تسعى إيران والصين إلى الانتقال بتعاونهما السياحي من الروابط التاريخية والثقافية العريقة إلى شراكات عملية تفتح آفاقاً أوسع للتبادل السياحي، من خلال تطوير برامج سفر مشتركة، وتعزيز التعاون بين الشركات ومنظمي الرحلات، وتذليل العقبات أمام حركة الزوار. وفي هذا السياق، تبرز السوق الصينية بوصفها إحدى الوجهات المستهدفة لتوسيع حضور السياحة الإيرانية، بالاستناد إلى الإرث الحضاري المشترك والإمكانات المتنوعة التي يمتلكها البلدان.
وأكد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، ضرورة تحويل المقومات التاريخية والثقافية لإيران والصين إلى مشاريع سياحية قابلة للتنفيذ، مشدداً على أهمية أن تصبح الصين إحدى أبرز الشركاء السياحيين لإيران، وأن تترجم اللقاءات الثنائية إلى اتفاقيات وبرامج سفر فعلية تسهم في زيادة حركة السياح بين البلدين.
وجاءت تصريحات سيد رضا صالحي أميري في رسالة ألقاها روزبه كردوني، مستشار الوزير والمدير العام لمكتب وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، خلال الاجتماع التخصصي لتعزيز التعاون السياحي بين إيران والصين، الذي استضافته السفارة الإيرانية في بكين، مساء الجمعة 16 أكتوبر، بمشاركة مسؤولين وناشطين وممثلين عن الشركات السياحية في البلدين.
واعتبر صالحي أميري الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والصين فرصة للارتقاء بالتعاون الثنائي والانتقال من مرحلة الحوار إلى التنفيذ العملي، مؤكداً أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مشاركة مباشرة وفاعلة من الوكالات السياحية ومنظمي الرحلات في البلدين.
خمسة مقترحات لتطوير التعاون السياحي
وطرح صالحي أميري خمسة مقترحات عملية لتفعيل التعاون المشترك، تشمل تشكيل فريق عمل يجمع الوكالات السياحية ومنظمي الرحلات الإيرانيين والصينيين، وإعداد ثلاثة برامج سياحية متخصصة إلى إيران على الأقل، تتناسب مع اهتمامات السوق الصينية، وتنظيم رحلات تعريفية تستهدف مديري الشركات السياحية والصحفيين الصينيين.
كما دعا إلى تطوير الخدمات بما يلبي احتياجات السياح الصينيين، من خلال توفير مرشدين يتحدثون اللغة الصينية وتسهيل وسائل الدفع، إلى جانب تحديد أهداف كمية وجداول زمنية واضحة لتنظيم الرحلات وإيفاد المجموعات السياحية.
وأكد صالحي أميري أن نجاح الاجتماع لا ينبغي أن يُقاس بمجرد عقد اللقاءات وتبادل وجهات النظر، بل بما يسفر عنه من نتائج ملموسة، تشمل وضع خطط عمل، وإعداد برامج سفر متكاملة، وتوقيع اتفاقيات، والبدء في تنظيم رحلات سياحية فعلية بين البلدين.
وربط صالحي أميري مستقبل التعاون السياحي بالإرث الحضاري المشترك لطريق الحرير، مؤكداً أن هذا الطريق الذي كان يكتسب حيويته في الماضي من حركة القوافل، يمكن أن يستعيد دوره اليوم من خلال حركة السياح والمسافرين والتواصل المباشر بين الشعوب.
طريق الحرير جسر للتواصل الثقافي والسياحي
من جانبه، أكد السفير الإيراني لدى الصين، أهمية تطوير العلاقات السياحية بين البلدين والاستفادة من الروابط التاريخية التي جمعتهما على امتداد طريق الحرير، موضحاً أن هذا الطريق لم يكن مجرد ممر لتبادل السلع والمنتجات، بل شكّل فضاءً للتفاعل الثقافي والفني والموسيقي، وانتقال العادات والتقاليد بين الشعوب.
وأشار عبدالرضا رحماني فضلي، إلى أن العاملين في قطاع السياحة يواصلون اليوم الدور التاريخي الذي أداه القائمون على القوافل التجارية، مستفيدين من التقنيات الحديثة لتوسيع التواصل الثقافي والإنساني وتسريعه. وشدد على ضرورة وضع خطط واضحة لتطوير العلاقات السياحية، وإزالة العقبات، وتنظيم آليات التعاون بصورة أكثر فاعلية، بما يسهم في زيادة حصة السوق الصينية من السياحة الوافدة إلى إيران.
ومن جهة أخرى، أعرب ممثلو الشركات والمؤسسات السياحية الصينية عن ارتياحهم لتجارب التعاون مع إيران، مشيدين بحسن ضيافة الشعب الإيراني، ووصفوا البلاد بأنها وجهة سياحية تتمتع بقيمة مضافة وإمكانات اقتصادية واعدة بالنسبة إلى شركات السفر الصينية. كما أكدوا اهتمام السياح الصينيين بزيارة إيران، مشيرين في الوقت نفسه إلى عدد من العقبات التي تحد من توسيع هذا السوق.
ومن أبرز التحديات التي طرحها المشاركون غياب مكتب إيراني متخصص في الترويج السياحي بالعاصمة بكين، وعدم استقرار الرحلات الجوية في أعقاب الحرب، فضلاً عن محدودية الرحلات التعريفية التي تتيح للعاملين في القطاع السياحي الصيني التعرف مباشرة إلى الوجهات الإيرانية وخدماتها.
واقترح ممثلو القطاع إنشاء مكتب تمثيلي أو مركز للترويج السياحي الإيراني في بكين، وتنظيم فعاليات تعريفية تستهدف وسائل الإعلام والمدونين الصينيين، وتطوير برامج سفر مخصصة للسوق الصينية، إلى جانب العمل على توفير رحلات جوية مستقرة. كما دعوا إلى الاستفادة من ثقافة الشاي بوصفها أحد مجالات التقارب الثقافي بين الشعبين، وتوظيف هذا المشترك في ابتكار تجارب سياحية تعزز اهتمام الزوار الصينيين بإيران.
استضافة منظمي الرحلات الصينيين في إيران
وفي خطوة لدعم هذه التوجهات، أعلن كردوني، إمكانية استضافة مجموعة من منظمي الرحلات السياحية الصينيين في إيران خلال الفترة المقبلة، بعد مناقشة هذا المقترح مع صالحي أميري. ومن شأن هذه الزيارة أن تتيح للوفد الصيني الاطلاع المباشر على المقومات السياحية الإيرانية، وتقييم فرص تصميم برامج مشتركة وتسويقها في السوق الصينية.
وتعكس هذه المبادرات توجهاً نحو بناء شراكة سياحية أكثر استدامة بين إيران والصين، تقوم على تطوير المنتجات والخدمات، وتعزيز الترويج المشترك، وتوسيع التعاون المهني بين مؤسسات القطاع. وبينما يظل طريق الحرير شاهداً على قرون من التواصل الحضاري، يتطلع البلدان إلى إحياء رمزيته في العصر الحديث من خلال حركة السياح وتبادل التجارب الثقافية، وتحويل الروابط التاريخية إلى فرص ملموسة للنمو السياحي والاقتصادي.