الويلسونية في البسطار؛ من المأساة إلى المهزلة

أثار الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أثينا، والمؤلَّف من 3500 كلمة، تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة السياسة الخارجية لإدارة ترامب والاتجاه الذي تسلكه. فما سمعه العالم على لسان روبيو يوم الأربعاء الماضي (7 أكتوبر)، بدا أقرب إلى خطاب المحافظين الجدد خلال السنوات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، منه إلى الصورة المعهودة للترامبية، القائمة على النزعة القومية، وتقديم المصالح الداخلية على ما سواها، وتجنب التدخلات الخارجية. فقد أعاد الخطاب إلى الأذهان نهجاً سياسياً سعى إلى توظيف القوة العسكرية لإعادة تشكيل النظام العالمي، وتحويل التفوق الأميركي إلى نظام دولي أكثر رسوخاً واستدامة.

وتشكّل هذه الفجوة بين خطاب روبيو والرواية الرسمية للترامبية جوهر الإشكالية التي يتناولها هذا المقال: فهل تعكس تصريحات وزير الخارجية الأميركي تحولاً في مسار السياسة الخارجية لإدارة ترامب وعودةً للمحافظين الجدد، أم أنها مجرد تعبير عن صراع تاريخي ممتد بين المدارس الفكرية المتنافسة في السياسة الخارجية الأميركية؟

 

 

ولا تقتصر أهمية الإجابة عن هذا السؤال على فهم سلوك واشنطن، بل تتجاوز ذلك إلى دول مثل إيران، التي تخوض مواجهة عسكرية واسعة النطاق ومباشرة مع الولايات المتحدة، وتحتاج، عند رسم سياساتها، إلى إدراك طبيعة القوى المؤثرة في صناعة القرار الأميركي، والتصورات المختلفة للمصلحة الوطنية التي تحكم توجهات تلك القوى.

 

 

وينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن خطاب روبيو لا يمثل دليلاً حاسماً على عودة المحافظين الجدد، ولا يؤشر بالضرورة إلى تحول جذري في السياسة الخارجية لإدارة ترامب. بل يعكس، في المقام الأول، محاولة التيار الويلسوني استعادة موقعه داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، وهي محاولة تصطدم بعوائق جدية تفرضها البنية المعقدة والمتعددة المستويات للسياسة الخارجية الأميركية.

 

 

ولفهم هذه المعادلة، لا يكفي النظر إلى السياسة الخارجية الأميركية من زاوية التنافس الحزبي وحده، بل ينبغي تحليلها في ضوء توازن القوى بين أربع مدارس فكرية رئيسية، هي: الهاملتونية، والويلسونية، والجاكسونية، والجيفرسونية.

 

 

 أربع مدارس فكرية تتنافس على توجيه السياسة الخارجية الأميركية

 

 

يمكن الاستناد إلى أربع مدارس فكرية متنافسة لفهم سلوك الإدارات الأميركية في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وهي الهاملتونية والويلسونية والجاكسونية والجيفرسونية.

 

 

وتوفر هذه المدارس إطاراً تحليلياً لفهم التناقضات والتجاذبات الداخلية التي تطبع السياسة الخارجية الأميركية، إذ يمكن النظر إلى هذه السياسة بوصفها نتاجاً لإعادة ترتيب مستمرة لموازين القوى بين تلك المدارس. فالإجماع بين النخب السياسية، أو حتى الإجماع الوطني، ليس بالضرورة حالة ثابتة أو متجانسة في الولايات المتحدة. وما نشهده في الواقع هو توازن متغير بين تيارات فكرية ضاربة في التاريخ الأميركي، تتأثر موازين القوى بينها بالظروف السياسية والاجتماعية والدولية. وهذا التوازن هو الذي يسمح لهذه المدارس بالتعايش داخل منظومة السياسة الخارجية الأميركية، رغم اختلاف منطلقاتها وأولوياتها.

 

 

وليست الخلافات بين هذه المدارس شكلية أو مجرد صراعات مفتعلة، بل تستند إلى جذور عميقة في التاريخ الأميركي والتفاعلات السياسية الداخلية.

 

 

ولتوضيح طبيعة الاختلافات بينها، يمكن حصر الأسئلة الجوهرية التي تواجه السياسة الخارجية الأميركية في أربعة محاور: ما طبيعة القوة التي تمثلها الولايات المتحدة؟ وكيف ينبغي أن تكون علاقتها بالعالم؟ ومتى يتعين عليها اللجوء إلى القوة العسكرية؟ وكيف تُحدَّد المصالح الوطنية الأميركية؟

 

 

وتقدم كل مدرسة إجابات مختلفة عن هذه الأسئلة. ومن هنا، فإن اعتماد فكرة التعايش بين هذه المدارس مدخلاً للتحليل يكشف عن تناقض مستمر في السياسة الخارجية الأميركية، قد ينعكس أحياناً حتى على شخصية الرئيس نفسه. فقد يجمع الرئيس الموجود في البيت الأبيض، في توجهاته وممارساته، بين عناصر من الهاملتونية والجاكسونية، بل ومن الويلسونية أيضاً بدرجات متفاوتة.

 

 

 

أين تقع الترامبية بين المدارس الأربع؟

 

 

رغم ما تبدو عليه الترامبية من حداثة، فإنها ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تمتد جذورها إلى مدارس فكرية راسخة في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية. فالنزعة القومية لدى ترامب، وحرصه على تقديم مصالح المواطنين الأميركيين على المشاريع الدولية الكبرى، ولا سيما تلك المرتبطة ببناء الدول وإعادة تشكيل المجتمعات، يجعلان توجهاته أقرب إلى المدرسة الجاكسونية.

 

 

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الجاكسونية إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب، وإن كانت هذه السياسة تتضمن أيضاً عناصر من الهاملتونية والجيفرسونية، وحتى الويلسونية في بعض الأحيان.

 

 

وهذا التداخل بين المدارس الفكرية يساعد على تفسير جانب من التناقضات التي تظهر في سلوك إدارة ترامب على الساحة الدولية؛ لكن التحول الأبرز يتمثل في تغير موازين القوى بين المدارس الأربع لمصلحة الجاكسونية، وهو تحول ساهمت فيه عودة التنافس بين القوى الكبرى، إلى جانب المتغيرات الاجتماعية والسياسية داخل الولايات المتحدة، ومنها تنامي استياء قطاعات من المجتمع الأميركي من الحزبين الرئيسيين والطبقة السياسية المحترفة.

 

 

وعليه، يمكن فهم الترامبية بوصفها مزيجاً من الجاكسونية بصيغتها التي تبلورت في القرن العشرين، والعناصر الهاملتونية في الاقتصاد والمال، والنزعة الجيفرسونية المتشككة في جدوى التدخلات الخارجية. غير أن صعود الجاكسونية لا يعني إقصاء المدارس الأخرى أو إنهاء حضورها في صناعة القرار الأميركي. فاستمرار التعايش بينها يفسر ظهور توجهات مختلفة، وأحياناً متعارضة، في السياسة الخارجية لإدارة ترامب. ذلك أن النزعة الأميركية التاريخية نحو بناء النظام الدولي أو إعادة تشكيله لم تختفِ، بل لا تزال حاضرة في واشنطن، مستندة في جانب من أسسها الفكرية إلى المدرسة الويلسونية.

 

 

خطاب روبيو؛ عودة الويلسونية أم تجلٍّ للصراع داخل واشنطن؟

 

 

في ضوء هذا الإطار التحليلي، يمكن النظر إلى وزير الخارجية الأميركي بوصفه ممثلاً لتيار داخل واشنطن يسعى إلى إعادة توظيف القوة العسكرية الأميركية أداةً لتغيير النظام الدولي. وقد وضع روبيو إيران والحضارة الإيرانية في صلب خطابه، في محاولة لتبرير هذا الاستخدام للقوة العسكرية وإضفاء الشرعية عليه.

 

 

ولا يمثل روبيو صوتاً منفرداً داخل الإدارة الأميركية، إذ لا تزال قطاعات من المؤسسات الأمنية والدبلوماسية في واشنطن تتبنى توجهات ويلسونية، وتنظر إلى الدور الأميركي في العالم من منظور التدخل النشط في الشؤون الدولية؛ لكن استمرار حضور هذا التيار لا يعني بالضرورة أنه بات مهيمناً على مجمل السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

فالجاكسونية لا تزال تشكل إحدى الدعائم الرئيسية لسياسة إدارة ترامب الخارجية، بعدما انتقلت من الهامش إلى مركز التأثير، فيما حافظت الهاملتونية على نفوذها داخل المؤسسات الاقتصادية والمالية، إلى جانب استمرار حضور عناصر من الجيفرسونية والويلسونية.

 

 

لذلك، فإن القراءة الأدق لخطاب روبيو لا تتمثل في اعتباره إعلاناً عن تغيير حاسم في توجهات إدارة ترامب، بل في التعامل معه بوصفه انعكاساً للتجاذب القائم بين المدارس الفكرية المتنافسة داخل واشنطن. فالتيار الذي كان يُعبَّر عنه سابقاً من خلال خطاب المحافظين الجدد يواجه اليوم تحديات تحول دون تمكنه بسهولة من فرض رؤيته بوصفها التوجه المهيمن على السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

فالبيئة الدولية الراهنة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت خلال العقد الأول بعد هجمات 11 سبتمبر، كما أن التوازنات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة لا توفر بالضرورة الظروف نفسها التي سمحت لذلك التيار بالصعود والهيمنة في الماضي.

 

 

وتساعد المقارنة مع تسعينيات القرن الماضي والسنوات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر على توضيح هذه الفوارق. فحين طرح المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون نظرية «صدام الحضارات» في تسعينيات القرن الماضي، كانت الظروف التاريخية والاجتماعية لتلك المرحلة عاملاً أساسياً في إتاحة المجال أمام ظهور هذه النظرية وانتشارها. فقد كانت الولايات المتحدة آنذاك قوة تكاد تنفرد بالهيمنة على الساحة الدولية، وكان النظام العالمي يُعرَّف إلى حد بعيد من خلال التفوق الأميركي.

 

 

وفي مثل تلك الظروف، كان من الممكن أن تتحول نظرية «صدام الحضارات» إلى أحد الأطر الفكرية المعتمدة لتفسير النظام الدولي وتوجيه السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

أمّا اليوم، فقد تبدلت المعادلات. فالولايات المتحدة لم تعد تتمتع بموقع القوة التي لا ينازعها أحد، كما أن الساحة السياسية الداخلية الأميركية لا تشهد إجماعاً واضحاً على إعادة مشروع تدخلي على غرار مشروع المحافظين الجدد إلى صدارة السياسة الخارجية.

 

 

ومن هنا، تبدو تصريحات روبيو الأخيرة أقرب إلى إعادة إنتاج مكثفة ومبسطة نسبياً لذلك المشروع، منها إلى إعلان عودة المحافظين الجدد بوصفهم التيار المهيمن على السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

ويمكن وصف هذا المشروع بأنه «الويلسونية في البسطار»، أي السعي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بالاعتماد على القوة العسكرية، تحت غطاء رسالة حضارية تدّعي الولايات المتحدة الاضطلاع بها.

 

 

 الخلاصة: الويلسونية في البسطار؛ من المأساة إلى المهزلة

 

 

لا تكمن الأهمية الأساسية لخطاب روبيو في مضمونه المعادي لإيران أو نبرته التدخلية فحسب، بل في الصورة التي يقدمها عن طبيعة الصراع الدائر داخل منظومة السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

فالخطاب يكشف أن المدرسة الويلسونية والتوجهات المرتبطة بالمحافظين الجدد لا تزال حاضرة وفاعلة في واشنطن، وأن أنصارها يسعون إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية إلى وسيلة لإعادة تشكيل النظام العالمي؛ لكن استمرار نشاط هذه التيارات لا يعني، بحد ذاته، حدوث تحول شامل في موازين القوى التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

وتخلص هذه القراءة إلى أن الترامبية لا تزال تستند بصورة رئيسية إلى المدرسة الجاكسونية، في حين تواصل المدارس الهاملتونية والجيفرسونية والويلسونية حضورها داخل بنية السلطة الأميركية، وتتنافس في مراحل مختلفة على التأثير في القرارات والتوجهات السياسية.

 

 

وبناءً على ذلك، ينبغي فهم خطاب روبيو بوصفه تعبيراً عن موقف إحدى المدارس المتنافسة في هذا الصراع التاريخي، وليس إعلاناً رسمياً عن توافق جديد داخل واشنطن، أو دليلاً قاطعاً على دخول السياسة الخارجية الأميركية مرحلة مختلفة.

 

 

ولهذا التمييز أهمية عملية بالنسبة إلى إيران وغيرها من الأطراف الدولية. فإذا جرى التعامل مع تصريحات روبيو على أنها دليل على عودة كاملة للمحافظين الجدد، فقد يؤدي ذلك إلى تقديرات غير دقيقة لحجم القدرات الأميركية، ومدى تماسك مراكز القرار في واشنطن، وحقيقة الإرادة السياسية التي تحكم تحركاتها.

 

 

وفي المقابل، فإن تجاهل هذا الخطاب أو التقليل من أهميته قد يقود إلى الاستهانة بمخاطر النزعة التدخلية، والمحاولات الرامية إلى توفير غطاء سياسي وفكري لاستخدام القوة العسكرية.

 

 

وعليه، ينبغي التعامل مع السياسة الأميركية بوصفها ساحة تجمع بين تهديدات حقيقية وصراعات داخلية في آن واحد، حيث لا تنفرد أي مدرسة فكرية بالسيطرة الكاملة على مجمل منظومة السياسة الخارجية.

 

 

وإذا كانت الويلسونية قد تجسّدت في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر في صورة مأساة، فإن محاولات إحيائها اليوم تبدو أقرب إلى المهزلة، في ظل تراجع الهيمنة الأميركية المطلقة، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، وغياب الإجماع الداخلي على تبني مشروع تدخلي واسع النطاق.

 

 

صحيح أن «الويلسونية في البسطار» لا تزال تنطوي على مخاطر حقيقية؛ لكنها لم تعد تمتلك المقومات التاريخية نفسها التي أتاحت لها في الماضي التحول إلى خطاب مهيمن على السياسة الخارجية الأميركية.

 

 

أجل، لقد أصاب كارل ماركس حين قال إن الأحداث والشخصيات الكبرى في التاريخ تظهر، وكأنها تتكرر مرّتين: مرة أولى في صورة مأساة، ومرة ثانية في صورة مهزلة.

 

المصدر: الوفاق/صحيفة ايران

الاخبار ذات الصلة