الخنجر

سخّر خنجر ثروته لتسليح المقاومة التي أسسها وقادها في جبل عامل، مستفيداً ايضاً من مهاراته في الصيد (هواية الأغنياء)، وهو الذي عُرف بأنه “هداف ماهر”.

2023-06-05

أكثر ما يستدعي الانتباه في قصة الثائر على الاحتلال الفرنسي أدهم خنجر أنه سليل عائلة اقطاعية (أوكل لها العثمانيون حكم منطقة النبطية جنوب لبنان بأكملها مع اقليم التفاح واقليم الشومر)، إذ إنه لطالما ارتبط مفهوم الاقطاع بالسلطة والنفوذ والثراء، والأهم من ذلك أن أغلب الاقطاعيين ولأهداف عديدة كتمتين سلطتهم ونفوذهم كانوا يتحالفون مع السلطة، من العثمانيين، وبعدها سلطات الانتداب الفرنسي أو البريطاني.

من هنا تأتي خصوصية أدهم بن خنجر بن محمد بن علي الشبيب الصعبي ابن بلدة المروانية جنوب لبنان (وُلد فيها عام 1895 وعاش فيها طفولته وشبابه)، من هنا تأتي خصوصية خياره بالثورة على الاحتلال الفرنسي وظلمه، وليس التمتع بثروة خلّفها له جده ووالده أو بعلم (خريج المدرسة الانجيلية والبطريركية)، ولغات (أتقن الانكليزية والفرنسية) في وقت قلّ فيه المتعلمون من أبناء جيله وبيئته.

على العكس، بل إن خنجر سخّر ثروته لتسليح المقاومة التي أسسها وقادها في جبل عامل، مستفيداً ايضاً من مهاراته في الصيد (هواية الأغنياء)، وهو الذي عُرف بأنه “هداف ماهر”.

أحبّ خنجر أرضه كابن لها وليس كوصي عليها. حمل خصوصيتها الجغرافية والسياسية في فكره ومسار حياته، فلم يرض لها ذلاً وقهراً.

في صيدا بدأ كل شيء. هناك شهد أدهم على ضرب جندي فرنسي مواطناً. لم يصمت، فتلقى صفعة من الجندي، مما ولّد لديه نقمة وقراراً بضرورة المقاومة، فنصب عند عودته إلى المروانية كميناً لجنديين فرنسيين، سلبهما على اثرها سلاحهما والخيل وانسحب.

من مقاومة بسيطة إلى أخرى أكثر قوة وقدرة، كان أساسها تحالف خنجر مع رفيقه في النضال صادق حمزة، الذي كان قد أنشأ مقاومة جنوب جبل عامل.

لم تقلل الحملة التي شنّها الاحتلال على الثائرين من تشويه لسمعتهما ووصفهما مع المسلحين بقطاع الطرق ولصوص، إضافة إلى استغلال عامل إثارة النعرات الطائفية، من عزيمتهما. خاضا احدى معاركهم الكبرى على جسر الخردلي ضد مجموعة من الجنود الانكليز والفرنسيين، مما ادّى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى.

دفعت هذه المعركة الفرنسيين إلى استهداف قلعة الشقيف بالمدفعية، التي جعل منها أدهم مقراً له وللثوار لأهمية موقعها، إضافة إلى أن انتشار الجواسيس في تلك الفترة، جعلت من القلاع الملجأ الأنسب للثوار.

بعد مواجهة الخردلي، كانت معركة المصيلح الشهيرة التي أودت بحياة خمسين من جنود الاحتلال الفرنسي، والتي فعّلت جبهة مواجهة الاحتلال في أوساط العامليين.

ثم كان مؤتمر “وادي الحجير” في نيسان عام 1920، والذي جمع سبعمئة شخصية عاملية على رأسهم عبد الحسين شرف الدين، وكان حراسه خنجر وحمزة. تمخض عنه قرار يقضي بالانضمام إلى سوريا وليس أي كيان ينشئه الفرنسيون. هنا أدرك الاحتلال مدى خطورة المقاومة المتعاظمة، فكان مؤتمر سان ريمون الذي أعطى ضوءاً أخضراً للجنرال غورو بتصفية الثورة، و “تطهير كامل المنطقة الساحلية من اسكندرون إلى الناقورة من أي مقاوم”.

للأسف، فقد تمكن غورو متسلحاً بثمانية عشر ألف جندي من توجيه ضربة للمقاومة، بدءاً من هزيمة وزير الحربية الثائر الكبير يوسف العظمي في معركة ميسلون، مما أدّى إلى سقوط دمشق بيد الفرنسيين، وقع على اثرها اتفاق مع الشريف حسين والأمير عبدالله، مفاده أن يحكم الأول في العراق، والثاني في شرق الأردن.

انعكس هذا الواقع على المناضلين في جبل عامل، حيث شنّ الفرنسيون حملة ترويع كبيرة على حمزة وخنجر، تصدّى لها المقاومان، لكن المصلحة كانت تقتضي بفرارهما إلى شرق الأردن، في ظل اعدامات بحق عشرات الشخصيات العاملية وذهاب السيد عبد الحسين إلى فلسطين ثم مصر.

لم يهدأ خنجر. قرر ضرب رأس العدو: غورو. لكن الأخير نجا من عملية اغتيال محكمة خطط لها أدهم ونفذها. وكانت تلك العملية بداية ملاحقة حثيثة من الفرنسيين لخنجر واعتباره المقاوم الأخطر. الأخير لم يستطع البقاء في الأردن مع رفيقه حمزة الذي عينه الأمير عبدالله متصرفاً في منطقة إربد. عاد إلى سوريا والتحق بمن بقي من ثوار دمشق.

“الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى”. كانت هذه القاعدة التي آمن بها أدهم خنجر قولاً وفعلاً. مجدداً لم يستطع جبروت المحتل ترويض ثورته، لم يتعب، لم يأخذ ماله فاراً إلى مكان ما، لم ينسَ المروانية ووطنه المحتل. ذهب لزيارة سلطان باشا الأطرش، أحد زعماء الدروز، في بلدته القريا جنوب سوريا. وهناك خانه الأذلاء ووشوا به، فاعتقله الفرنسيون، الذين نقلوه جواً إلى سجن القلعة في بيروت خوفاً من كمائن الثوار براً ومحاولات الأطرش تحريره. بعدها صدر القرار النهائي: إعدام الخنجر.

عاد أدهم إلى المروانية التي كانت طلبه الأخير. شرب ماءها ومضغ قمحها. وفي 30 أيار 1923، نظر في عيني سجانه دون وجل وارتفع شهيداً.

الاخبار ذات الصلة