وفي خضمّ حالة انعدام الثقة هذه، برزت شخصية فوضوية كـ«دونالد ترامب» في منصب الرئاسة بوصفها متغيراً جديداً ضاعف من تعقيدات هذا المسار؛ ليثبت أن مصداقية الدبلوماسية في السياسة الخارجية لا ترتبط بنص الاتفاق فحسب، بل ترتهن أيضاً بالتساؤل حول مدى التزام الحكومات المفاوضة بتعهداتها، وما إذا كانت الآليات القانونية والسياسية والدولية قادرة على صون الاتفاقات في مواجهة تبدل الإدارات وتغير حسابات القوة.
بالنسبة لطهران، أثارت سلسلة التطورات -بدءاً من انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي عام 2018م، وصولاً إلى حرب عام 2026م والانهيار السريع لمذكرة تفاهم إسلام آباد- تساؤلاً جوهرياً: إذا كان اتفاق أُبرم بعد سنوات من المفاوضات، وقبول قيود نووية، وعمليات تفتيش واسعة النطاق وتأكيدات دولية، يمكن نبذه وتجاهله بتغير التوجه السياسي لواشنطن، فما هو الضمان لعدم ملاقاة أي اتفاق قادم المصير ذاته؟
وتتجلى مؤشرات هذا التشكيك بوضوح في تصريحات المسؤولين الإيرانيين؛ فعلى سبيل المثال، صرح الرئيس مسعود بزشكيان، الإثنين الماضي، خلال لقائه وزير خارجية أرمينيا أرارات ميرزويان: «مشكلتنا مع أمريكا تكمن في أنه في كل مرة نأتي فيها إلى طاولة المفاوضات، تُفرض الحرب علينا على الفور. لقد هاجمونا ثلاث مرات حتى الآن في أعقاب الحوار؛ وهو ما يثبت أنهم لا ينشدون الحوار، بل يتمثل هدفهم في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
ولم يكن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مجرد إسقاط لمصداقية توقيع الرؤساء الأمريكيين فحسب، بل كان إفراغاً للمسارات الدبلوماسية من أي اعتبار.
إن قراءة متأنية للأحداث التي تزامنت مع دخول ترامب البيت الأبيض قادرة على تفسير حجم التوجس والريبة الإيرانية تجاه أمريكا وتجاه المسارات الدبلوماسية معها على حد سواء. ويكفي أن نعود إلى عام 2015م وتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بين إيران ومجموعة (5+1)؛ حيث وقّعت أمريكا في عهد باراك أوباما، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والصين، وروسيا ذلك الاتفاق في ظل تأكيدات مسؤولي كافة تلك الدول على أنه يقود العالم نحو بيئة أكثر أمناً ويُعد من أفضل التفاهمات الدولية في القرن الحالي. ومع ذلك، ناصب ترامب منذ مستهل رئاسته هذا الاتفاق العداء، وعمل على إبطال توقيع سلفه، لينسحب منه في نهاية المطاف ويدمره عملياً.
وكانت إيران قد وافقت بموجب الاتفاق النووي على تعاون واسع وإجراءات تحقق وتفتيش ملحوظة للتأكيد على الطابع السلمي لأنشطتها النووية، غير أنها عمدت إلى تقليص هذه الالتزامات تدريجياً عقب الانسحاب الأمريكي وتخاذل الدول الأوروبية. وبذلك، لم تؤثر أطماع الرئيس الأمريكي على العلاقات الثنائية مع إيران فحسب، بل ألقت بظلالها على علاقات طهران مع الهيئات الرقابية الدولية أيضاً. والحقيقة هي أن الاتفاق النووي مع القوى العالمية لم يكن مجرد تفاهم سياسي، بل مثل تجربة هامة تؤكد إمكانية صون المصالح الوطنية والتعاون في الساحة الدولية عبر الحوار، والتفاوض، والتفاهم المشترك؛ ولهذا السبب فإن خروج ترامب لم يسقط مصداقية التوقيع الرئاسي الأمريكي فحسب، بل أجهض الاعتبار الممنوح للمسارات الدبلوماسية برمتها.
تواصلت حالة التردد والمد والجزر في العلاقات بين إيران وأمريكا إبان رئاسة جو بايدن، غير أن عودة ترامب إلى سدة الرئاسة فتحت فصلاً جديداً في سجل انعدام الثقة بأمريكا لدى المسؤولين الإيرانيين؛ فصلاً اتسم بأزمات متلاحقة وتصاعد غير مسبوق في الريبة. ففي بداية ولايته الرئاسية الثانية، دعا ترامب إيران إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي؛ وبينما كانت الترتيبات جارية لعقد الجولة السادسة من المفاوضات التي استضافت سلطنة عُمان جولاتها الخمس السابقة، شنّ الكيان الصهيوني هجوماً على إيران بضوء أخضر من ترامب، مما نسف العديد من المعادلات القائمة. وأدت تلك الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً إلى هبوط مستوى الثقة إلى أدنى درجاته، غير أن تكرار السيناريو ذاته في شهري بهمن وإسفند من العام الماضي (شباط/ فبراير 2026م) شكّل الضربة القاضية التي أدخلت ما تبقى من ثقة في غيبوبة تامة.
وفي حين كشف تقرير لشبكة «سي بي إس» في شباط/ فبراير 2026م عن إحراز تقدم في المفاوضات حول ملفات التخصيب، ومخزونات اليورانيوم، والحوافز الاقتصادية، مشيراً إلى أن مقترحات لخلق مصالح اقتصادية مشتركة كانت قيد البحث أيضاً؛ شنّ ترامب -بدافع التوهم بإمكانية إسقاط النظام السياسي وفرض الاستسلام على إيران- حرباً دامت 40 يوماً، مبرهناً على صوابية حجم انعدام الثقة الذي تحمله إيران تجاه أمريكا. ومع تلك الحرب التي اختارها ترامب، تبلور انطباع لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن اللجوء للعمل العسكري في ظل بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة يثبت أن التفاوض ليس بالضرورة الأولوية النهائية للطرف المقابل، وأن الخيار العسكري قد يكون قيد الإعداد بالتوازي مع طاولة الحوار.
ولم يكن إغلاق المسار الدبلوماسي خياراً لطهران في أي وقت؛ لاسيّما بعد ملحمة الدفاع الشاملة التي أثبتت لترامب أنه أخطأ في اختيار الجغرافيا لمطامعه وأن إيران تختلف عن كل ما يعرفه من بلدان. وانطلاقاً من مبدأ المصلحة، قبلت طهران وقف إطلاق النار الذي التمسه ترامب في 19 فروردين (8 نيسان/ أبريل)، وخاضت محادثات مع أمريكا بحضور وسيطين باكستاني وقطري حتى 28 خرداد (18 حزيران/ يونيو) لصياغة تفاهم يحمي المصالح الإيرانية؛ وأسفرت تلك المحادثات عن إبرام مذكرة تفاهم إسلام آباد. وأسست هذه الوثيقة فترة مدتها 60 يوماً للتفاوض حول اتفاق نهائي، وتضمنت قضايا تشمل إنهاء الصراع، وفتح مضيق هرمز، والملف النووي، وعدداً من المحاور الاقتصادية. واعتبرت «جمعية الحد من الأسلحة» في تقييمها لهذا الاتفاق أن المذكرة، رغم ثغراتها، كانت قادرة على توفير مسار للعودة إلى المفاوضات النووية وفرض قيود يمكن التحقق منها على البرنامج النووي الإيراني.
ومع ذلك، حذّر معهد «تشاتام هاوس» إبان توقيع المذكرة من أن نجاحها يعتمد إلى حد كبير على مدى قدرة واشنطن وطهران على العودة إلى التزاماتهما، وما إذا كان من الممكن رأب الصدع وإعادة بناء الثقة المتضررة بين الجانبين. غير أن ترامب نقض هذا التفاهم أيضاً، وأسقط هذه المرة اعتباره لتوقيعه هو نفسه. وأفرزت هذه الممارسات سلسلة من الوقائع حددت الذهنية والاستراتيجية الإيرانية: فأمريكا تنسحب من الاتفاق النووي لعهد أوباما ومن تفاهمها المؤقت الموقع حديثاً، وتقصف طاولة المفاوضات، وتمنع المبادرات الدبلوماسية من النفاذ والتحقق. وقد دفع تكرار هذا النمط طهران للوصول إلى قناعة بأن المشكلة لا تكمن في رفض التفاوض، ولا في هُوية الوسطاء، ولا في شكل المفاوضات سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة؛ بل تكمن المشكلة في غياب أي ضمان لتنفيذ ما يتم التوصل إليه عبر التفاوض.
وتتجلى مؤشرات التشكيك بالمسار الدبلوماسي مع أمريكا بنمط آخر في المسار الذي سلكته إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث لم تمتنع هذه الهيئة الرقابية عن إدانة قصف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل بادرت الدول الأعضاء فيها إلى استصدار قرارات إدانة ضد إيران بذريعة عدم سماحها بتفتيش مواقعها المتضررة والمدمرة بفعل القصف، ليعود الملف النووي لطهران مجدداً إلى نقطة ما قبل الاتفاق النووي؛ وهو ما طرح تساؤلاً: هل بمقدور الرقابة التقنية حماية المنشآت الخاضعة لها من التعرض للعدوان العسكري؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما هي جدوى العضوية والتعاون وتحمل النفقات لمثل هذه المنظمات؟
ورغم أن إيران تبادر بتقديم مقترحات لإعادة السلام إلى المنطقة وإنهاء الصراع، إلا أنها تشدد في الوقت ذاته على أن الدبلوماسية لم يعد بإمكانها الاعتماد على الثقة السياسية وحدها.
وهذا التساؤل هو ما أكده المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحفي يوم الأحد (4 تشرين الأول/ أكتوبر)، رداً على تساؤلات أثيرت حول إمكانية انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، قائلاً: «هذا بحث جاد للغاية ويُطرح في الأوساط السياسية والنخبوية في إيران. فإيران عضو في معاهدة منع الانتشار منذ عام 1970م، وظلت طرفاً ملتزماً بتعهداته بالكامل، غير أن علماءها تعرضوا للاغتيال ومواقعها النووية استُهدفت بالعدوان. وإنه لتساؤل جاد: إذا كان لبلد ما أن يتواجد في معاهدة منع الانتشار، فيجب أن يحظى بمزاياها ويتمتع بحقوقه المكفولة، لا أن يجد نفسه على النقيض من ذلك عرضة للضغوط والتهديد والعدوان العسكري باستمرار».
إن ما جرى في العلاقات الإيرانية – الأمريكية وفي تعامل طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية طوال السنوات الماضية لا ينحصر في حدود العلاقات الثنائية فحسب. فإيران تواصل وضع مقترحات على الطاولة لإعادة السلام إلى المنطقة وإنهاء الصراع، غير أنها تشدد بالتزامن مع ذلك على أن استمرار الدبلوماسية رهن بخطوات عملية ومتبادلة. ومن البديهي في مثل هذا المناخ أن تترك تجربة الاتفاقات السابقة أثرها المباشر على شكل المفاوضات القادمة؛ وهي مفاوضات لن ترتكز بالنسبة لطهران على بناء الثقة من الصفر، بل ستتمحور بالدرجة الأولى حول كيفية إدارة انعدام الثقة وإيجاد آليات تضمن تنفيذ الالتزامات والتعهدات بصورة قاطعة.