رسالة قائد الثورة بمناسبة «أسبوع الدفاع المقدس» والذكرى السنوية الثانية لإستشهاد السيد حسن نصر الله

قائد الثورة الإسلامية: هم [الأعداء] اليوم، وبسبب الضربات الموجعة التي تلقّوها من المجاهدين الشجعان وحماة مضيق هرمز، لم يعودوا يتقدمون إلى ما بعد بحر العرب.. وقريبًا سيأتي اليوم الذي يخلو فيه بحر العرب منهم أيضًا.

و فيما يلي‌ نص رسالة قائد الثورة الإسلامية:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}

 

تُذكّرنا الأيام الأولى من شهر مهر (21 أيلول/سبتمبر – 21 تشرين الأول/ أكتوبر) بـ«أيّام الله»، وبالظاهرة العظيمة والخالدة المتمثلة في الدفاع البطولي الذي خاضه الشعب الإيراني على مدى ثمانية أعوام في الحرب المفروضة الأولى. في تلك الأيام، كان الدفء المنبعث من شمس الثورة يسطع على امتداد أرض إيران، ينشر شعورًا عذبًا بالتلاحم الوطني والوفاء لمدرسة الإسلام الثوري ومنهجه، وكان الجليد الذي خلّفته الهيمنة والاستعمار القديم والحديث يذوب تحت تأثيره.

 

 

كان بعض أبناء الشعب الإيراني يومها يستحضرون ذكريات ما حدث قبل أكثر من عشرين عامًا، وما فعله المستعمرون من عداء، والأحداث المرتبطة بتأميم صناعة النفط والانقلاب الأمريكي. وكان بعضهم الآخر قد سمع أخبار تلك الأحداث، فيما لمس كثيرون منهم من قرب ما جرّته هيمنة الأجنبي على شؤون بلادنا من ويلات.

 

 

أما الأيام التي سبقت ذلك، فكانت أيامًا حالكة، كان فيها سفراء الدول المستكبرة يُملون على ملك البلاد ما ينبغي وما لا ينبغي، فينفّذ ما يُملى عليه، راغبًا كان أم كارهًا، إلى أن جاءت ثورة الشعب الإيراني العظيمة بقيادة سماحة الإمام الخميني (قدّس سرّه) فقلبت ذلك الواقع رأسًا على عقب. وهكذا تحوّلت تلك الأيام المظلمة، بفعل الثورة، إلى أيام مشرقة شهدت إقامة جمهورية إيران الإسلامية.

 

 

لقد كان ذلك أمرًا بالغ الوطأة على المهيمنين الذين طمعوا في ثروات هذه الأرض، وارتكبوا طوال سنوات شتى صنوف السوء بحق أهلها للاستيلاء عليها. لذلك سخّروا، منذ ذلك الحين، كل دأبهم وجهدهم لإعادة مجرى النهر الهادر للشعب الثوري إلى مساره السابق، وكانت الحرب المفروضة الأولى أهمّ تحرّك لهم في العقد الأول من العمر المبارك للجمهورية الإسلامية.

 

 

ومن قلب نيران تلك الحرب، التي أشعلها حزب البعث المعادي للشعب متوهمًا أنها ستكون حربًا تستغرق بضعة أيام وسيحقق فيها نصرًا قليل الكلفة، نهض النظام الإسلامي، كطائر الفينيق، أشدّ قوةً وأقوى شكيمة من ذي قبل، بصوت أعلى وتحليق أرفع من السابق؛ لتغدو هذه سمةً مستمرة لهذا النظام في الأحداث اللاحقة التي حاكها العدو.

 

 

تلك الأيام التي كان فيها عدو هذا الشعب قد سلّط عليه عملاءه، وفرض عليه شكلًا حديثًا من الاستعمار، تحولت ببركة الثورة ورفع راية الإسلام والجهاد في خضم الحرب المفروضة، إلى أيام مجيدة. وبعد مرور 38 عامًا على انقضائها، لا تزال تفاصيل أحداثها والروايات الصادقة للعائدين منها تُظهر لنا أسواتٍ، كل واحد منهم مدرسةٌ في العبادة والشجاعة والمقاومة والأخلاق والإنسانية، يتلألؤون كالنجوم على هامة تاريخ بلادنا.

 

 

وتلك الأيام التي ورث فيها بلدنا، عند بداية اعتداءات أتباع نظام الهيمنة، أيديًا خالية من عهد النظام الطاغوتي، ليواجه بها تهديدات كثيرة ويدافع عن نفسه، قد أفضت، ببركة إقامة الحقّ والمدد الإلهي، إلى أيام بات فيها المهيمنون المعتدون أنفسهم، لا أتباعهم، يبحثون عن ملجأ يحتمون به من هجمات مجاهدي الإسلام، ويمدّون يد التوسل لوقف الحرب.

 

 

أما الأيام التي يريدون إعادة بلادنا إليها، فكانت مليئةً بالتخلّف والذل والهوان والتبعية وسوء اعتبار إيران في العالم الإسلامي؛ في حين أن أيامنا هذه زاخرة بالتقدم والعزة والاستقلال، وبأعلى درجات المكانة والاعتبار في العالم الإسلامي، بل في العالم أجمع. واليوم، ثمة من يعدّنا القوة العظمى الرابعة في العالم. وبالطبع، هؤلاء يقولون ذلك استنادًا إلى الحسابات الدنيوية؛ أما الحسابات الإلهية، فترى أنّ البلد الذي يعدّ نفسه منتميًا إلى العترة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وتتعلق قلوب غالبية أبنائه بأولئك العظام، ولا يخشون إقامة الحق، هو القوة الأولى في العالم.

 

 

في تلك الأيام، كان بحرا جنوب إيران ساحةً تجول فيها قوات العدو، أما اليوم، فبسبب الضربات الموجعة التي تلقّوها من المجاهدين الشجعان وحماة مضيق هرمز، لم يعودوا يتقدمون إلى ما بعد بحر العرب، وكلما خاطروا وأقدموا على ذلك ألحقوا الضرر بأنفسهم؛ وقريبًا سيأتي اليوم الذي يخلو فيه بحر العرب منهم أيضًا.

 

 

كانت ثمة أيام تمكّن فيها المهيمنون، بالحروب النفسية وخلق أجواء الترهيب، من إخلاء شوارع العاصمة وشنّ انقلاب على تطلّع هذا الشعب نحو الاستقلال، ثم نهبوا ثروات هذه البلاد على مدى 25 عامًا. أما اليوم، فقد مضت سبعة أشهر وأبناء وطننا يزيّنون الساحات والشوارع في مختلف أنحاء البلاد بحضورهم المسؤول والحماسي، لتبقى قلوب مجاهدي الإسلام مطمئنةً ويغرق العدو في الخوف. وكذلك أعلن أكثر من 30 مليون إيراني استعدادهم للتضحية بأنفسهم، وعندما طُلب منهم تجديد إعلان حضورهم بغرض نوع من التنظيم، اكتمل العدد المطلوب، بأكثر من 500 ألف شخص، في الدقائق المئة الأولى فقط.

 

 

والآن، وفي مختلف أرجاء إيران الإسلامية التي تتزيّن بحضور الإيرانيين من مختلف القوميات، تتوالى إعلانات الاستعداد بمختلف أشكالها، ولا سيما الاستعدادات المسلحة، لتصنع ميدانًا يمنحهم المجد، ويلحق بعدوهم العار.

 

 

ثمّة أيامٌ تُعرف فيها شجاعة أبناء هذه الأرض برجالها، أما اليوم، فنعيش أيامًا تسبق فيها النساء الرجال في بعض ميادين الحضور الشجاع.

 

 

وثمّة أيامٌ سعى فيها العدو باستمرار إلى إضعاف الحاضنة الاجتماعية للنظام، أما اليوم، فإنّ مختلف شرائح المجتمع، رغم اختلافاتها الواضحة، تصرّ على التمسك بمواقفها المحقّة، ومنها الحفاظ على مضيق هرمز المفعم بالخير والبركة.

 

 

ويمكن التوسّع أكثر في هذه المقارنة بين الأيام الماضية وأيامنا الراهنة وشرحها، لكنني، بكلمة واحدة، أعلن، بصفتي خادمًا لشعب إيران العزيز، أنّ تلك الأيام الماضية التي يتمنى عدونا إعادتنا إليها قد ولّت، ولن تتكرر أبدًا.

 

 

ولا بدّ لي، بكلّ ألم وحُزن، من أن أذكّر بأنّ حضور الخميني الكبير والخامنئي العظيم الشأن الشهيد (أعلى الله مقامهما الشريف)، اللذين تدين عزّة بلادنا اليوم لقيادتهما، مُفتقَدٌ جدًّا في هذه الأيام. لكن ببركة الكنز الثمين الذي خلّفاه لأتباعهما من سيرتهما وكلماتهما المشرقة والهادية، ستكون الأيام المقبلة، بحول الله، أكثر مجدًا وعظمةً من هذه الأيام. ذلك أنّ طائر الفينيق الذي نهض من كومة نيران الحرب المفروضة الأولى قد تعاظم اليوم، بفعل ضغوط العدو، ولا سيما الحربين المفروضتين الأخيرتين، إلى حدّ بات فيه ظلّ تحليقه يمتد فوق أراضي العدو أيضًا.

 

 

و يجدر بنا حقًّا في هذا المقام، وفي مناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أمير العرب البطل والرمز الكبير لجبهة المقاومة، الشهيد الجليل السيد حسن نصر الله (قدّس الله نفسه الزكية)، أن نستذكر سماحته. ذاك الذي كان يضمر الخير بصدقٍ لشعبه ومدرسته، وكانت خطاباته الصادقة والعذبة ومبادراته الشجاعة تثبّت قلوب أبناء شعبه، بل قلوب أحرار العالم. ذاك الذي رفع اسم لبنان، ذلك البلد الصغير الذي تحوّل لسنوات إلى ساحة خلفية لبعض القوى، إلى مقام العظمة. ذاك الذي كان النصر والفتح رفيقَيه الدائمَين، وكان، بلا شك، طوال تاريخ بلاد الشام كلّه وحتى يومنا هذا، وبعد الأنبياء وأوصيائهم، رجلًا لم ينهض في تلك الأرض العريقة رجلٌ يماثله عظمةً.

 

 

واليوم، فإنّ رايته المجيدة محفوظة في يدي سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله)، الذي يواصل السير على نهجه بشجاعة، في طليعة الصفوف الراسخة والعاشورائية لـ«حزب الله».

 

 

إنّ أيام لبنان هذه، في ميزان التاريخ، بل ومنذ الآن، أيامٌ بارزة ومجيدة له ولمجاهدي المقاومة جميعهم، وأيام تأتي بالذل، وستؤول في نهاية المطاف إلى الخزي لأولئك الذين يعلّقون آمالهم على الوعود الكاذبة للمهيمنين والمتربّصين بهم السوء في مواجهة العدو الصهيوني.

 

 

وهؤلاء، خلافًا لسيد المقاومة الشهيد والسيد هاشم صفي الدين ومجاهدي المقاومة الحاليين، الذين سيواصلون التألق عبر الزمن كالنجوم الساطعة، وسيكونون المرشدين للتائهين الباحثين عن السّبيل والواقعين في الحيرة، سيُدفنون ويُنسون سريعًا منذ الصفحات الأولى التي سيقلّبها التاريخ؛ وكلما ذُكروا في المستقبل، سيكون ذكرهم مقرونًا بالسوء وسوء التدبير، وربما بالخيانة أيضًا.

 

 

وفي الختام، يحذوني الأمل، بفضل استمرار الألطاف الإلهية والدعاء الخاص لمولانا (عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأرواحنا فداه)، ألّا يلقى شعب إيران وأنصار المقاومة جميعهم إلا النصر والفتح والعزة، وألّا ينال أعداؤهم إلا الهزيمة والهوان؛ بمنّ الله وكرمه.

 

 

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي
28/09/2026

 

 

 

المصدر: موقع قائد الثورة