لم يعد كيان الاحتلال يواجه مجرد أزمة في صورته أمام العالم؛ بل يواجه أزمة تتجاوز الصورة إلى كلفة متزايدة لسياساته. فالعدوان على غزة والاستيطان في الضفة الغربية لم يعودا قضيتين يمكن احتواؤهما بالخطاب الأمني أو الحملات الإعلامية، بعدما بدأت تداعياتهما تظهر في التجارة والدبلوماسية والمؤسسات والشارع الدولي. القيود على منتجات المستوطنات، والتحركات الأوروبية، واتساع الاحتجاجات في الجامعات والملاعب والمؤسسات الثقافية، تكشف اتساع الفجوة بين الرواية التي يحاول الاحتلال تقديمها وبين الطريقة التي تُقرأ بها أفعاله، فيما شكّل خروج الوفود من قاعة الأمم المتحدة أثناء خطاب نتنياهو مشهداً لافتاً عكس حجم الاعتراض الدولي على سياسات حكومته واتساع الفجوة بين خطابها والمواقف الدولية. كما أن الضغط لم يعد شعبياً فقط، بل بدأ يتحول إلى قرارات حكومية وإجراءات عملية. لذلك لم يعد السؤال كيف يحسن الاحتلال صورته؟ بل إلى أي حد يستطيع مواصلة سياساته بينما تتحول هذه السياسات نفسها إلى مصدر متزايد للكلفة الخارجية؟
من احتكار الرواية إلى فقدان السيطرة عليها
لعقود، امتلك كيان الاحتلال قدرة واسعة على تحديد الإطار الذي تُقرأ عبره أفعاله، وكان الأمن و«حق الدفاع عن النفس» يحتلان موقعًا مركزيًا في الخطاب الدولي المتعلق به. لكن العدوان على غزة غيّر مركز الثقل في هذا النقاش؛ إذ أصبحت صور الدمار والضحايا والنزوح، إلى جانب الاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية، عناصر أساسية في تفسير سلوكه.
ومن هنا تكتسب عبارة أن العالم بدأ يرى كيان الاحتلال “بعيون فلسطينية” معناها السياسي. فالمقصود ليس تبني العالم رواية فلسطينية موحدة، وإنما أن التجربة الفلسطينية أصبحت أكثر حضورًا في تفسير الممارسات الصهيونية. وما كان يُقدَّم طويلًا باعتباره نزاعًا أمنيًا معقدًا بات يُقرأ بصورة أكبر عبر أسئلة الاحتلال والسيطرة والحقوق.
هولندا.. عندما تنتقل القضية من الخطاب إلى الإجراء
الأزمة الهولندية تقدم أوضح مثال على هذا الانتقال. ففي 22 سبتمبر/ أيلول 2026 دخل حظر هولندي على استيراد وشراء وبيع منتجات مصدرها المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيز التنفيذ، مع منع التحايل على القرار وخضوع بعض السلع التي يحملها المسافرون في أمتعتهم للتدقيق الجمركي. والحكومة الهولندية أوضحت أن الإجراء يستهدف منتجات المستوطنات تحديدًا ولا يشمل التجارة مع كيان الاحتلال داخل حدود ما قبل عام 1967.
لكن أهمية الخطوة لا تكمن فقط في حجم التجارة المستهدفة، بل في المبدأ الذي تؤسسه: الاستيطان لم يعد يُعامل في بعض الدول الأوروبية باعتباره تفصيلًا يمكن فصله عن التعامل الاقتصادي، بل أصبح عاملًا يحدد طبيعة بعض العلاقات التجارية. والأكثر دلالة أن كيان الاحتلال رد بسحب الاعتمادات الدبلوماسية من دبلوماسيين هولنديين في رام الله، في خطوة جاءت على خلفية دخول الحظر حيز التنفيذ.
وهكذا انتقل الخلاف من البيانات والتصريحات إلى مواجهة بين قرار اقتصادي وإجراء دبلوماسي مضاد.
كما أن المسألة لم تعد هولندية منفردة؛ فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى نيتها فرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات، في تحرك جماعي يربط بين التوسع الاستيطاني والعلاقات الاقتصادية.
الاستيطان.. من مشروع على الأرض إلى تكلفة خارجية
تكمن أهمية هذه الإجراءات في أنها تضرب فكرة الفصل بين الاستيطان وبين بقية السياسة الصهيونية. فالمستوطنات ليست مجرد نقاط جغرافية؛ إنها مرتبطة بالأرض والموارد والاقتصاد وحركة البضائع، ولذلك فإن إدخال معيار «مكان إنتاج السلعة» في العلاقات التجارية يجعل قضية الاستيطان حاضرة داخل تفاصيل التعامل الاقتصادي نفسه.
حتى عندما يكون الأثر الاقتصادي المباشر محدودًا، فإن التوسع في تطبيقها قد يخلق سابقة سياسية وقانونية: منتجات المستوطنات تصبح قابلة للمعاملة بشكلٍ مختلف. وبذلك تتحول القضية من خسارة تجارية محدودة إلى سؤال أوسع حول كيفية تعامل العالم مع النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات.
الضغط لا يأتي من الحكومات وحدها
لكن التحول لا تصنعه الحكومات وحدها. الاحتجاجات في الشوارع، وحركات المقاطعة في الجامعات، والمواقف في المجال الثقافي والرياضي، كلها تخلق ضغطًا مختلفًا. هذه التحركات قد لا تؤدي منفردة إلى تغيير السياسة الصهيونية، لكنها تؤثر في البيئة التي تعمل داخلها الحكومات والشركات والمؤسسات.
والأهم هو التراكم. فعندما يواجه كيان الاحتلال اعتراضات متزامنة في المجال الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي والأكاديمي، يصبح من الصعب التعامل مع كل حادثة باعتبارها استثناءً منفصلًا. ويصبح السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الضغوط ستظل متفرقة أم ستتحول إلى نمط أكثر استقرارًا في العلاقات مع كيان الاحتلال.
أوروبا.. التحول الأخطر هو تحول الموقف إلى سياسة
تكتسب أوروبا أهمية خاصة لأنها ليست مجرد ساحة للاحتجاجات السياسية، بل شريك تجاري رئيسي لكيان الاحتلال. وقد أعلنت 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وأيرلندا والنرويج والدنمارك والسويد، نيتها اتخاذ إجراءات ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات، فيما كانت بعض الدول قد بدأت بالفعل تطبيق قيود مماثلة.
قد تكون القيمة المباشرة لتجارة المستوطنات محدودة مقارنة بحجم التجارة الأوروبية الصهيونية، ولذلك فإن الأثر الاقتصادي المباشر ليس وحده معيار أهمية هذه الإجراءات. الأهم هو أنها تنقل الخلاف من مستوى «الموقف من كيان الاحتلال» إلى مستوى «شروط التعامل معه». لأن العلاقات الدولية لا تتغير فقط عندما تُقطع العلاقات، بل أيضًا عندما تصبح السياسات موضع شروط وقيود وتدقيق.
الولايات المتحدة.. المسألة الأكثر حساسية
تبقى الولايات المتحدة الحالة الأكثر حساسية لأن العلاقة مع كيان الاحتلال تقوم على شبكة واسعة من التعاون السياسي والأمني والاستراتيجي. ولذلك فإن أي تغير في البيئة السياسية الأمريكية يحمل وزنًا أكبر من الإجراءات التي تتخذها دول منفردة.
ولا يعني اتساع النقاش الأمريكي حول السياسة الصهيونية أن التحالف انتهى، لكن مجرد انتقال العلاقة من مساحة التوافق الواسع إلى مساحة خلاف سياسي واجتماعي أكثر وضوحًا يمثل تحولًا مهمًا. فالدعم الخارجي يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتحول سياسات الاحتلال نفسها إلى موضوع للنقاش الداخلي في الدولة الداعمة.
من أزمة صورة إلى أزمة موقع
لم تعد أزمة كيان الاحتلال مجرد أزمة صورة يمكن احتواؤها بالدعاية، بل تتحول تدريجياً إلى كلفة سياسية ودبلوماسية تتراكم مع استمرار سياساته في غزة والضفة الغربية. فالضغوط لم تعد تقتصر على الاحتجاجات والإدانات، بل انتقلت إلى التجارة والعلاقات الدبلوماسية والإجراءات الحكومية، فيما تتسع الفجوة بين روايته الرسمية وطريقة قراءة أفعالهدولياً. ولا يعني ذلك عزلة كاملة، لكنه يكشف تراجع قدرته على فصل سياساته عن علاقاته الخارجية. ومع تحول هذه السياسات إلى مصدر متزايد للضغط والكلفة، تتجاوز الأزمة حدود الصورة لتطال موقع كيان الاحتلال نفسه في محيطه الدولي.