آفة تسحقُ من لا يعرفُ كيف يُطوّعها

مواقع التّواصل الإجتماعي «السّوشيال ميديا».. سيف ذو حدّين

خاص الوفاق: الإفراط في إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي يجعلها آفة يمكنها أن تقضي على الوقت وقيمته، فيُصبح اليوم بدون أي إنتاجيّة وتُعرقل للفرد أعماله وإنجازاته سواء بالعمل أو المدرسة

2023-07-03

سهامه مجلسي

أصبح بإمكان أي شخص التواصل مع الآخرين في أي وقت ومن أي مكان ومهما كانت المسافة بعيدة عبر

السوشيال ميديا وهي عبارة عن مواقع ويب وتطبيقات تُتيح لمستخدميها التواصل فيما بينهم من خلال التواجد على شبكة تواصل واحدة ومتفرعاتها عبر العالم.

مع ظهور مواقع التواصل هذه تّم فعليّاً كسر حواجز الزمان والمكان، من جهة اخرى وفي ظل الإيقاع السّريع للحياة ومجرياتها، أصبحت السوشيال ميديا هي الوسيلة المثلى للتواصل، سواء على المستوى العائلي أو الاجتماعي أو العملي، خاصّة في ظل عدم توافر الوقت الكافي للتواصل الفعلي في عصرنا هذا ومع جائحة كورونا برز لهذه الوسائل أهميّة ودور إيجابي مهم في التوعيّة والمتابعة وقد كانت هي الوسيلة الأساس بالاطمئنان عن الأقارب والأصحاب.

هذه المواقع ربطت أوصال العالم كلّه في شبكة عنكبوتيّة وقد تسابقت الخطوات مع الذكاء الاصطناعي والتطور فخُلق الواقع الافتراضي الذي مكّن العالم من إمكانية التواصل بلا حدود مكانيّة وزمانيّة، وقد أمّنت وسائل التواصل الاجتماعي  فرصاً وإمكانيات للإنسان لتطوير حياته على أكثر من صعيد نحو حياة أفضل، هذا بالطبع إذا تمّ استخدامها بصورة صحيحة، فالسوشيال ميديا آفة تسحقُ من لا يعرفُ كيف يُطوّعها خاصّة أنّها بمعظمها مُتاحة للجميع وبالمجّان وحتى الأطفال يستطيعون الانخراط بها بخدعة تغيير سنة الولادة فقط (لا يوجد رقابة).

تعتمد هذه المواقع التواصل على برمجيات ذكية جداً، تُساعد المستخدم على إيجاد أصدقاء بصفاتٍ مشتركة وعلى الوصول لمحتوى بحسب اهتماماته، كما أنّها تجمع أكبر قدر من المعلومات عن كل مستخدم، وترصد كل نشاط يقوم به وتسجله في قاعدة بياناتها. كذلك نجدها متخصصّة فمثلا التيكتوك للفيديوهات السريعة و”لينكد إن” لخدمات التوظيف والأعمال وتويتر لمتابعة الأخبار وغيرها الكثير مثل يوتيوب، انستيغرام، فيسبوك.. كل مُستخدم يختار ما يُناسبه منها إذ هي تتضمن النقيضين: الخير والشر، السلبي والإيجابي، الأبيض والأسود، وفي هذا الصدد اجرت صحيفة الوفاق حواراً مع الدكتورة رلى فرحات وفيما يلي نص الحوار:

ما هي  ايجابياتها وسلبياتها «السوشيال ميديا»؟

نستطيع تصنيف مستخدمي السوشيال ميديا من ناحية الإهتمام بالمحتوى والقصد من وراء الاستخدام إلى عدة أنواع:

1- الأفراد: يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بقصد التواصل والتعارف والتسليّة وكذلك ملء أوقات الفراغ والهروب من واقع حال مُعاش. وللبقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة، ومشاركة الاهتمامات، ومتابعة الأخبار والأحداث السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والموضة والطبخ.

2-رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات: إنّ مواقع التواصل الاجتماعي تُعتبر أداة لا غنى عنها في عصرنا الحالي لتسويق المنتجات من خلال العثور على عملاء جدد من خلال الإعلان والترويج، وتحقيق الشهرة للعلامات التجارية،. من ناحية ثانية ساعد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للتوسيق التجاري في الوصول إلى شريحة كبرى من المستهلكين والمهتمين وبكلفة تكاد تكون لا تُذكر مقارنة بكلفة الإعلانات التقليدية من وسائل الاعلام المرئية والمقروءة.

3- المشاهير: يستخدمون هذه الوسائل للتواصل مع جمهورهم العريض وللبقاء ضمن دائرة التّنافس في كل جديد يُقدّمونه سواء كانوا من المشاهير القدامى أم من أولئك حديثي النعمة بغض النّظر عن المحتوى الجيد أو الهابط الذي يُقدّمونه.

4-السياسيون: يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الترويج للحملات الإنتخابية، وتسجيل مواقفهم السياسيّة والحياتيّة أمام جمهورهم وخصومهم وكذلك لصنع الأثر وتحريك الشّارع كما نرى في كثير من البلدان الّتي انطوت تحت ما سُميّ الربيع العربي.

5-الحكومات: تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لمشاركة المواطنين واطلاعهم على القرارات والمراسيم المُستجدّة  سواء كانت اقتصاديّة أو سياسيّة، كذلك من أجل الإعلان عن شواغر وتوظيف في القطاع العام.

6-الهيئات المدنيّة والاجتماعيّة: والتي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كي تصل إلى كل فرد وكل بيت وكل أسرة حتى تنشر الوعي والثقافة الحياتيّة والنفسيّة وهي توصل رسالة عبر هذه المواقع مفادها: أنت لست وحدك ونحن هنا من أجل مساعدتك….

كيف ساهمت التكنولوجيا في تطوير حياة الانسان؟

التعرض لمحتوى يضرّ بالعقل والدين والقيم، بينما لم يكتمل النمو الفكري للطفل، ولم يبلغ بعد مرحلة يميز فيها الجيد من الخبيث. انحرافات سلوكية مختلفة. أعراض انسحابية مثل العزلة أو الاكتئاب أو الخوف من الناس. انخفاض تقدير الذات، نتيجة المقارنات.

أصبحت السوشيال ميديا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فمنذ أكثر من عقد من الزمن تمكّنت وسائل التواصل الاجتماعي من اجتذاب عدد كبير من الشباب والمراهقين وحتى البالغين، لأنّهم يبحثون عن رفقة تُشبههم وتُمثلهم في ظل التسارع الذي حصل في حياتنا فأصبحت الفجوة كبيرة بين الجيل السّابق والجيل الحالي. وهذا التّواصل مع الآخرين يُخفّف من التوتر والقلق والاكتئاب، ويعزز تقدير الذات، ويوفر الراحة والمتعة، ويمنع الشعور بالوحدة، بل ويضيف خبرة وثقافة في حياة الفردِ.

كذلك فإنّها تُتيحُ فرصاً للشباب في التعبير عن أفكارهم فقد جعلت مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات العالم قرية صغيرة يتصل سكانها ببعضهم البعض بحريّة وبدون حدود بدرجة كبيرة حيث يسهل على أي شخص التعبير عن أفكاره وجمع المهتمين بها والمناصرين لها من كل أنحاء العالم وكأنّهم في حي صغير…

لكن لا يمكن أبداً أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن التواصل البشري في العالم الحقيقي، لذلك يُشكّل الانغماس في الواقع الافتراضي بعيدا عن عالم الواقع الحقيقي أخطاراً كبيرة على صحتنا النفسيّة وعلى هيكليتنا الاجتماعيةِ وذلك لأنّ الاتصال الشخصي مع الآخرين يُحفّز إفراز الهرمونات التي تخفف من التوتر (الكورتيزول) وتزيد منسوب السّعادة واللإيجابيّة (الدوبامين والسيروتونين والإندروفين والأكسيتوسين).

صحيح أنّ التكنولوجيا تُساعد في جعل العالم مختلف نسبياً يعمّه العدل والإنصاف والسّلام والحياة الجيّدة خاصة في ظل الذّكاء الاصطناعي والانجازات الرقميّة الّـتي تدعم أهداف التنميّة المستدامّة وتعجّل بتحقيقه – بدءاً بتعزيز الزّراعة المستدامة وتخفيف نسبة البطالة وإنهاء الفقر المدقع وتأمين المياه النّظيفة والحاجات الأوليّة للعيش وصولاً إلى الحد من وفيات الأمهات والرضع، ومحو الأمية (القراءة والكتابة للجميع).

ما هي سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي؟

لا تتوفر الكثير من الأبحاث حول آثار السوشيال ميديا على صحّتنا النّفسيّة على المدى الطّويل سواء كانت إيجابيّة أو سلبيّة، لكن دراسات عديدة أظهرت صلة قويّة بين قضاءِ وقتٍ طويلٍ على مواقع التواصل الاجتماعي وزيادة خطر الإصابة بالإكتئاب والتوتر والوحدة والقلق والعزلة والإنطوائيّة والوساوس القهريّة وإيذاء النّفس، وحتّى الأفكار الإنتحاريّة ذلك لاسباب عديدة اهمها:

– التّعرض لمحتوى عديم الفائدة: من حق الجميع أن يتواجد على مواقع التّواصل الاجتماعي ويتفاعل وينشر تعليقاته واهتماماته، لكن هذا الكم الهائل من التفاعل على شتّى الصّعد قد أعطى الفرصة لنشر الأخبار التافهة والكثير من المعلومات الخاطئة والمضلّلة والمحتوى الفارغ إلّا من التّفاهات.

– هدر الوقت: إنّ الإفراط في إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي يجعلها آفة يمكنها أن تقضي على الوقت وقيمته، فيُصبح اليوم بدون أي إنتاجيّة وتُعرقل للفرد أعماله وإنجازاته سواء بالعمل أو المدرسة، وهذا يُخسر الهدف الحقيقي من وجود هذه المواقع و تحرم الأشخاص من ممارسة الأنشطة الحياتيّة الطبيعيّة وتُفقدهم متعة الوجود في الواقع الحقيقي.

– وسيلة للتضليل: عادة ما نُشاهد هذا الأمر عند بروز استحقاقات سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة، حين يكون هناك مآرب شخصيّىة دوليّة (كما حصل وقت جائحة كورونا وتداعياتها، أين كورونا اليوم!) وبالطّبع الأشخاص العاديون أيضا يستخدمون التّضليل لأهدافٍ شخصيّة بحتة بغية تحقيق مكاسب ماديّة ومعنويّة.

– تدمير العلاقات الاجتماعية وصولا إلى التفكك الأُسري: تواجد الأشخاص في العالم الافتراضي الّذي تفرضه وسائل التّواصل الاجتماعي تجعل الأشخاص يعيشون في وهم  مُدمّر وخيال خطير، ينجمُ عنه مصائب جمّه تتمثّل أحياناً بالغيرة من أشخاص آخرين متواجدين على هذه المواقع وهدفهم الغش ونشر الفساد عن قصد أو غير قصد. كذلك مستخدمي السوشال ميديا يتعرفون على عوالم لا تلتقي مع أخلاقيات مجتمعاتنا وقيم عائلاتنا وهذا ما يؤدّي إلى مشاكل إجتماعيّة كبيرة وكوارث على مجتمعاتنا إن لم تنتبه الحكومات والقيمون.

– عدم الرضا عن الحياة: نحن جميعاً ندرك أنّ الأشخاص الآخرين يميلون إلى مشاركة الجوانب البارزة والمشرقة في حياتهم، ونادراً ما يُشاركون الجوانب السلبيّة أو التجارب المزعجة التي يمرون بها، لكن هذا لا يُقلل من مشاعر الحسد وعدم الرضا عندما يتصفّح البعض تلك الصّور للموائد الفخمة والأماكن الفارهة وغيرها من تبعات الحياة البرجوازيّة والّتي لا بُد لهم أن ينجروا خلفها ويسعون سعيهم لمواكبتها بشتّى الطرق… وهذا ما يجعلهم بحالة اضطراب نفسي وعدم قبل لواقعهم المختلف فتنشأ المشاكل والشعر بالدونيّة وتبرز الأمراض النّفسيّة حيق يشعرون بعد الأمان.

– العزلة: وجدت دراسة في جامعة بنسلفانيا أن الاستخدام المفرط للفيسبوك وسناب شات وإنستغرام يزيد إلى حدٍّ ما من الشعور بالوحدة. وعلى العكس من ذلك، وجدت الدراسة أن الحدّ من استخدام الوسائط الاجتماعية يمكن أن يجعلكِ في الواقع تشعر بوحدة أقل ويحسّن صحة الفرد بشكل عام والصّحة النّفسيّة بشكل خاص…

–  الإكتئاب والقلق: الإنسان بطبعه مخلوق إجتماعي مُجتمعي يحتاج إلى الاتصال والتواصل المباشر مع غيره من بني جنسه في حياة الواقع الحقيقي كي يتمتع بصحّة نفسيّة وعقليّة. وكلّنا نعلم مدى تأثير التواصل مع الآخرين حين يكون الشّخص في حالة توتر وقلق وكم لهذا من تأثير إيجابي في تفاعله وشعوره بالأمان لمجرد أنّه تحدث مع مَنْ يثق به،  فيخف التوتر ويتعزز مزاجه بشكل إيجابي وأسرع بكثير من تواصله في الواقع الافتراضي. لذلك كلما أعطينا الأولويّة للتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي على حساب العلاقات الاجتماعيّة الشخصيّة الحقيقيّة كلّما زاد احتمال إصابتنا باضطرابات المزاج وتفاقمها مثل القلق والتوتر والإكتئاب.

– التنمر الإلكتروني: الكثير من المراهقين يُخبرون عن تعرّضهم للتنمر على السوشيال ميديا، أو للتعليقات المسيئة على منصّات مواقع التواصل الاجتماعي والتي بدورها هي مصدر لنشر الشائعات الجارحة والأكاذيب وسوء المعاملة، مثل تويتر الّذي يُعتبر مكاناً متوهجّاً بالشائعات الجارحة والأكاذيب والتي يمكن أن تترك ندوباً عاطفية دائمة فتودي بالشّخص وخاصّة المراهق إلى اضطرابات نفسيّة عديدة.

– اضطراب في النوم: إنّ الضّوء المنبعث من الهواتف الذكيّة والأجهزة الأخرى أثناء تصفّح السوشال ميديا عند الاستيقاظ ليلاً أو في الصّباح، أو قبل النوم ليلاً، يُمكن أن يُؤدّي إلى اضطراب في النّوم، والذي بدوره له تأثير خطير على صحتكِ العقلية والنّفسيّة والجسديّة.

– سوء التغذية: خاصّة عند الأطفال والمراهقين الّذين يتهربون من تخصيص وقتاً للوجبات إذ أنّهم يقضون وقتهم أمام الشاشات الذكيّة. من ناحيّة ثانيّة فإنّ مشاهدتهم المتكرّرة لصور الوجبات الجاهزة على وسائل التواصل الاجتماعي سواء من أقرانهم أو من خلال الإعلانات الجاذبة يرتبط بشكل مباشر بزيادة استهلاكهم لها، مما يؤدي إلى إرتفاع مؤشّر كتلة الجّسم وارتفاع نسبة الدّهون والسّكر واحتمال الإصابة بالسّمنة والأمراض المرتبطة.

– الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي: خاصّة عند المراهقين والأطفال إذْ أنّ الفراغ الكبير الذي يعيشون فيه يجعلهم يتجهون إلى تلك المواقع لقضاء أوقات فراغهم والقضاء على الملل والشعور بالمتعة والتسلية، وهذا يُؤثر على الوقت والانتاجية والصّحة النّفسيّة.

نختم بالقول: خيرُ الأمور أوسطها. صحتنا وصحّة أولادنا النفسيّة أمانة في أعناقنا وعلينا الانتباه لها ايضا ننتبه لصحّتنا الجسديّة وعليه الرّجاء التّفكير مرتين قبل الانخراط في نصف العالم المُظلم من مواقع التّواصل الاجتماعي إذْ هي سيفٌ ذو حدّين إمّا توصلك إلى بر العلم والثّقافة أو توقعك في مستنقع التفاهة وبراثن الجهل…

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة