في مفارقة سياسية لافتة، يأتي تكريم القاضية الجنوب أفريقية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، نافي بيلاي، تقديراً لمسيرتها في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة، فيما تواجه المحكمة ضغوطاً أميركية على خلفية إجراءات قضائية تطال قادة صهاينة. وتثير هذه العقوبات تساؤلات جدية بشأن احترام استقلال القضاء الدولي عندما تتعارض قراراته مع المصالح السياسية لواشنطن وحلفائها. وفي ظل مأساة غزة، يجد دونالد ترامب نفسه أمام اختبار يتجاوز طموحه إلى نيل جائزة نوبل: ليطال مدى التزام إدارته بمبادئ العدالة حين تتعارض مع حساباتها السياسية. ويكتسب تكريم بيلاي أهمية خاصة في ظل الحرب على غزة وما خلّفته من دمار ومعاناة إنسانية واسعة.
نوبل التي لم ينلها ترامب.. طموح السلام أمام اختبار المصداقية
تكمن المفارقة في أن دونالد ترامب، الذي سعى إلى نيل جائزة نوبل للسلام وحرص على تسويق نفسه بوصفه صانعاً للسلام، يواجه انتقادات حادّة بسبب سياسات إدارته تجاه المحكمة الجنائية الدولية. وفيما يطمح ترامب إلى تكريس صورته صانعاً للسلام، تكشف المواجهة الأميركية مع المحكمة عن تناقض بين هذا الخطاب وسياسات واشنطن تجاه حليفها الصهيوني. فنوبل للسلام ليست جائزة ترضية لزعيم يطمح إلى تخليد اسمه، ولا لقباً سياسياً يُنال بكثرة التصريحات عن الإنجازات؛ بل تكريم يفترض أن يستند إلى أثر حقيقي في حماية البشر، وصون كرامتهم، وتعزيز فرص السلام.
ومن هنا، يصبح السؤال موجّه إلى ترامب مباشرةً: كيف يمكنه تقديم نفسه مرشحاً للسلام، فيما تستخدم إدارته نفوذ الولايات المتحدة لمعاقبة المحكمة الجنائية الدولية بدلاً من احترام استقلالها وتركها تؤدي مهمتها القضائية بعيداً عن الضغوط السياسية؟ وكيف يستقيم الحديث عن السلام مع مواصلة دعم كيان الاحتلال سياسياً وعسكرياً في ظل الكارثة الإنسانية في غزة، ومع العدوان على إيران وشعبها، فضلاً عن نهج تصادمي يقوم على التهديد واستخدام القوة والتدخّل في شؤون الدول والسعي إلى فرض الهيمنة على مواردها؟
من الاعتراض إلى العقوبات.. لماذا تستهدف واشنطن المحكمة؟
لا يمكن فهم العقوبات الأميركية بمعزل عن الخلاف بشأن صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية ومذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب التحقيقات الأخرى التي تشمل الملف الأفغاني. وتقول واشنطن إنها تعارض ما تعتبره تجاوزاً لاختصاص المحكمة وتهديداً للسيادة الأميركية والصهيونية، لكن استخدام العقوبات والضغوط المالية لمواجهة مؤسسة قضائية يثير سؤالاً حول استقلال العدالة الدولية وحدود النفوذ السياسي. إذا كانت الإدارة الأميركية ترى أن قرارات المحكمة غير قانونية أو غير مبررة، فإن الردّ عليها ينبغي أن يكون بالحجج القانونية، لا بمحاولة إضعاف المؤسسة التي أصدرتها. وتكمن خطورة هذا النهج في أنه قد يبعث برسالة مفادها أن المؤسسات الدولية التي تقترب من الملفات الحساسة للقوى الكبرى قد تتعرض لعقوبات تهدد قدرتها على العمل باستقلال.
كيان الاحتلال تحت المظلة الأميركية.. العدالة في مواجهة المصالح
تكشف هذه المواجهة حجم الدعم السياسي الذي توفره واشنطن لكيان الاحتلال، خصوصاً عندما تنتقل الانتقادات الدولية من مستوى التصريحات الدبلوماسية إلى احتمال المساءلة القانونية. فالتحرك الأميركي ضد مؤسسة تنظر في اتهامات مرتبطة بالحرب على غزة يضع التزام واشنطن بالمبادئ التي تدعو الآخرين إلى احترامها موضع تساؤل. تعني الاتهامات صدور أحكام نهائية؛ فالمحكمة هي الجهة المختصة بتقييم الأدلة وتحديد المسؤولية وفق القانون،. ويقتضي احترام هذه العملية السماح للمحكمة بالعمل من دون عقاب بسبب الملفات التي تنظر فيها. فالدعم السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من المساءلة القانونية.
تداعيات العقوبات.. حين يدفع الضحايا ثمن الضغوط السياسية
لا تقتصر الآثار المحتملة للعقوبات على المسؤولين المستهدفين، بل قد تمتد إلى قدرة المحكمة الجنائية الدولية على إدارة ملفاتها وتنفيذ مهامها اليومية. فالقيود المالية والتقنية، وما تثيره من مخاوف لدى المصارف والشركات ومقدمي الخدمات، قد تعقّد التعاملات والاتصالات، وتجعل حفظ الأدلة أكثر صعوبة والتواصل مع الشهود والتعاون مع المنظمات الحقوقية.
وقد تدفع هذه الضغوط بعض الجهات إلى تجنب التعامل مع المحكمة خشية التعرض للعقوبات، حتى عندما يكون التعاون مشروعاً. ويظل حجم التأثير الفعلي مرتبطاً بنطاق الإجراءات وكيفية تطبيقها واستجابة المؤسسات المعنية، لكن احتمال انعكاسها على العمل القضائي يثير مخاوف تتجاوز الخلاف السياسي المباشر.
وبالنسبة إلى غزة، لا يتعلق الأمر بإجراءات مالية أو تجاذبات دبلوماسية بعيدة عن حياة الناس، بل بحق الضحايا الفلسطينيين في أن تُفحص الوقائع والأدلة، وبحق الشهود في الإدلاء بإفاداتهم، وبأمل العائلات التي فقدت أبناءها في الوصول إلى مسار قانوني جاد.
فكل عائق يحدّ من فرص التحقيق والمساءلة قد يطيل انتظار الضحايا للإنصاف. ومن هنا، تتجاوز القضية حدود النزاع بين واشنطن والمحكمة إلى سؤال أوسع: هل يستطيع النظام الدولي حماية حقوق الإنسان عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى، أم تبقى العدالة رهينة موازين القوة والتحالفات؟
لا حصانة من المساءلة.. هل تنتصر العدالة على النفوذ؟
تكشف هذه المواجهة حقيقة السياسة الأميركية حين تصطدم العدالة بالمصالح: قانونٌ يُرفع شعاراً حين يخدم النفوذ، ويُحاصَر حين يقترب من الحلفاء. فواشنطن التي تتحدث عن السلام وسيادة القانون تستخدم العقوبات للضغط على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تهدد استقلال القضاء وتبعث برسالة مفادها أن مساءلة كيان الاحتلال قد تكون لها كلفة سياسية. لكن العقوبات، مهما اشتدّت، لا تحوّل القوة إلى حق، ولا تمنح الحصانة، ولا تمحو جرائم الحرب من ذاكرة الضحايا. فالمحكمة ليست ملكاً لواشنطن، والعدالة ليست امتيازاً تمنحه للقوي وتحجبه عن الضعيف.
وفي غزة، تسقط الشعارات أمام مشهد الدم والدمار؛ عائلات فقدت أبناءها، وأطفال سُلبوا حقهم في الحياة، وشعب يدفع ثمن حرب مدمرة، فيما يُوفَّر الغطاء السياسي والعسكري لكيان الاحتلال.
لن تصنع واشنطن عدالةً على مقاس مصالحها، ولن تكون العقوبات بديلاً عن المحاسبة. فحقوق ضحايا غزة لا ينبغي أن تكون رهينة الحسابات السياسية والتحالفات الدولية. إن الخطر الذي يُهدد العدالة ليس غياب القانون، بل إخضاعه للقوة؛ وليس في أن تُحاسَب الدول، بل في أن تتوهّم دولة أنها فوق المحاسبة.