توقيت شهادة السيد حسن نصر الله أو شهادة إمام الأمّة، من حيث المبدأ نشعر بالخسارة التي لا تعوّض، وبالألم الذي ليس له مسكن؛ لكن في الوقت نفسه نشعر أن هذا التوقيت هو التوقيت المناسب لهذا الاختيار، وأن الله اختار السيد حسن في توقيت مناسب له، مناسب للمقاومة، مناسب لحزب الله.
وأشار الشيخ البغدادي إلى أنه عندما نرى شهادة الإمام الشهيد في إيران اليوم، نراه في هذا المناسب.
أولًا، المستفيد الأول من هذه الشهادة هو شخص السيد القائد.
ثانيًا، بركات هذه الشهادة جاءت بقائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الخامنئي، ويعدّ رداً قوياً وصفعةً مدوية بوجه الأعداء جميعًا، وحدت الداخل، وآزرت عوائل الشهداء، وأعطت قوةً لإيران.
وأوضح أنه إذًا، لم تكن شهادته انكساراً لإيران، بل أعطتها قوةً وعزيمةً، وجعلت كل الإيرانيين اليوم يتحدثون عن الثأر لدم هذا الشهيد القائد.
وقال: أن سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله لم تكسر شهادته حزب الله، بل قاتل الحزب بشراسة بالرغم من غياب السيد حسن، ولم يتمكن العدو من تحقيق أهدافه في الحربين اللتين شنهما على لبنان ومقاومته.
وأضاف: أنه في حربين كبيرتين خاضهما العدو، قتل ودمر؛ لكنه لم يحقق أهدافه، إذًا شهادة السيد حسن نصر الله لم تكسر الحزب ولا المقاومة، ولم تفكك المحور، بل أيضًا أعطت مجددًا قوةً لهذا المحور، وبدمه إن شاء الله سوف ننتصر بالمستقبل، وسيبقى محور المقاومة في ذمته مسؤولية الثأر لدم الشهيدين، إمام الأمّة والسيد حسن نصر الله، ولكل الشهداء.
